Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

25 عاما من مطاردة الإرهاب: هل صنعت أميركا أعداءها؟

هل كانت الأحداث في بداية الألفية الجديدة وما تلاها من تطورات أمنية وسياسية في كل من العراق وأفغانستان نقطة التحول لنمو الفكر المتطرف وتوسع تنظيماته؟

إسقاط نظام "طالبان" في أفغانستان والإطاحة نظام صدام حسين، لم يؤديا إلى إنهاء الإرهاب كما كان مأمولاً (صورة مصممة عبر الذكاء الاصطناعي)

ملخص

بعد مرور ما يقارب 25 عاماً على هجمات الـ11 من سبتمبر 2001، تتجلى المفارقة التاريخية بوضوح: فالحرب التي أعلنتها الولايات المتحدة تحت راية "مكافحة الإرهاب" كانت في الواقع البوابة التي فتحت الطريق أمام تمدده وتوسعه عالمياً. فبدلاً من القضاء على تنظيم "القاعدة"، أدى غزو أفغانستان عام 2001 ثم العراق عام 2003 إلى تفكيك مؤسسات الدولة وإشعال فراغات أمنية وسياسية ضخمة، استغلتها الجماعات المتشددة لتعيد تشكيل نفسها، وتتحول من حركات محلية محدودة إلى شبكات عابرة للحدود قادرة على التمدد والتجنيد والضرب في أكثر من قارة.

مع اقتراب العالم من طي أول ربع قرن من القرن الـ21، تبدو واحدة من أبرز المفارقات التاريخية ماثلة أمامنا بوضوح: الحرب التي شنت باسم القضاء على الإرهاب كانت نفسها الشرارة التي أطلقت أخطر مراحله وأكثرها عولمة.

فمنذ هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول) عام 2001، التي طاولت برجي التجارة العالميين في نيويورك وأدت إلى سقوط الآلاف بين قتلى وجرحى، وأطلقت بعدها الولايات المتحدة الأميركية ما سمته "الحرب على الإرهاب"، مر المشهد الدولي بتحولات جذرية أعادت رسم خرائط القوة والنفوذ، ليس فقط بين الدول بل أيضاً بين الدول والجماعات المسلحة وبخاصة تلك المتطرفة.

وفي السياق يقرأ المحللون غزو أفغانستان (2001) ومن بعده العراق (2003) على أنهما المحوران الأساسيان في هذا التحول، إذ مهدا الطريق لصعود الحركات "الجهادية" العابرة للحدود وتحولها من مجموعات محدودة التأثير إلى شبكات عالمية ذات قدرة غير مسبوقة على التنظيم والانتشار واستقطاب الأعضاء.

كانت الولايات المتحدة، ومعها حلفاؤها، يسعون إلى القضاء على تنظيم "القاعدة" ومنع تكرار هجمات مماثلة على أراضيها، غير أن إسقاط نظام "طالبان" في أفغانستان وتفكيك الدولة العراقية بعيد إطاحة نظام صدام حسين، لم يؤديا إلى إنهاء الإرهاب كما كان مأمولاً، بل أوجدا فراغات أمنية وسياسية هائلة تحولت إلى بيئات خصبة لنمو الفكر الجهادي وتوسع التنظيمات المتطرفة.

ومع دخولنا العقد الثالث من هذا القرن، باتت نتائج تلك الحرب أكثر تعقيداً وخطورة مما كان يتصور قبل 20 عاماً، إذ أصبح الإرهاب عابراً للحدود والقارات، وشبكاته أكثر مرونة وتكيفاً من أي وقت مضى.

فهل كانت فعلاً تلك الأحداث في بداية الألفية الجديدة وما تلاها من تطورات أمنية وسياسية في كل من العراق وأفغانستان نقطة التحول لنمو الفكر المتطرف وتوسع التنظيمات المتطرفة؟ هل أخفقت الولايات المتحدة وحلفاؤها في وضع خطط لإدارة مرحلة ما بعد الغزو، وكيف استفادت الجماعات الإرهابية من ذلك؟ وأخيراً ما الدروس التي يمكن استخلاصها من تجربتي أفغانستان والعراق في التعامل مع الإرهاب اليوم؟

ما قبل الغزوين

قبل 2001 كان المشهد "الجهادي" العالمي محدود الانتشار نسبياً. تنظيم "القاعدة" الذي أسسه أسامة بن لادن في أواخر الثمانينيات نشأ في سياق الحرب الأفغانية ضد الاتحاد السوفياتي السابق، ثم وجه سلاحه نحو "العدو البعيد" ممثلاً في الولايات المتحدة، ومع ذلك بقي نشاطه متركزاً في أفغانستان ومناطق محدودة من الشرق الأوسط.

أما العراق فكان يعيش قبل الغزو تحت قبضة نظام الرئيس السابق صدام حسين المركزية، التي منعت ظهور جماعات مسلحة ذات طابع متطرف، فيما كانت أفغانستان تعيش تحت حكم "طالبان" الذي وفر ملاذاً آمناً للقاعدة، لكنه ظل محصوراً داخل الحدود الأفغانية.

أتت هجمات الـ11 من سبتمبر لتشكل نقطة تحول حاسمة، وقد ردت الولايات المتحدة عليها بإسقاط نظام "طالبان" في أكتوبر (تشرين الأول) 2001 بعد عملية عسكرية مشتركة مع بريطانيا حملت اسم عملية "الحرية الدائمة"، معتبرة ذلك خطوة ضرورية لتفكيك "القاعدة" وإسقاط نظام "طالبان" الذي رفض تسليم بن لادن، فتم الأمر في ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه، وسقطت الحكومة في كابول.

بعدها في مارس (آذار) 2003 جاء الغزو الأميركي للعراق في عهد الرئيس جورج بوش الابن بذريعة امتلاك بغداد أسلحة الدمار الشامل، فسقط نظام صدام حسين مما خلق واقعاً سياسياً وأمنياً جديداً تماماً، تميز بفراغ هائل في السلطة وبروز انقسامات طائفية وعرقية استغلتها التنظيمات المتطرفة لصالحها.

عودة إلى عام 1967

يرى الكاتب والباحث في شؤون الجماعات الإسلامية حسن أبو هنية أنه قبل هجمات الـ11 من سبتمبر كان المشهد الأمني و"الجهادي" في العالم مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالتحولات الجيوسياسية العالمية والإقليمية والمحلية، فقبل عام 2001 شهد العالم سقوط الاتحاد السوفياتي وتفككت المنظومة الاشتراكية، مما أنهى النظام الثنائي القطبية وأدى إلى بروز نظام أحادي القطبية تهيمن فيه واشنطن، وفي تلك الفترة كانت الحركات المتطرفة تتركز في أفغانستان منذ عام 1979، حيث كان هناك تعاون بين المجاهدين وأميركا نفسها وبعض الأنظمة العربية في مواجهة موسكو، باعتبارها عدواً مشتركاً، لذلك لم تكن تلك الحركات تعادي الغرب أو الولايات المتحدة بصورة مباشرة.

ويعود أبو هنية إلى حرب 1967 مع إسرائيل، معتبراً أنه حينها بدأت تتشكل حال من الإسلام السياسي الذي خرجت من رحمه التيارات المتطرفة، وبعد الثورة الإيرانية عام 1979 ظهرت حركات إسلامية متطرفة في بعض الدول العربية، لكن طبيعتها كانت محلية، ولم تكن لها أهداف عالمية، لذا لم يكن هناك بعد ما يسمى "الإرهاب الجهادي العالمي"، ويضيف أنه بعد الانسحاب السوفياتي من أفغانستان عام 1989 بدأت العلاقات بين الولايات المتحدة وهذه الحركات المتطرفة تتبدل، وظهرت أطروحات فكرية تتحدث عن تبدل الصراعات العالمية وهويتها، مثل "صدام الحضارات" لصامويل هنتنغتون و"نهاية التاريخ" لفرانسيس فوكوياما.

ومن هنا بدأت سياسات عدائية تجاه ما يعرف بـ"الإسلام السياسي"، ومع صعود المحافظين الجدد في الولايات المتحدة، تشكلت فكرة "الحرب على الإرهاب".

وبذلك تغير منظور الحركات المتطرفة لاحقاً، فانتقلت من التركيز على "العدو القريب" أي الأنظمة المحلية، إلى "العدو البعيد" المتمثل في الولايات المتحدة وإسرائيل، وفق الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، وهذا ما تبنته "القاعدة" بقيادة أسامة بن لادن في أواخر التسعينيات، فأتت هجمات الـ11 من سبتمبر عام 2001، التي جعلت من "الحرب على الإرهاب" المحرك الأساس للعلاقات الدولية.

إعادة تنشيط عالمية 

بعدها أتى غزو أفغانستان وسقط حكم "طالبان" فتحول تنظيم "القاعدة" من تنظيم مركزي إلى شبكة لا مركزية امتدت إلى العراق والمغرب واليمن وغيرها، وفي عام 2004 ظهرت فروع جديدة مثل "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" و"القاعدة في جزيرة العرب"، فتحولت "القاعدة" إلى شبكة عالمية مترامية الأطراف.

يتوقف أبو هنية عند غزو العراق، الذي وفق تعبيره أسهم في إعادة تنشيط التطرف العالمي، فشهد العالم هجمات في العاصمة الإسبانية مدريد عام 2004 وبعدها العاصمة البريطانية لندن عام 2005، وانتشرت الخلايا المتطرفة في مناطق عدة.

وبعد أعوام أدى حل الجيش العراقي والمحاصصة الطائفية في بغداد إلى خلق فراغ استغلته الجماعات المتطرفة، مما مهد لظهور فصائل جديدة في العراق ثم في سوريا بعد عام 2011.

وبذلك تحولت الحركات المتطرفة من مجموعات محدودة إلى ظاهرة عالمية انقسمت إلى تنظيمات عدة، مثل تنظيم "القاعدة" وتنظيم الدولة "داعش" و"طالبان"، وفروعها المنتشرة في أفريقيا واليمن والصومال والساحل.

ويختم بالقول إنه مع تراجع أولوية "الحرب على الإرهاب" منذ عام 2018 وعودة التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى، وجدت الحركات المتطرفة مساحة أوسع للتحرك، وهكذا، تحولت هذه الحرب الغربية من وسيلة لمكافحة التطرف إلى أداة للهيمنة السياسية والعسكرية، والنتيجة أنها أسهمت في انتشار هذه الحركات وتوسعها بدل القضاء عليها، حتى أصبحت أكثر تنوعاً وتشعباً وراديكالية مما كانت عليه قبل الـ11 من سبتمبر 2001.

شبكة مرنة عابرة للحدود 

تجمع غالبية المحللين على أنه في أفغانستان أزاح الغزو الأميركي "طالبان" لكنه لم ينجح في بناء دولة مستقرة، ناهيك بأن ضعف الحكومة المركزية وانعدام السيطرة على الأطراف مكنا "القاعدة" من إعادة تشكيل نفسها كشبكة مرنة عابرة للحدود، تعمل من خلال فروع محلية في اليمن والمغرب العربي والصومال وغيرها.

أما في العراق فكانت النتائج أكثر كارثية. قرارات الاحتلال الأميركي مثل حل الجيش وتسريح مئات الآلاف من موظفي الدولة خلقت جيشاً من المهمشين والساخطين، كثير منهم لجأ إلى حمل السلاح والانضمام إلى الجماعات المتطرفة، كذلك فإن الانتهاكات الواسعة في السجون، وبخاصة سجن "أبو غريب"، غذت مشاعر الانتقام ومنحت خطاب "الجهاد ضد الاحتلال" زخماً غير مسبوق.

وهنا من رحم الفوضى العراقية ظهرت "القاعدة في بلاد الرافدين" بقيادة أبي مصعب الزرقاوي، التي شكلت لاحقاً نواة تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق"، ومع اندلاع الأحداث السورية عام 2011 وبعدها الحرب، وجد التنظيم فرصة للتوسع عبر الحدود، معلناً نفسه "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش).

تحول "داعش" خلال أعوام قليلة إلى أخطر تنظيم إرهابي عابر للحدود في العصر الحديث، معلناً "الخلافة" وجاذباً أكثر من 30 ألف مقاتل أجنبي من أكثر من 80 دولة.

نسأل الكاتب والأكاديمي رضوان السيد "كيف تحولت القاعدة من تنظيم مركزي إلى شبكة لا مركزية بعد 2001؟"، فيجيب بأنه "بسبب ملاحقة الأميركيين لقيادة التنظيم بالقتل أو بالقبض والسجن، اضطرت إلى توزيع عناصرها وكوادرها وطلبت من البعض التوجه إلى أفريقيا، والبعض الآخر إلى شرق آسيا، وألا يبقى أحد في أفغانستان، وهناك من يذهب إلى أن قسماً معتبراً من ’القاعدة‘ ذهب إلى إيران، وربما صار هذا المقر هو الرئيس إلى أن تصاعدت المراكز الفرعية الأخرى المؤسسة".

ويتابع أن الاحتلال الأميركي أسهم في نشأة "داعش" أكثر من "القاعدة"، فالأخير يضم عناصر من أفغانستان وأخرى من سوريا والأردن، بينما أصول "داعش" عراقية في الغالب. وفي حين أدى النزاع الطائفي إلى التقليل من عناصر "القاعدة"، فإن "داعش" ظل ينمو، بل ويهتم بالتغلغل باتجاه سوريا وعبر القرى والبلدات الحدودية مع العراق.

وعن تأثير الغزوين (أفغانستان والعراق) في الخطاب المتطرف وأساليب التجنيد، يقول السيد إن التنظيمات المتطرفة استفادت من إقبال الشبان عليهما في مواجهة أميركا، لكن في حين ما عادت "القاعدة" تملك داراً للاستقرار فلجأت إلى أفريقيا إلى جانب جيوب في سوريا، فإن "داعش" استطاع بعد أعوام امتلاك دار نمت وامتدت في سوريا والعراق، ثم صارت دويلة وسلطة في العراق منذ عام 2014، ويتابع "بسبب الافتقار إلى الدار المستقرة انتشرت ’القاعدة‘ أو التنظيمات التي أعلنت ولاءها لها في دول الساحل والصحراء في أفريقيا، وصارت تشن عمليات مثل ميليشيات الكر والفر، أما ’داعش‘ بعد الهزيمة فتحول لجماعات شديدة الصغر ومختبئة ومستعدة لهجمات مفاجئة"، ويضيف "ما عاد التنظيمان جذابين، وقد فقدا جاذبيتهما الأيديولوجية والتنظيمية، وحتى القاعديون الأفارقة هم جماعات جريمة، مثل ’بوكو حرام‘ التي يصفها بأنها تعبير عن الهشاشة والتفكك الاجتماعي والسياسي في المجتمعات القبلية، وما عادت تنظيمات أيديولوجية لها شعارات "السلفية الجهادية"، ليختم "استفاد التنظيمان من الدول والغزاة كثيراً وبأساليب مختلفة مباشرة أو غير مباشرة، وهم ينتهون الآن، لكن الميليشيات المسلحة لا تزال واسعة الانتشار وأحياناً باسم الإسلام، إنما من دون أصول ’داعش‘ و’القاعدة‘ وإن اعتبرتها نموذجاً".

بين 2001 واليوم: أربع مراحل أساسية

في قراءة لمراحل تطور الإرهاب العابر للحدود، نرى أن العالم ومنذ عام 2001 شهد تحولات جذرية سواء من جهة التنظيمات الفاعلة أو الأهداف والأساليب المستخدمة. يمكن تقسيم هذا التطور إلى أربع مراحل رئيسة متتابعة، تعكس التغير في البيئة السياسية والأمنية الدولية بعد الحربين في أفغانستان والعراق.

المرحلة الأولى بين 2001 و2005، وقد تميزت بانطلاق موجة الانتقام من الولايات المتحدة وحلفائها بعد غزو أفغانستان والعراق.

كان تنظيم "القاعدة" فيها هو اللاعب المركزي، إذ قاد عمليات ضخمة مثل تفجيرات بالي ومدريد ولندن، مستهدفاً المدنيين والمؤسسات الغربية لإيصال رسائل رمزية حول "الثأر من الغرب" ورفض الاحتلال.

ثم أتت المرحلة الثانية بين 2006 و2010، وتحديداً بعد مقتل قادة "القاعدة" وتشتت عناصرها بعد الضربات الأميركية، وخلالها تحولت الحركة "الجهادية" إلى نمط لا مركزي.

وبرزت تنظيمات فرعية مثل "القاعدة في العراق" بقيادة أبي مصعب الزرقاوي، و"القاعدة في جزيرة العرب" في اليمن، اللتين أصبحتا أكثر نشاطاً واستقلالية.

في هذه المرحلة بدأت ظاهرة "الذئاب المنفردة" بالظهور تدريجاً، مما جعل الإرهاب أكثر انتشاراً وأصعب في التتبع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المرحلة الثالثة بين 2011 و2017، وهي أتت بعد انسحاب القوات الأميركية من العراق واندلاع الحرب السورية، حينها ظهر تنظيم "داعش"، وتحول الإرهاب إلى ظاهرة عابرة للقارات، بفضل التجنيد الإلكتروني، واندفاع آلاف المقاتلين الأجانب نحو العراق وسوريا.

ونفذ التنظيم وفروعه هجمات مروعة في أوروبا (باريس، بروكسل)، وآسيا (جاكرتا، مانيلا)، وأفريقيا، مما مثل أوج العولمة التطرفية.

فيما يمكن القول إن المرحلة الرابعة هي منذ 2018 وصولاً إلى اليوم، إذ مع انهيار "خلافة داعش" في العراق وسوريا، تفرعت التنظيمات إلى مناطق جديدة، بخاصة في أفريقيا وآسيا الوسطى.

وقد برزت فروع مثل "داعش خراسان" في أفغانستان، و"القاعدة في بلاد الساحل" في غرب أفريقيا، إلى جانب حركة "الشباب" في الصومال.

تركزت الهجمات على أهداف محلية وإقليمية أكثر من استهداف الغرب مباشرة، مما يشير إلى إعادة تموضع الحركات المتطرفة ضمن بيئات هشة أمنياً وسياسياً.

المقاربة الأميركية لنتيجة "الحرب على الإرهاب"

في الجزء الآخر من الأرض، تحديداً أميركا، كان هناك موقف حازم تجاه الإرهاب العابر للحدود، إذ اعتبرته الإدارة الأميركية تهديداً وجودياً للأمن القومي وللنظام العالمي.

غير أن نهج واشنطن في هذه الحرب واجه انتقادات واسعة بسبب اتساع نطاق الحرب وتداعياتها الإنسانية والسياسية، بخاصة بعدما أدت هذه السياسات إلى تفكك دول وصعود تنظيمات جديدة أكثر عنفاً.

يرى مدير "مركز الدراسات الأمنية" و"برنامج الدراسات الأمنية" في جامعة جورج تاون الأميركية البروفيسور بروس هوفمان أن المشكلة في استجابة الولايات المتحدة لهجمات الـ11 من سبتمبر، أنها لم تضع خطة لليوم التالي سواء في الغزو الأميركي أو في ما سمي "تحرير أفغانستان"، وتابع أن إدارة جورج بوش الابن كانت ترفض مبدأ "بناء الدول"، لكن هذا بالضبط ما وجدت الولايات المتحدة نفسها تقوم به في أفغانستان، كذلك الأمر في العراق إذ لم تكن هناك خطة لما بعد الغزو، ويقول "لقد غزت الولايات المتحدة بلداً لم تكن تملك عنه معرفة حقيقية، نتيجة نقص الاستخبارات والموارد... دخلنا غزو العراق ونحن شبه عميان، كانت النظرة الأميركية ضيقة، إذ رأت أن الانقسامات محصورة بين السنة والشيعة والأكراد، من دون إدراك عمق وتنوع المجتمع العراقي".

حينها كان البروفيسور هوفمان ضمن "سلطة الائتلاف الموقتة" عام 2004، وكانت له زيارات عدة إلى العراق في تلك المرحلة، ويكشف "تلقينا إحاطات في يناير (كانون الثاني) 2003 من مسؤولين كبار في مجلس الأمن القومي، صوروا الغزو المرتقب للعراق على أنه سيكون ’نزهة سهلة‘، وأن العراقيين سيرحبون بالولايات المتحدة كمحررين كما حدث في الحرب العالمية الثانية، وأنه لن تكون هناك حاجة إلى احتلال طويل"، ويضيف أن "الخطيئة الأصلية" التي أفقدت "الحرب على الإرهاب" معناها وأدخلت العالم في هشاشته الحالية هي غزو العراق، بينما يمكن القول إن حرب أفغانستان كانت مبررة بدرجة أكبر لأنها استهدفت "القاعدة" بعد الهجمات.

الحرب الأميركية على الإرهاب: مضللة

عن عودة "طالبان" إلى الحكم في أفغانستان عام 2021، يقول "لم أكن لأتخيل أن ’طالبان‘ ستعود إلى حكم أفغانستان، لكن ما حدث في صيف 2021 أثبت تماماً كم كانت الحرب الأميركية على الإرهاب حرباً مضللة وغير مدروسة... والمشكلة كانت في المفهوم ذاته، إذ إن الإرهاب ليس عدواً ملموساً بل هو شعور أو إحساس بالخوف، وهذا المفهوم الواسع قاد إلى توسع غير محدود للحرب، تجاوز ملاحقة أسامة بن لادن وتدمير ’القاعدة‘ وتحرير أفغانستان، ليصبح مشروعاً مفتوحاً طويل الأمد".

نسأله "ما الدروس التي يمكن استخلاصها من تجربتي أفغانستان والعراق في مواجهة الإرهاب اليوم؟ فيجيب "الـ80 عاماً الماضية تمثل تاريخاً متكرراً لجيوش غربية متفوقة تكنولوجياً وعددياً تحقق الانتصارات في ميادين القتال، لكنها تخسر الحروب سياسياً، ويرجع ذلك، في رأيي، إلى أن الاهتمام المفرط يوجه نحو العمل العسكري المباشر، من دون التركيز الكافي على الجوانب المهمة الأخرى، مثل الدبلوماسية العامة وإدارة المعلومات وتحقيق الإصلاح السياسي والاقتصادي الحقيقي في الدول التي تعاني دورات متكررة من العنف والإرهاب".

في ما يتعلق باستمرار تهديد الإرهاب العابر للحدود العالم وبخاصة الولايات المتحدة الأميركية، يعتبر هوفمان أن التهديدات لم تختف، وصحيح أن "الحرب على الإرهاب" التي قادتها الولايات المتحدة نجحت بدرجة كبيرة في حماية الأراضي الأميركية، إذ لم تقع هجمات كبرى مثل الـ11 من سبتمبر مجدداً، لكن لا أحد يمكنه ضمان استمرار ذلك إلى الأبد، بخاصة في وقت جرى فيه خفض أولوية مكافحة الإرهاب الدولي ضمن سياسات الأمن القومي، فالحركات الإرهابية لا تزال موجودة، واليوم هناك عدد أكبر من الجماعات الإرهابية المعادية للولايات المتحدة مقارنة بما كانت عليه الحال قبل عام 2001، ومن ثم التهديد قائم بلا شك، وإلى جانب الدوافع السياسية أو الدينية أو الأيديولوجية هناك الآن دافع إضافي قوي، وهو الرغبة في الانتقام، لقد قتلت الولايات المتحدة آباءهم وإخوتهم وأقاربهم وجيرانهم، ونشأ جيل جديد يحمل شعوراً بالثأر.

مراكز الإرهاب العابر للحدود راهناً

رداً على سؤال "بعد سقوط ’داعش‘ في العراق وسوريا، أين ترى اليوم مراكز الإرهاب العابر للحدود؟"، يقول الكاتب الأميركي "لا أعتقد أن التنظيمات الإرهابية غادرت العراق أو سوريا، والعراق يعد الآن قصة نجاح نسبياً مقارنة بأفغانستان، إذ تمكن من إجراء انتخابات عام 2005، ولا يزال يحتفظ بصورة من صور الحكم الديمقراطي، على رغم ضعف الدولة واستمرار تهديدات الميليشيات الشيعية والنفوذ الإيراني، أما سوريا فتبقى مسألة مفتوحة بخاصة أن التنظيم لا يزال موجوداً فيها".

ويتابع أنه من المهم أن نلاحظ أن "القاعدة" و"داعش"، تحت الضغط، تبنتا الاستراتيجية نفسها للبقاء "تفويض السلطة من القيادة المركزية إلى الفروع، وقد أصبحت الفروع في بعض الأحيان أقوى وأكثر تهديداً من التنظيم الأم، لذلك، يمكن القول إن أقوى مناطق نشاط التنظيمين اليوم هي أفريقيا جنوب الصحراء، بل وحتى وسط أفريقيا، لكن على رغم ذلك، تبقى أفريقيا أقل أهمية استراتيجياً مقارنة بالشرق الأوسط، الذي يعد ملتقى الشرق والغرب.

نختم بسؤاله "هل تعتقد أن العالم بات أقرب إلى فهم أسباب الإرهاب العالمي الحقيقية؟ أم أننا لا نزال نكرر الأخطاء نفسها؟"، فيقول إن هناك فشلاً هائلاً في استخلاص الدروس من التجارب السابقة، ليس هذا الفشل مقتصراً على الولايات المتحدة فحسب، بل هو سمة عامة لدى كثير من الدول التي تكرر الأخطاء نفسها مراراً، وعلى رغم أن العالم شن أعنف حملتين في التاريخ ضد الإرهاب (الأولى على ’القاعدة‘، والثانية ضد ’داعش‘) فإن كلا التنظيمين ما زال موجوداً حتى اليوم. وبالمثل بعد كل ما حدث في غزة من دمار وعنف، ما زالت حركة "حماس" قائمة، وهذا يبرز مدى قصور فهمنا للإرهاب، وعجزنا عن إيجاد وسيلة فعالة للتصدي له حتى الآن.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات