ملخص
أجبرت وزارة الدفاع السورية "الحزب الإسلامي التركستاني" على حل نفسه في يونيو استجابة للمخاوف الصينية، إلا أنه يصعب تقييم مدى تنفيذ هذا القرار في ظل غياب نظام رقابة شفاف وموثوق، ومن أجل ترويض الصين، أدلى الرئيس السوري أحمد الشرع أخيراً بتصريح قال فيه بوضوح "أتعاطف مع الإيغور، لكن نضالهم ضد الصين ليس نضالنا".
أصدر رئيس حزب "التركستان الإسلامي" (المعروف أيضاً بحركة شرق تركستان الإسلامية) عبدالحق تركستاني تحذيراً شديد اللهجة قبل سقوط حكومة بشار الأسد بأسبوع على يد "هيئة تحرير الشام" قائلاً إن "كفرة الصين سيلقون مصير كفرة سوريا قريباً".
أحد أسباب هذا التصريح هو الارتباط الوثيق بين الحزب و"هيئة تحرير الشام" إذ انضم عدد كبير من المسلحين من أصول إيغورية وقوقازية وآسيا الوسطى في الحملة الأخيرة التي استمرت 11 يوماً لأحمد الشرع للسيطرة على العاصمة السورية دمشق.
ولعب هؤلاء المقاتلون دوراً محورياً في انتصار "هيئة تحرير الشام" على نظام الأسد (الرئيس المخلوع بشار الأسد) كما قتل نحو 1100 مقاتل إيغوري أثناء قتالهم في صفوف الهيئة.
يعود تاريخ هذه العلاقة عند وصول الإيغور، وهم أقلية عرقية مسلمة صينية، إلى سوريا عبر تركيا وجنوب شرقي آسيا بين عامي 2012 و2013 واستقروا في محافظة إدلب التي تسيطر عليها "هيئة تحرير الشام".
ويقدر إجمالي عدد الإيغور المقيمين في سوريا بنحو 15 ألف شخص، وقد تم تجنيد 3500 منهم أخيراً في الفرقة 84 في الجيش السوري ما أثار القلق لدى الصين إذ أعربت بكين عن قلقها إزاء وجود الإيغور في سوريا وانتظامهم في الجيش داعية إلى تحرك عالمي ضد المسلحين الإيغور.
وتخشى بكين أن المقاتلين الإيغور المتمرسين قد يوسعون أهدافهم الاستراتيجية بما يتجاوز دمشق، وربما يستخدمون خبرتهم القتالية ضد الصين لفصل إقليم شينجيانغ وإقامة دولة إسلامية باسم "تركستان الشرقية" على غرار "هيئة تحرير الشام" في سوريا أو "طالبان" في أفغانستان.
وبحسب وجهة نظر الصين فإن المسلحين الإيغور في سوريا ينتظرون فرصة العودة إلى وطنهم وإعادة إطلاق الحركة الانفصالية.
لقد كان سقوط نظام الأسد ودمج المقاتلين الإيغور في الجيش السوري ومنح أعداد كبيرة منهم رتباً عسكرية عالية مثل رتبة العميد بمثابة ضربة مزدوجة للصين.
خسرت الصين بسقوط بشار الأسد حليفها الوثيق في الشرق الأوسط الذي كان يزودها بمعلومات حيوية عن أنشطة مقاتلي الإيغور في سوريا، بل لم يتوان أيضاً عن اتخاذ إجراءات ضدهم مقابل الدعم الدبلوماسي من الصين لحكومته، واستخدمت الصين إلى جانب روسيا حق النقض (الفيتو) ثماني مرات في مجلس الأمن الدولي لمصلحة الأسد منذ عام 2011.
من ناحية أخرى لا يزال النظام الجديد الذي تأسس في سوريا بعد الأسد، على رغم تمتعه بدعم دبلوماسي ومالي إقليمي ودولي يفتقر إلى الاستقرار، والأهم من ذلك بالنسبة إلى الصين أن المسلحين الإيغور الذين سعت الصين للقضاء عليهم انضموا الآن إلى الجيش السوري الرسمي وحققوا مكانة الدولة.
إلى جانب ذلك، ينشط تنظيم "داعش" في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة السورية، إذ أعلن التنظيم مسؤوليته عن هجومين إرهابيين في سوريا منذ سقوط نظام الأسد، استهدف أحدهما قوات الحكومة السورية.
أصبح هذا الوضع بمثابة كابوس بالنسبة إلى بكين التي تخشى أن يتمكن المسلحون الإيغور من العودة إلى شينجيانغ أو تنفيذ هجمات على طول طرق مبادرة الحزام والطريق، التي تمر عبر مناطق غير مستقرة سياسياً مثل باكستان ودول آسيا الوسطى والشرق الأوسط.
ربما كان القتال في سوريا بالنسبة إلى مسلحي "الحزب الإسلامي التركستاني" في الواقع تحضيراً لحرب مستقبلية ضد الصين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
على رغم أن عبدالعزيز داوود خدايبردي المعروف باسم "زاهد" يقود "الحزب الإسلامي التركستاني" في سوريا، فإن المقاتلين الإيغور هناك لا يزالون يتبعون أوامر الزعيم العام للمنظمة عبدالحق التركستاني المقيم في أفغانستان.
