Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فول الصويا... سلاح الصين الهادئ في الحرب التجارية مع أميركا

بكين تعيد رسم خريطة الحبوب العالمية عبر البرازيل والأرجنتين... وواشنطن تخسر مليارات الدولارات خلال موسم واحد

أعلن ترمب عن توصله مع شي إلى مجموعة من القرارات أبرزها استئناف الصين شراء فول الصويا الأميركي (أ ف ب)

ملخص

منذ تصاعد النزاع التجاري بين الولايات المتحدة والصين عام 2018، أصبح فول الصويا رمزاً للتوترات بين أكبر اقتصادين في العالم، ففي وقت تعد  أميركا ثاني أكبر منتج للفول الصويا في العالم وتصدر نحو 47 في المئة من إنتاجها، تعد الصين المستورد الأكبر لهذه السلعة التي تدخل في صناعة الأعلاف والزيوت الغذائية.

تحول فول الصويا من سلعة زراعية إلى ورقة ضغط استراتيجية في الحرب التجارية بين بكين وواشنطن، بعدما نجحت الصين في تحويل دفة وارداتها نحو أميركا الجنوبية، لتوجه ضربة مؤلمة للمزارعين الأميركيين ولصادرات البلاد الزراعية.

وبينما يراهن البيت الأبيض على تسوية تفتح أبواب السوق الصينية مجدداً، تمضي بكين في ترسيخ نفوذها في سلاسل التوريد العالمية للغذاء، محدثة تحولاً جذرياً في موازين التجارة الزراعية وأسواق الحبوب الدولية.

فول الصويا... أداة نفوذ سياسي

منذ تصاعد النزاع التجاري بين الولايات المتحدة والصين عام 2018، أصبح فول الصويا رمزاً للتوترات بين أكبر اقتصادين في العالم، ففي وقت تعد  أميركا ثاني أكبر منتج للفول الصويا في العالم وتصدر نحو 47 في المئة من إنتاجها، تعد الصين المستورد الأكبر لهذه السلعة التي تدخل في صناعة الأعلاف والزيوت الغذائية.

ومع فرض بكين رسوماً جمركية مرتفعة على الواردات الأميركية، تحول المنتج الزراعي إلى أداة نفوذ تستخدمها الصين بذكاء لتقويض التأثير الاقتصادي الأميركي في السوق العالمية.

تراجع مفاجئ بعد وعود "ترمب – شي"

بعد اجتماع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع نظيره الصيني شي جينبينغ في كوريا الجنوبية أمس الخميس، سادت توقعات إيجابية في الأسواق، إلا أن عقود فول الصويا الآجلة في بورصة "شيكاغو" سرعان ما هبطت بنسبة 1.3 في المئة إلى 10.8 دولار لـ"البوشل"، على رغم تصريحات ترمب بأن الصين "ستشتري كميات هائلة من فول الصويا والمنتجات الزراعية الأميركية فوراً"، مما كشف عن الفجوة بين التصريحات السياسية والواقع التجاري المتأزم، ويؤكد محللون أن الأسواق كانت تنتظر اتفاقاً تجارياً ملموساً، لا مجرد وعود دبلوماسية.

وأظهرت بيانات الجمارك الصينية في الـ20 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري أن الصين لم تستورد أية كمية من فول الصويا الأميركي خلال سبتمبر (أيلول) الماضي، للمرة الأولى منذ نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2018، إذ قفزت وارداتها من البرازيل بنسبة 29.9 في المئة إلى 10.96 مليون طن متري، مما يمثل 85.2 في المئة من إجمال الواردات، وارتفعت الواردات من الأرجنتين بنسبة 91.5 في المئة إلى 1.17 مليون طن.

وأوضح محللون صينيون أن "الرسوم الجمركية قامت بدور رئيس في هذا التحول، إضافة إلى تفضيل الشحنات منخفضة الكلفة الآتية من أميركا الجنوبية التي استفادت من الإعفاءات الضريبية الموقتة".

أميركا تخسر المليارات والمزارعون في أزمة

ومع غياب الطلب الصيني، يواجه المزارعون الأميركيون خسائر بمليارات الدولارات، إذ تراكمت المحاصيل في المخازن وتراجعت أسعار العقود الآجلة، ويقول خبراء الزراعة الأميركيون إن "استمرار الحرب التجارية سيؤدي إلى خروج عدد من المزارع الصغيرة من السوق، وإلى تركيز الإنتاج في أيدي شركات ضخمة قادرة على تحمل الصدمات، كما أن نافذة الشراء لشحنات نوفمبر أغلقت تقريباً من دون أية عقود جديدة مع الصين، مما عمق الضغوط على الريف الأميركي الذي يعد قاعدة انتخابية أساسية للحزب الجمهوري".

وأحدث التحول الصيني في واردات فول الصويا صدمة في أسواق الحبوب العالمية، إذ دفعت زيادة الطلب على الإمدادات البرازيلية إلى ارتفاع الأسعار في أميركا الجنوبية، فيما استفادت دول آسيوية مثل فيتنام وإندونيسيا من إعادة توزيع شحنات الحبوب عبر موانئها لتلبية الطلب الصيني، وهذا التغيير المفاجئ في مسارات التجارة الزراعية أعاد تشكيل خريطة التوريد العالمية وأضعف موقع الولايات المتحدة كمصدر رئيس للأعلاف والبروتين النباتي، في حين عزز نفوذ بكين في سوق السلع الزراعية عبر شراكات استراتيجية طويلة الأجل مع البرازيل والأرجنتين.

