Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بدخول تركيا إلى سوريا... تهيئ الولايات المتحدة أرضا خصبة جديدة لازدهار داعش

بدا لبرهة من الزمن وكأن النزاع في سوريا يفرز أخيراً فائزين وخاسرين واضحين. لكن فُتحت جبهة جديدة الآن وربما باتت عودة أحد أعنف أطراف النزاع وشيكة

مسلحون سوريون من المعارضة مدعومون من تركيا يدخلون بلدة تل أبيض ذات الغالبية الكردية (رويترز)

يقول المثل الرائج في الشرق الأوسط حالياً "لا تنزل البئر بحبل أميركي أبداً"، فيما تتخلّى الولايات المتحدة عن حلفائها الأكراد، ليواجهوا وحدهم قوات الاجتياح التركية.  يشكّك أبناء المنطقة تاريخياً في ولاء القوى العظمى لأصدقائها المحليين ولكن حتى أهل المنطقة يشعرون بالصدمة جرّاء السرعة وانعدام الرحمة اللتين تميزان موافقة دونالد ترمب على السماح للأتراك بشن هجومهم.

وحسبما أفادت الأمم المتحدة ومجموعات حقوق الإنسان، فإن عشرات الآلاف من اللاجئين الأكراد يفرون من مدنهم الحدودية تحت قذائف الطيران  ونيران المدفعية التركيين التي تستهدفهم. وفي حين يتكتم معظم الزعماء الذين يفكرون بإطلاق حملة تطهير عرقي  على خططهم، يجاهر الرئيس التركي أردوغان بنيّته نقل مليوني لاجئ عربي سوري من مناطق سورية أخرى إلى الأراضي الكردية وتوطينهم فيها (ويقول إنه اكتشف أنّ الأرض ليست كردية حقاً).

تبدو كل الأخبار الواردة من ميدان الحرب الجديد مليئة بالمفارقات المضحكة. فترمب يقول إن تركيا ستتحمل مسؤولية تأمين الآلاف من عناصر داعش الذين تحتجزهم وحدات حماية الشعب الكردية. لكن يشير بريت ماكغورك بصفته المستشار السياسي السابق للتحالف الدولي ضدّ داعش، والمصدر الذي نقل مقولة عدم الوثوق بالحبل الأميركي، إلى أن تركيا هي من رفض في السابق "المشاركة في أي تعاون جدّي في مسألة داعش فيما عبر 40 ألف مقاتل أجنبي من أراضيها باتجاه سوريا".

والأحداث التي تبعث على السخرية لم تنتهِ بعد. ففي اللحظة نفسها التي عبر فيها الجيش التركي الحدود السورية من أجل قتال وحدات حماية الشعب يوم الأربعاء الماضي، كانت هذه الوحدات التركية تتعرض لهجوم من عدو مختلف: ففي الرقة، عاصمة  الأمر الواقع السابقة لداعش، فتح مقاتلان من داعش مسلّحان بالبنادق الأوتوماتيكية والقنابل والأحزمة الناسفة النار على وحدات حماية الشعب الكردية التي تسيطر على المدينة منذ أن انتزعتها من داعش في العام 2017  في نصر عسكري كلفّها 11 ألف إنسان.

طوقت هذه المرة، وحدات حماية الشعب عنصرَي داعش وتغلبت عليهما في النهاية. لكن في المستقبل سيواجه جنودها، لأنه من السخف تسميتهم برجال الميليشيات بما أنهم من أكثر الجنود المخضرمين في الشرق الأوسط، مهمة أصعب. فبالإضافة إلى قتال داعش في الميدان، سيضطرون إلى رصد السماء فوقهم للاحتماء من الطيران التركي المعادي الذي بدأ بالفعل باستهداف مواقع وحدات حماية الشعب شمال الرقة. وسيكون من الحتمي أن تبسط داعش قريباً سيطرتها من جديد على أجزاء من دولة الخلافة القديمة.

تدور الكثير من التكهنات الأنانية في الولايات المتحدة وأوروبا حول بروز داعش من جديد ومصير الآلاف من سجناء التنظيم الذين تحتجزهم وحدات حماية الشعب. لكن هذه ليست سوى اثنتين فقط من النتائج الناجمة عن الفوضى التي يخلّفها الاجتياح التركي، كما أن الأتراك لن يسيطروا على المنطقة بطريقة تُشبه سيطرة الأكراد والأميركيين الذين يحلون محلهم. 

ستتحول تركيا في هذه الرقعة الواسعة من الأرض، أي الـ 25% من سوريا الواقع شرق الفرات، إلى لاعب كبير لكنها لن تصبح صاحبة نفوذ مطلق. ربما تحاول أن تشقّ طريقاً لها عبر شمال شرق سوريا فتتقدم بشكل تدريجي لتحتل شريحة واحدة من الأرض إثر أخرى. وسيكون لذلك أثره العظيم على الأكراد بكل الأحوال ولاسيما أنّ 500 ألفاً منهم يقطنون على مقربة من الحدود. وفعلياً، سينقل الحدود بين الأتراك والأكراد إلى نقطة أبعد جنوباً ستصبح  عرضة لمزيد من المشاكل أكثر مما كانت عليه سابقاً.

بعبارات أخرى، فالنتيجة الحتمية لإعطاء الرئيس ترمب الضوء الأخضر للعمل العسكري التركي، وفي هذه الحالة، لعب غياب الضوء الأحمر دور الضوء الأخضر، هي تشرذم السلطة والقوة. وسيتيح هذا التشرذم فرصة مثالية لداعش كي ترصّ صفوفها مرة أخرى وتجدد نشاطها، وما هجوم مدينة الرّقة الذي ذكرته سابقاً سوى دليل على بدء عملية إحياء التنظيم. 

ومن مظاهر الأزمة الحالية أيضاً زيادة حظوظ الميليشيات على طراز داعش والقاعدة التي تتصرف وكأنها ممثلة للاتراك. فالخرائط التي تشير إلى وقوع منطقة الشمال الشرقي السوري "تحت السيطرة الكردية" تخفي واقعاً على الأرض هو التعداد السكاني شبه المتساوي بين الأكراد والعرب. وتتغذى السياسة المحلية على المنافسات الإثنية والأحقاد، التي ستصبح سامّة وحاسمة أكثر فيما يجد السكان أنفسهم أمام خيارين: إما الأتراك أو الأكراد. ويشكّل هذا النوع من الميادين السياسية المنقسمة عادة موقعاً خصباً لازدهار داعش والقاعدة. 

تغيّرت موازين القوى في سوريا بسبب الاجتياح التركي وعدم الرغبة أو عدم القدرة الأميركية على إيقافه. وأوضح ترمب تماماً رغبته بالخروج من الحرب السورية. وغرّد هذا الأسبوع قائلاً "كان على الولايات المتحدة الأميركية ألّا تدخل الشرق الأوسط أبداً. وبالنسبة لنا، هنا تنتهي هذه الحروب الغبية التي لا تنتهي". لكن على الرغم من ذلك، استغرق العالم وقتاً طويلاً قبل أن يأخذ انعزاليته وكراهيته للعمل العسكري على محمل الجد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفيما يتعلق بسوريا، فإن سياسة ترمب المفكّكة إلى حدٍ يجعلها أقرب إلى سلسلة من المواقف، تُعدّ  خيانة للأكراد لكنها تتسم ببعض الواقعية القاسية.  فالموقع الأميركي في سوريا ضعيف وليس مستداماً على المدى البعيد. ولا تقدر قوات واشنطن  بأعدادها الهزيلة أن تدعم إلى الأبد دويلة الأمر الواقع التركية المحصورة بين تركيا المعادية لها شمالاً والحكومة السورية التي تكنّ لها العداء نفسه تقريباً جنوباً وغرباً.

ربّما هال دوائر السياسة الخارجية الأميركية  تخلّي ترمب عن الأكراد فيما كانت تفضّل أن يواجه روسيا والرئيس السوري بشار الأسد. ولكن هذه المواجهة تستدعي وجود قوة عسكرية أميركية أعظم بكثير والتزاماً سياسياً أضخم بكثير، وهذان أمران لا يريدهما الكونغرس ولا الشعب الأميركي.

على الأرجح أنّ ماكغورك محقٌّ في اعتقاده أن قيمة الحبال الأميركية باعتبارها وسيلة للهروب من الآبار العميقة ستتراجع كثيراً بعد اليوم في الشرق الأوسط. فالعالم برمّته يعتقد أنّ الولايات المتحدة تكبّدت هزيمة كبيرة في سوريا. ويعيد مشهد قافلات الأكراد الفارّين والمرعوبين إلى الأذهان صور الفيتناميين اليائسين الذين عملوا بشكل وثيق جداً مع الأميركيين، وهم يحاولون الهروب من سايغون في العام 1975. 

لطالما عبّر الأكراد في مجالسهم الخاصة عن سخريتهم من التحالف مع الولايات المتحدة لكنهم لم يروا أي خيار آخر أمامهم. ومع ذلك، لم يتوقعوا أن تتخلى عنهم  بهذا الشكل الكامل والمباغت.  

لكن ربّما يستفيد السوريون الأكراد بعض الشيء من فجاجة التصرّف الأميركي وظلمه، ومن السخط الذي سببه داخلياً ودولياً. فالغضب الذي يعبّر الجميع عنه اليوم يناقض قطعاً اللامبالاة الدولية حين استولت تركيا على مدينة عفرين الكردية الصغيرة في شمال غرب سوريا العام الماضي ونفّذت فيها تطهيراً عرقياً.

لكن المرحلة الأخيرة في الأزمة السورية تحمل في طياتها درساً أكبر. لفترة من الزمن، بدا أنّ العنف ينحسر مع بروز خاسرين وفائزين ولكن ها نحن على أعتاب دورة جديدة من العنف بين الأتراك والأكراد. لن تتوقف سوريا عن توليد المزيد من الأزمات إلا بعد إنهاء النزاعات المتعددة في البلد في الوقت نفسه.

© The Independent

المزيد من آراء