Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

موازنة 2026 الإسرائيلية... قنبلة تتهدد حكومة نتنياهو

تقرير رقابي لاذع يفاقم أزمة الثقة قبل التصويت على الخطة المالية الجديدة في الرابع من ديسمبر المقبل 

يبدو أن موازنة 2026 لن تكون مجرد أرقام على الورق بل قنبلة سياسية اقتصادية تهدد بانفجار جديد داخل الحكومة الإسرائيلية  (أ ف ب)

ملخص

التقرير لا يكتفي بانتقاد إدارة الحرب بل يتعمق في تشخيص بنية صنع القرار نفسها، فبحسب إنجلمان، تراجع عدد قرارات مجلس الوزراء الاجتماعي والاقتصادي بنسبة 90 في المئة خلال العقدين الماضيين، كذلك كانت مشاركة الوزراء في جلساته "جزئية وفي أحيان محدودة".

في خضم أجواء داخلية مشحونة بالأزمات السياسية والحرب الطويلة في غزة، فجر تقرير مراقب الدولة الإسرائيلي ماتانياهو إنجلمان عاصفة جديدة في الساحة السياسية والاقتصادية، بعدما وجه انتقادات غير مسبوقة لأداء مجلس الوزراء الاجتماعي والاقتصادي خلال الحرب، مشيراً إلى "غياب الكفاءة في إدارة الشؤون المدنية" و"العجز عن توفير استجابة منهجية للمجتمعات المتضررة".

هذا التقرير الذي نشرته صحيفة "معاريف" الإسرائيلية الذي وصف في تل أبيب بأنه "وثيقة إدانة سياسية" جاء في توقيت بالغ الحساسية، إذ تستعد الحكومة لعرض موازنة عام 2026 الشهر المقبل وسط خلافات حادة قد تعصف بالائتلاف وتعيد البلاد إلى صناديق الاقتراع.

إدارة مرتبكة واستجابة متعثرة

ويرى مراقب الدولة أن أداء الحكومة أثناء الحرب كشف "ضعفاً في البنية المؤسسية" و"غياب قيادة مدنية موحدة"، مؤكداً أن مجلس الوزراء الاجتماعي والاقتصادي لم يتخذ أي قرارات جوهرية على مدى اثني عشر شهراً منذ اندلاع الحرب، كذلك كشف عن أن مركز التحكم المدني (CCC)، الذي أنشئ لمتابعة الشؤون المدنية خلال الحرب، لم يعمل سوى شهرين ونصف، ولم يعين مديراً بديلاً بعد انتهاء فترة رئيسه في يناير (كانون الثاني) 2024.

ويضيف إنجلمان أن المجلس لم يقر أي خطة لدعم الأعمال، بل إن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش منع مناقشة بديل مقترح من وزارة الاقتصاد، مما أبطأ الإجراءات المتعلقة بتعويض المتضررين من الحرب ومساعدة الشركات الصغيرة.

وبحسب التقرير، لم تخصص وزارة المالية أي بند احتياطي في الموازنة للطوارئ، وكان الاحتياطي الفعلي في خزانة الدولة "صفراً" عند اندلاع الحرب، وهو ما يعني أن الحكومة دخلت الأزمة من دون استعداد مالي كاف.

فجوة مالية وأخطار هيكلية

واقعياً، تُظهر معطيات وزارة المالية أن نفقات الحرب منذ اندلاعها وحتى نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 بلغت نحو 112.8 مليار شيكل (30 مليار دولار)، في حين تتوقع الوزارة أن تصل الكلفة الإجمالية خلال الأعوام 2023-2025 إلى نحو 250 مليار شيكل (66 مليار دولار). كذلك بلغت مخصصات صندوق التعويضات نحو 17.7 مليار شيكل (4.7 مليار دولار)، فيما ارتفعت موازنة الدفاع إلى 95 مليار شيكل (25 مليار دولار) خلال عامي 2023 و2024، بينها 37 مليار شيكل (9.7 مليار دولار) خُصصت لرواتب ومزايا جنود الاحتياط.

ويرى اقتصاديون أن هذا المستوى من الإنفاق ينذر بزيادة حادة في الدين العام، ويقيد قدرة الحكومة على المناورة المالية في موازنة 2026. ويقول تقرير المراقب إن غياب التنسيق بين الوزارات وضعف القيادة المركزية أديا إلى تأخر الاستجابة لحاجات المجتمعات الشمالية التي تعاني من التهديدات المستمرة، مما أدى إلى "أزمة اقتصادية واجتماعية مزدوجة" ستتطلب سنوات لمعالجتها.

ملاحظات رقابية تحرج الحكومة

التقرير لا يكتفي بانتقاد إدارة الحرب بل يتعمق في تشخيص بنية صنع القرار نفسها، فبحسب إنجلمان، تراجع عدد قرارات مجلس الوزراء الاجتماعي والاقتصادي بنسبة 90 في المئة خلال العقدين الماضيين، كذلك كانت مشاركة الوزراء في جلساته "جزئية وفي أحيان محدودة".

هذه المعطيات تظهر (وفق مراقبين) أزمة هيكلية في آلية الحكم الإسرائيلية، إذ باتت المؤسسات المدنية تابعة إلى قرارات طارئة تتخذ في مجلس الحرب أو عبر تفاهمات سياسية، لا من خلال القنوات النظامية.

وحذر المراقب من أن هذا الضعف الإداري قد ينعكس سلباً في إدارة موازنة العام المقبل، خصوصاً أن النقاش حولها يأتي في ظل انقسامات داخل الحكومة الائتلافية بين اليمين الديني والأحزاب القومية، في وقت يتهم شركاء نتنياهو وزير المالية بأنه يتعامل مع الموازنة "كأداة سياسية" أكثر من كونها خطة اقتصادية.

موازنة 2026... معركة البقاء السياسي

لكن في ظل هذا المناخ، أعلن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش في بيان نقلته وكالة "رويترز" أن الحكومة تعتزم التصويت على موازنة عام 2026 في الرابع من ديسمبر (كانون الأول) المقبل، على أن تعرض على الكنيست قبل نهاية مارس (آذار) 2026، وإلا ستحل الحكومة تلقائياً وتجرى انتخابات مبكرة وفق القانون الإسرائيلي.

وعلى رغم ذلك، يدرك سموتريتش أن الطريق إلى إقرار الموازنة سيكون مليئاً بالعقبات، إذ تتصاعد الخلافات بين وزارات الدفاع والمالية والرفاه حول أولويات الإنفاق، فقد طالبت وزارة الدفاع بمخصصات إضافية لتغطية كلفة الحرب التي تجاوزت 250 مليار شيكل، فيما حذر مسؤولون في وزارة المالية من أن تلبية هذه المطالب ستؤدي إلى "انفجار عجز" يتجاوز 3.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

ويقول سموتريتش إن الحكومة "قادرة على تمرير الموازنة إذا نأت بها عن التجاذبات السياسية"، مؤكداً أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يشاركه هذا الهدف، لكن معارضيه يرون أن الأمر يتجاوز الاقتصاد إلى السياسة، لأن فشل تمرير الموازنة سيعتبر ضربة مباشرة لقيادة نتنياهو التي تواجه أصلاً تراجعاً في استطلاعات الرأي.

انقسامات حادة واتهامات متبادلة

وتعكس النقاشات الدائرة داخل الحكومة عمق الانقسام حول أولويات ما بعد الحرب، فالأحزاب الدينية تطالب بزيادة مخصصات طلاب المعاهد الدينية وإعفائهم من الخدمة العسكرية، فيما تدفع وزارة الدفاع نحو تخصيص موارد ضخمة لإعادة بناء الجيش وإعادة تأهيل البنية التحتية العسكرية. أما وزارة المالية فتتمسك بخطة لخفض ضرائب الدخل تدريجاً، مقابل فرض ضرائب جديدة على أرباح البنوك الكبيرة وإلغاء إعفاء السائحين من ضريبة القيمة المضافة على الخدمات السياحية.

ويرى محللون أن هذا التضارب بين الإنفاق العسكري والالتزامات الاجتماعية يعكس مأزقاً اقتصادياً سياسياً مزدوجاً، إذ يصعب على الحكومة تلبية مطالب القواعد الانتخابية المتنوعة ضمن الائتلاف، من دون زيادة الضرائب أو خفض الإنفاق الاجتماعي.

ويقول أستاذ الاقتصاد في جامعة "تل أبيب" البروفيسور عوفر بن ديفيد، إن "الموازنة المقبلة ستكون اختباراً سياسياً بامتياز، لأنها ستظهر ما إذا كان نتنياهو قادراً على الحفاظ على توازن دقيق بين شركائه من دون الانزلاق إلى انتخابات جديدة"، مضيفاً أن "التقرير الرقابي الأخير يعمق أزمة الثقة بين الجمهور والحكومة، ويمنح المعارضة ذريعة قوية للتشكيك في كفاءة إدارة المال العام".

مؤشرات الاقتصاد في وضع هش

في تلك الأجواء المشحونة، خفضت وزارة المالية توقعاتها للنمو في عام 2025 إلى 2.8 في المئة، على أن يتسارع النمو إلى 5.2 في المئة في عام 2026 إذا استقر الوضع الأمني، لكن المحللين يرون أن هذه التقديرات "مفرطة في التفاؤل"، نظراً إلى استمرار التوتر على الحدود الشمالية وتراجع الاستثمارات الأجنبية وتباطؤ قطاع البناء بسبب نقص العمالة الأجنبية.

ووفقاً لتقرير مراقب الدولة، فقد الاقتصاد الإسرائيلي نحو 310 آلاف عامل أجنبي، نصفهم فلسطينيون، نتيجة الحرب، هذا النقص تسبب في خسائر قدرت بنحو عشرة مليارات شيكل في الربع الأخير من عام 2023، وأثر في قطاعات الزراعة والبناء والسياحة، كذلك تسببت الأوضاع الأمنية في تقليص الصادرات الصناعية بنسبة لافتة خلال الأشهر الأخيرة من عام 2024.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويعتقد مراقبون أن أخطر ما كشف عنه تقرير إنجلمان هو "تآكل الثقة بين مؤسسات الدولة"، إذ أشار إلى أن ممثل بنك إسرائيل لم يمنح الفرصة لعرض موقفه المهني في جلسات الحكومة، وأن البيانات التي جمعها البنك عن استبدال العمال الفلسطينيين بعمال أجانب لم تؤخذ في الاعتبار، وانتقد المراقب ما وصفه بـ"غياب الشفافية في إعداد وتنفيذ موازنات الحرب"، وهو ما يثير مخاوف من ضعف الرقابة البرلمانية على الإنفاق.

وتعليقاً على التقرير، قالت النائبة المعارضة ميراف ميخائيلي إن الحكومة "تعمل بعقلية إدارة أزمة دائمة من دون خطة خروج"، فيما اعتبر النائب من الائتلاف سميحا روتمان أن المراقب "يتبنى موقفاً سياسياً متنكراً في عباءة مهنية"، من المؤكد هذه التراشقات تعكس تصاعد التوتر داخل الطبقة السياسية عشية بدء مناقشة الموازنة الجديدة.

ضغوط داخلية وخارجية

على الصعيد الخارجي، تواجه إسرائيل ضغوطاً متزايدة من وكالات التصنيف الائتماني التي تراقب من كثب قدرتها على السيطرة على العجز والديون، فبعد أن خفضت وكالة "موديز" نظرتها المستقبلية إلى "سلبية" في منتصف 2024، حذرت وكالات أخرى من احتمال خفض إضافي إذا استمرت حالة عدم الاستقرار السياسي.

في الوقت نفسه، يتخوف المستثمرون من أن تؤدي المواجهات المستمرة في غزة والحدود الشمالية إلى تأجيل تنفيذ مشروعات بنية تحتية كبرى، بينها مشاريع الغاز والطاقة.

وقد ربطت مؤسسات مالية دولية، بينها "جيه بي مورغان"، أي تحسن في التصنيف بتمرير موازنة واقعية قادرة على ضبط الإنفاق وإعادة الثقة بالاقتصاد.

في ضوء هذه المعطيات، تبدو موازنة 2026 أكثر من مجرد وثيقة مالية، فهي اختبار سياسي لحكومة نتنياهو، التي تواجه انقسامات داخلية وضغوطاً خارجية وتراجعاً في الشعبية، فالتقرير الرقابي الأخير أعاد تسليط الضوء على هشاشة الإدارة الاقتصادية خلال الحرب، وأثار أسئلة حول قدرة الحكومة على استعادة ثقة الجمهور والمؤسسات المالية.

ويرى محللون أن إقرار الموازنة سيشكل "معركة بقاء" للائتلاف، وأن أي فشل في تمريرها سيقود حتماً إلى انتخابات مبكرة قد تغير ملامح المشهد السياسي برمته.

ساعة الحقيقة

وعلى أية حال، تكشف التطورات الأخيرة أن إسرائيل مقبلة على مرحلة حاسمة سياسياً واقتصادياً، إذ يتقاطع الاستحقاق المالي مع أزمات الثقة والإدارة والحرب.

ويبدو أن موازنة 2026 لن تكون مجرد أرقام على الورق، بل قنبلة سياسية اقتصادية تهدد بانفجار جديد داخل الحكومةـ وإذا لم ينجح نتنياهو وسموتريتش في تمريرها بتوافق موسع، فقد يجد الائتلاف نفسه أمام معادلة مستحيلة: إما إنقاذ الموازنة أو السقوط في انتخابات مبكرة تفتح فصلاً جديداً من عدم الاستقرار في الدولة العبرية.

يضاف إلى ما سبق، التقارير المتشائمة حول اقتصاد تل أبيب، ففي أحدث بياناته حول منطقة الشرق الأوسط توقع صندوق النقد الدولي أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل بنسبة 2.7 في المئة، في مقابل معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي للإمارات عند 4.8 في المئة ومصر عند 4.3 في المئة والسعودية عند 4 في المئة في حين توقع أن يرتفع الناتج المحلي الإجمالي لتركيا إلى 3.5 في المئة وإيران عند 2.5 في المئة.

اقرأ المزيد