ويتمتع الحزب بعلاقات وثيقة مع حركة "طالبان" الأفغانية وتنظيم "القاعدة" وحركة "طالبان - باكستان" المحظورة وجماعة "أنصار الله" و"الحركة الإسلامية" في أوزبكستان.
ووفقاً لتقرير الأمم المتحدة، لا يتجاوز عدد مقاتلي "الحزب الإسلامي التركستاني" في أفغانستان 500 مقاتل، وقد فرضت حكومة "طالبان" رقابة مشددة عليهم، إلا أن عددهم مرشح للزيادة في حال انتقال أعداد كبيرة منهم من سوريا إلى أفغانستان بأوامر من عبدالحق التركستاني، وهذا قد يزيد من مخاوف استعدادهم للعملية القادمة ضد شينجيانغ.
وتشير التقارير إلى أن بعض مقاتلي "الحزب الإسلامي التركستاني" إلى جانب مقاتلين من آسيا الوسطى انتقلوا فعلاً من سوريا إلى وادي بنجشير في أفغانستان، الذي يقع قرب الحدود بين أوزبكستان وطاجيكستان.
ويتقاسم "الحزب الإسلامي التركستاني" في أفغانستان القواعد ومراكز التدريب مع هذه الجماعات الإرهابية في مقاطعات بلخ وبدخشان وقندوز وكابول وبغلان.
وعلى غرار خدمات المقاتلين الإيغور في سوريا تحت مظلة "هيئة تحرير الشام"، استخدمت حركة "طالبان" أيضاً مقاتلين من "الحزب الإسلامي التركستاني" لمحاربة تنظيم "داعش" في شمال أفغانستان حيث يسعى التنظيم في خراسان إلى توسيع نفوذه في آسيا الوسطى من خلال تجنيد أعضاء من جماعات ذات آراء معارضة لحركة "طالبان".
يذكر هنا أن تنظيم "داعش - خراسان" أيضاً يحاول تجنيد مقاتلين من "الحزب الإسلامي التركستاني" تحت اسم "فريق الإيغور". إذا قلصت حركة "طالبان" سيطرتها على "الحزب الإسلامي التركستاني" فقد ينضم الأعضاء الساخطون في المنظمة إلى تنظيم "داعش" في خراسان الذي يواصل نشر الدعاية المناهضة للصين لجذب انتباه المتشددين الإيغور.
ولمعالجة المخاوف في شأن تسلل "الحزب الإسلامي التركستاني" إلى شينجيانغ أو الأعمال العنيفة على طول طرق مبادرة الحزام والطريق، تتبع الصين نهجاً مماثلاً تجاه الحكومة الموقتة بقيادة "هيئة تحرير الشام" للسياسة التي تتبعها مع نظام "طالبان" في أفغانستان.
أقامت الصين علاقات دبلوماسية واقتصادية وثيقة مع "طالبان" لضمان عدم وصول الإرهاب من أفغانستان إلى شينجيانغ لكنها لم تعترف رسمياً بحكومة "طالبان"، وبالمثل، تحاول بكين بحذر إقناع حكومة "هيئة تحرير الشام" بعدم استخدام قادة الإيغور في المناصب العسكرية.
وتعد مكافحة الإرهاب ضد "الحزب الإسلامي التركستاني" ركيزة أساسية في سياسة الصين لتطبيع العلاقات مع سوريا، وربما يشرح هذا عرقلة الصين الجهود الدبلوماسية في الأمم المتحدة لشطب قادة مرتبطين بالهيئة من قوائمها، كما أنها طلبت ضمانات ضد مسلحي الإيغور من الإدارة السورية لإعادة فتح العلاقات الكاملة معها.
وأجبرت وزارة الدفاع السورية "الحزب الإسلامي التركستاني" على حل نفسه في يونيو (حزيران) استجابة للمخاوف الصينية، إلا أنه يصعب تقييم مدى تنفيذ هذا القرار في ظل غياب نظام رقابة شفاف وموثوق.
ومن أجل ترويض الصين، أدلى الرئيس السوري أحمد الشرع أخيراً بتصريح قال فيه بوضوح "أتعاطف مع الإيغور، لكن نضالهم ضد الصين ليس نضالنا".
وسبق هذه الخطوات من الإدارة السورية الجديدة إصدار الميثاق الجديد من قبل "الحزب الإسلامي التركستاني" في مارس (آذار) الذي استعاد فيه اسمه القديم "الحزب الإسلامي الشرقي"، ويتبنى الميثاق الجديد نبرة قومية تركز على شينجيانغ.
تمثل تركستان درساً تعلمه "الحزب الإسلامي التركستاني" من نماذج "طالبان" و"هيئة تحرير الشام" الناجحة، إذ يركز الميثاق الجديد على الصين متجاهلاً قضايا الجهاد العالمي.