وأدت الحرب التجارية بين أميركا والصين إلى اضطراب في سلاسل التوريد الزراعية العالمية، إذ انعكس ارتفاع الطلب الصيني على فول الصويا من أميركا الجنوبية على أسعار الأعلاف والزيوت النباتية في آسيا وأفريقيا، وهذا التحول لم يغير خريطة التجارة الزراعية وحسب، بل أثار أيضاً تساؤلات حول هشاشة الأمن الغذائي العالمي في مواجهة النزاعات الاقتصادية بين القوى الكبرى.

 فول الصويا كسلاح اقتصادي في حرب النفوذ

وتحول فول الصويا إلى "سلاح هادئ" في الحرب الاقتصادية بين واشنطن وبكين، فتستخدم الصين الطلب الزراعي كأداة ضغط خلال التفاوض التجاري، مدركة حساسية هذا القطاع في الداخل الأميركي.

وفي المقابل، تسعى واشنطن إلى استخدام الرسوم الجمركية والتعويضات المالية للمزارعين للحفاظ على التوازن السياسي الداخلي.

ومع استمرار تبادل الإجراءات الانتقامية، يبدو أن فول الصويا بات جزءاً من معادلة الردع الاقتصادي بين القوتين، تماماً كما تستخدم الدول الكبرى النفط أو التكنولوجيا كسلاح استراتيجي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويعد فول الصويا أحد أهم المحاصيل الزراعية الاستراتيجية في العالم، إذ يشكل محوراً رئيساً في تجارة الحبوب والأعلاف والزيوت النباتية، وتتصدر البرازيل قائمة الدول المنتجة بفارق مريح، بإجمال إنتاج يتجاوز 156 مليون طن سنوياً، تليها الولايات المتحدة بنحو 120 مليون طن، ثم الأرجنتين التي تنتج قرابة 50 مليون طن.

وتأتي الصين في المرتبة الرابعة بإنتاج يبلغ نحو 20 مليون طن، بينما تحتل الهند المركز الخامس بأكثر من 13 مليون طن سنوياً.

وعلى صعيد الاستهلاك، تبقى الصين اللاعب الأكبر في سوق فول الصويا العالمي، إذ تستورد وتستهلك ما يفوق 60 في المئة من الإنتاج العالمي لتلبية حاجات قطاع الأعلاف الحيوانية والصناعات الغذائية.

وتأتي الولايات المتحدة في المرتبة الثانية، تليها البرازيل والاتحاد الأوروبي والهند، في وقت تشهد الأسواق الآسيوية والأفريقية توسعاً متسارعاً في الطلب مع ارتفاع مستويات الدخل ونمو الصناعات الغذائية.

ويجعل هذا التوزيع غير المتوازن بين الإنتاج والاستهلاك، السوق عرضة لتقلبات سياسية وتجارية حادة، إذ تكفي قرارات الرسوم الجمركية أو تغيرات الطقس في أميركا الجنوبية لتهز استقرار الأسعار العالمية خلال أيام قليلة.

على أية حال، في ظل استمرار التوترات التجارية، يتوقع أن تواصل الصين تنويع مصادر فول الصويا وتثبيت نفوذها في الأسواق اللاتينية، فيما تسعى أميركا إلى إعادة بناء جسور الثقة مع مستورديها التقليديين.

وستبقى "حبة فول الصويا" مؤشراً حساساً على توازن القوى بين الاقتصادين الأكبر في العالم خلال الأعوام المقبلة.

يعد فول الصويا أحد أكثر المحاصيل الزراعية تنوعاً في الاستخدامات، إذ لا يقتصر دوره على تغذية البشر، بل يمتد إلى صناعة الأعلاف والزيوت والطاقة الحيوية. ويستخدم نحو 75 في المئة من المحاصيل العالمية في إنتاج أعلاف الحيوانات، بخاصة للدواجن والخنازير والأبقار، مما يجعل منه ركناً أساساً في الأمن الغذائي العالمي.

أما في قطاع الصناعات الغذائية، فيعد فول الصويا مصدراً رئيساً لإنتاج الزيوت النباتية والمنتجات البروتينية مثل التوفو وحليب الصويا، إضافة إلى دوره المتنامي في الأغذية البديلة التي تستهدف المستهلكين النباتيين.

واقتصادياً، اكتسب فول الصويا أهمية استراتيجية متزايدة مع استخدامه في إنتاج الديزل الحيوي ومشتقات الطاقة المتجددة، مما جعله جزءاً من معادلة التحول الطاقوي العالمي، كما يدخل في تصنيع المنتجات الدوائية ومستحضرات التجميل والبلاستيك الحيوي، ليؤكد مكانته كمورد متعدد الاستخدامات يربط بين الزراعة والصناعة والطاقة في آن واحد.

اقرأ المزيد