Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من النضال إلى الفوضى: قراءة في تحولات الحركات السياسية

عزلة الشرق الأوسط المعرفية في بداية الحقبة الاستعمارية أدت إلى ظهورها في شكلها الأول الديني لتصبح بعد ذلك رد فعل تجاه الظلم والاستغلال قبل أن تتحول إلى أداة هدم

حركة طالبان كانت تنشر الوعي الديني في بدايتها بين قبائل البشتون (أ ف ب)

ملخص

لا تولد الحركات السياسية في الظروف السياسية نفسها داخل الدول دائماً، أي لا يكون ظهورها نتيجة لانعدام النظام والحروب الأهلية أو الاستعمار، وهذا ما نلاحظه عبر التاريخ، فربما تكون فكرة لأقلية تاريخية تتبنى رواية أسطورية متوارثة ودخيلة في الأساس تجد فيها الخلاص.

تولد الحركات السياسية من رحم الفوضى والصراعات داخل الدول، وتعد ظواهر عاطفية تلقائية غير منظمة ولا تقوم على أساس هيكلي معين، وتتحول بمرور الزمن إلى نظام سياسي متطرف ينظم الصفوف ويقدس الأشخاص ويعظم المبادئ والمعتقدات، ويدعو في شعاراته إلى الإصلاح والوحدة وغيرهما، لتظهر بصورة حركية ثورية معارضة في وجه كل الفوضى القائمة.

وطالما أكدت تلك الحركات على إحدى المبدأين، وهما سيادة الشعب أو سيادة الدين، وعلى حسب شكل النظام القائم والثورة عليه يكون نهجها المستقبلي، هذه هي السمات العامة للحركات السياسية عبر التاريخ في العالم، لكن خلال حقبة زمنية محددة تغير مفهومها واتخذت هيكلاً جديداً وأشكالا مختلفة، نتعرف إليها في هذا العرض.

الشرق الأوسط أرض خصبة

يرى عدد من الباحثين أن عزلة الشرق الأوسط المعرفية في بداية الحقبة الاستعمارية وبداية هيمنة الغرب على المنطقة أدت إلى ظهور الحركات في شكلها الأول الديني، لتصبح بعد ذلك رد فعل تجاه الظلم والاستغلال القائم في الأمة والشعب، فما كانت في بدايتها حركة ذات طابع ديني تطورت لتصبح حركة لنظام جديد إصلاحي نضج مع مرور الوقت ليصبح نضالياً يستهدف طرد المستعمر ونهضة بالأمة وإصلاحها، وبشكل عام يعد ذلك نهجاً سليماً وفقاً لمعطيات الأحداث الجارية في مرحلة ظهورها، لكن نلاحظ أنها تحولت من شكلها الأصلي ذي الصبغة النضالية الإصلاحية إلى تسليع سياسي وهدام في داخل الدولة وخارجها، طالما وجدت في الشرق الأوسط الأرض الخصبة لنموها واستمرارها.

"طالبان" نموذج تقليدي

في هذا السياق تعد "طالبان" أفغانستان نموذجاً لإحدى هذه الحركات، وهي حركة طلابية دينية في شكلها الأول، كانت تنشر الوعي الديني في بدايتها بين قبائل البشتون، ونتيجة الحروب الأهلية الأفغانية بعد الحرب السوفياتية تشكلت رسمياً عام 1994، واتخذت شكلاً سياسياً أيديولوجياً، فظهورها كان محموداً في بداية الأمر داخل أفغانستان، حيث كان الشعب هناك بحاجة إلى سلطة تعيد استقرار البلاد، لكن رأينا هرب فئة كبيرة منهم في مطار كابول بعد استعادة "طالبان" السلطة عام 2021 كنتيجة حتمية لتحول نهج الحركة إلى مسار قمعي متخلف، يدرك معنى الدولة من طريق تأليه الحركة ومبادئها الدينية ولا يخدم قيم العدالة والحرية.

ويرى محللون أن وجود حكومة مثل "طالبان" تخدم أجندة الولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط التي ترغب في ضرب الدولة الإيرانية بكيان دولة أيديولوجية أشد منها، ممثلة في حكومة "طالبان"، وتطويع الجميع في فلك السياسية الأميركية، وبالتالي كانت حركة طالبان ولا تزال أداة لخلق تبرير لاستمرار الحروب الأميركية في الشرق الأوسط.

تباين أسباب نشأتها

من ناحية أخرى لا تولد الحركات السياسية في الظروف السياسية نفسها داخل الدول دائماً، أي لا يكون ظهورها نتيجة لانعدام النظام والحروب الأهلية أو الاستعمار، وهذا ما نلاحظه عبر التاريخ، فربما تكون فكرة لأقلية تاريخية تتبنى رواية أسطورية متوارثة ودخيلة في الأساس تجد فيها الخلاص ونجاة من واقع معين، مثل الحركة الصهيونية التي تبنت فكرة إيجاد وطن يلم الشتات اليهود وينهض بالوجود الإسرائيلي.

وهناك حركات تنتقل في أفكارها من بلد إلى آخر وتجد الأرض الخصبة لتنشأ وتعيش وتتنفس داخل مؤسسات الدول، متنكرة بغطاء معين يحمي حقيقتها التي تنكشف عند مرحلة خلل تمر فيه أجهزة الدول الحاكمة، وربما تظهر عندما تتبنى الدولة مشروع تسليح جديد أو تنوي عقد صفقات اقتصادية تهدف لتطوير البلاد، فتتعالى أصواتها اعتراضاً وتستهدف رموزاً وطنية وتاريخية في أحيان أخرى لإثارة الرأي العام وترجيح كفة على كفة، في معادلة نتيجتها إضعاف الدولة وصناعة مسارات هدامة لأطراف خارجية معادية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتعد مرحلية حركة "الإخوان" عبر التاريخ نموذجاً نتج منه مرحلة ما تسمى "الربيع العربي"، وإن لم تكن الأساس فيه، بل لعبت دوراً مهماً في بعض ثوراته وحاولت الاستفادة منه في الداخل، حيث تتحكم في الوعي الجمعي للشعوب الهائجة، وفي الخارج تروج لمشاريع أيديولوجية تخدمها في المقام الأول.

اختلاف الغايات في الغرب

من الملاحظ أن الحركات السياسية في العالم عموماً تتخذ دائماً ومنذ الأعوام الأولى لنشأتها الطابع الإنساني والاجتماعي، فنرى في العالم الغربي أن الحركات وجدت الأرض الخصبة لظهورها بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، حيث ظهرت نتيجة لتقلبات معنوية ومادية ناتجة من الحروب، فانحدر الإيمان المسيحي التقليدي بين الشعوب الغربية وظهر فراغ ديني، فكانت الحركات السياسية والاقتصادية تملأ الخزان المشاعري لهذه الشعوب المنهكة من تبعات الحروب، وتظهر الحركة الماركسية كنموذج سياسي اقتصادي لحركة ولدت من ثورة الـ "بروليتاريا" العمالية ضد البرجوازية الرأسمالية، فتبسط روح الإنسان وتختزله في المادة وحركة الاقتصاد من دون فوارق طبقية، وفي إشارة إلى تطور الحركات لشكل محمود يسهم في تحقيق أهداف سامية تخدم الأوطان.

ويشير كتاب "تاريخ عيد العمال" للمؤلف الفرنسي موريس دومانغيه، في دراسة شاملة أصيلة تعد المرجع الأهم باللغة الفرنسية، إلى تاريخ نضال الحركات العمالية وتحولها من اجتماعية إنسانية بحتة لحركات سياسية بعد ذلك لتصبح أداة مقاومة في فرنسا ضد النظام الفاشي، أسهمت في تحرير البلاد عام 1944، والمفارقة هنا أن تحول فرنسا في حقبة زمنية لحكومة فاشية تدعم ألمانيا النازية بامتياز، وبتواطؤ من حركات قومية أو ذات أيديولوجية معينة داخل فرنسا، انتهزت هزيمة بلادها وتعاونت مع دول المحور خلال الحرب العالمية الثانية، وهو التعاون الذي صنفه المؤرخ ستانلي هوفمان في دراسة بحثية له صادرة من "جامعة هارفارد" بـ "تعاون إجباري ذليل بالضرورة" أو "طوعي أيديولوجي" يستغل الموقف فيدعو إلى تعاون مع القوة الأجنبية التي ستحقق التحولات المحلية المرغوبة.

القداسة الدينية في أميركا

شاركت الولايات المتحدة في خلق الحركات السياسية ونقلت القداسة من الطوائف الدينية التقليدية إلى البعد السياسي للجمهورية الجديدة خلال القرنين الموالين للتاريخ الأميركي، مسهمة بذلك في تكوين تلك الديانة العمومية الأميركية التي طالما دعا إليها بنيامين فرانكلين، وتمزج بين علم اللاهوت الإنجيلي المتعصب والألوهية العقلانية للمنهج التنويري، وكذلك المعتقدات والأساطير والرموز التي انبثقت عن الوطنية المتنامية للجمهورية الجديدة، ولقد عايش الثوار الأميركيون الذين تلقوا تربية دينية ومدنية تقليدية ومتعصبة ونهلوا من فلسفة التنوير حرب الاستقلال وكأنها تجربة دينية، وقاموا بتفسيرها على أساس الأساطير الأخروية للعقيدة الألفية للبروتستانت، وعلى إثر ذلك تكونت نواة الولايات المتحدة الأميركية.

خلق جديد في المستقبل

على صعيد آخر يواجه العالم اليوم مفهوماً جديداً مختلفاً عن الحركات السياسية التقليدية يعزز ظهور هذا المفهوم المتناقض الذي يعيشه الإنسان العادي اليوم، فمع الأزمات المقلقة والمتداخلة منذ عام 2020، على سبيل المثال لا الحصر أزمة "كوفيد-19" و"التغير المناخي" و"الانهيار البيئي" و"انتهاك حقوق الإنسان"، إضافة إلى "التعصب الطائفي والعنصري" و"الفقر الهيكلي" و"ممارسات العمل الاستغلالية"، كل هذا يتزامن مع ظهور تقنية الذكاء الاصطناعي وتقنيات حديثة أدت لخلق شعور بالعزلة والتهديد بانتشار معلومات مغلوطة تؤدي لخلق أفكار متطرفة تضعف الروابط الإنسانية، وبالتالي يتشكل لدينا طور جديد من الحراك السياسي يمثله إنسان جديد لا يمكن التكهن بسلوكه.

وتشير دراسة منشورة صادرة من مركز السياسات في "جامعة فيينا"، بعنوان "صعود الشعبوية" بقلم كارل أيجينجر، إلى أن سياسة الإقناع التي تروج لها التقنيات الحديثة من وسائل التواصل وغيرها تثير لدى الإنسان في العصر الحالي صراعات داخلية وخارجية متناقضة، فيرفض مسألة العنف لكنه يجد نفسه يتعايش مع البطالة والحاجة في وطنه، وبالتالي يكون أسهل للاستقطاب لأجندة الحركات السياسية بعد ذلك.

وختاماً، فإن عمر الحركات السياسية وظهور أجيال جديدة هو السبب في كونها تتغير وتصبح أداة هدم من كونها أداة بناء، فمع التحولات الزمنية التي تمر بها البلاد لا تبقى على حالها لاختلاف أجيالها وظروف حياتهم وتباين رؤيتهم الفكرية والمستقبلية، فتصبح أكثر تعقيداً وتفرعاً ولها هيكلها المالي وعلاقاتها المنظمة وأجندتها بعيدة المدى، فتحيد عن شكلها الأصلي، أي الأسباب المحمودة لظهور الحركة، ويتشوه معناها وتظهر سلبياتها التقليدية والطائفية وتصبح إشكالاً يهدد الدولة من الداخل والخارج.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل