Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مدير برنامج الأغذية العالمي: فتيات أفغانستان مقابل الطعام

كشف جون إيليف في مقابلة مع "اندبندنت عربية" عن أرقام مفزعة بشأن الوضع الإنساني للأفغان ويقر: "لم نتمكن سوى من إطعام شخص واحد من بين كل عشرة من الجائعين بشدة في البلاد"... وزيادة حالات انتحار النساء جراء المأساة

ملخص

تحدث إيليف عن حجم المأساة الإنسانية التي تعصف بأفغانستان، إذ يعاني أكثر من عشرة ملايين أفغاني انعداماً حاداً في الأمن الغذائي وسط نقصٍ حاد في التمويل وتراجع المساعدات الدولية. تتفاقم الأزمة بفعل الجفاف، والترحيل القسري لملايين اللاجئين، والانهيار الاقتصادي، ما يدفع بعض الأسر لبيع بناتها مقابل الطعام. النساء يتحملن العبء الأكبر، مع ارتفاع معدلات الانتحار وسوء التغذية بينهنّ. إيليف يؤكد أن خفض المساعدات يقتل الناس فعليا، محذراً من شتاء قاسٍ يهدد حياة الملايين في ظل غياب الاستجابة الدولية وتراجع التضامن الإنساني مع أفغانستان.

في تلك البقعة من آسيا الوسطى، حيث تمتزج سلاسل الجبال بظلال القهر وتغيب الشمس خلف ركام من الدمار، يُصارع أكثر من عشرة ملايين شخص للبقاء على قيد الحياة. فأفغانستان التي كانت يوماً ممراً للحرير والحضارات، أصبحت اليوم مخيماً ضخماً للجوعى. وبين الخوف والجوع، تختبئ النساء خلف جدران من الصمت، وتضع الأمهات رؤوس أطفالهن على صدور خاوية إلا من الأمل. 

نحو 10 ملايين أفغاني يعاني اليوم انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع ارتفاع سوء التغذية لدى الأطفال إلى أعلى مستوياته على الإطلاق، وفي خضم هذا تتحمل النساء والفتيات وطأة هذه الأزمة، ويعشن ظروفاً أكثر قسوة بين سندان الجوع ومطرقة الإرهاب والقمع الطالباني، حتى باتت الحاجة إلى لقمة الخبز معركة تُخاض بدموع ونفوس تختار الموت انتحاراً. 

الأرقام تعكس قتامة الوضع وألمه، فنصف سكان أفغانستان، أي نحو 23 مليون نسمة، يحتاجون إلى مساعدات غذائية. وفي يوليو (تموز)، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) بإغلاق أكثر من 400 منشأة صحية بسبب نقص التمويل، والذي جاء معظمه من المساعدات الإنمائية الرسمية للحكومات المانحة.

لتقصي هذا المشهد المفجع، التقت "اندبندنت عربية" مدير برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة في أفغانستان جون إيليف، للحديث بشأن الوضع الإنساني في أفغانستان، والذي نقل صورة أكثر شمولاً عن الوضع في الدولة التي تقع تحت سيطرة حركة "طالبان" المتطرفة منذ أغسطس (آب) 2021، ولا يفاقم كارثة الجوع سوى كارثة الطفولة والاتجار بالفتيات الصغيرات ممن تضطر عائلاتهن للتخلي عنهم لمصلحة رجال أضعاف عمرهن في مقابل الغذاء. 

تتعدد أسباب الكارثة الإنسانية التي تعاني منها أفغانستان فمن أسباب طبيعية تتعلق بالجفاف والزلزال الذي ضرب البلاد قبل أشهر قليلة، مروراً بترحيل مليوني مهاجر أفغاني من باكستان وإيران وصولاً إلى تقليص أو قطع المساعدات الأجنبية، تعددت الأسباب والنتيجة جوع عارم يبتلع البلاد. وبطبيعة الحال تظل النساء والأطفال الحلقة الأضعف في ظل هذه الظروف، إذ كشف المسؤول الأممي عن واقع صادم يتعلق بالنساء في أفغانستان، مشيراً إلى أن الأثر الأكبر للكارثة الإنسانية في البلاد يقع على النساء والفتيات. 

بيع الفتيات مقابل الطعام

وفق مسح أجراه برنامج الأغذية العالمي، فإن 10 في المئة من العائلات التي استبعدهم برنامج الأغذية العالمي بسبب ضعف التمويل، اضطروا لبيع بناتهم الصغار للزواج المبكر لسد حاجاتهم من الطعام. 

ويروي إيليف أن البرنامج تلقى على خطه الساخن الأسبوع الماضي، مكالمة من سيدة من جنوب أفغانستان للاستنجاد بهم ويقول "اتصلت بخط المساعدة لدينا وأخبرتنا أنها تنوي الانتحار. أسرتها لم تكن قادرة على إطعام نفسها، وتم قطعها من برنامج الأغذية العالمي. كانت تتعرض للضرب من زوجها بسبب الضغط الشديد على العائلة، لم يكن هناك طعام، وكان زوجها يعاني من توتر شديد، وأصبح يضربها بشكل متكرر. وكانت تبكي بحرقة لأنها اضطرت مع أسرتها لبيع ابنتها البالغة من العمر 12 سنة لرجل يبلغ من العمر 40 سنة، وكان معروفاً بأنه مدمن مخدرات، فقط ليتمكنوا من شراء الطعام. إنها قصة مأساوية".

ويشير إلى أن البرنامج حاول التدخل لمساعدة تلك العائلة، لكن الحقيقة هي أن "هناك ملايين الأشخاص الذين يحتاجون لمساعدتنا، وليس لدينا التمويل الكافي للاستجابة لكل الحالات. لا يمكننا مساعدة الجميع، حتى أولئك الذين يتصلون بالخط الساخن، لكن إذا كانت هناك مكالمات يائسة مثل هذه، نحاول التدخل. لكن الواقع المحزن والواضح هو أننا نرفض بالفعل تسعة من كل عشرة أشخاص في برنامج الأغذية العالمي".

انتحار النساء

يخصص برنامج الأغذية العالمي خطاً ساخناً لتلقي الاستغاثات من السكان في القرى والمجتمعات المحلية وتوفير الدعم لهم. ويقول إيليف "نستقبل 140  ألف مكالمة سنوياً على هذا الخط. إنه نشط للغاية. لكننا شهدنا ارتفاعاً كبيراً في مكالمات الانتحار من النساء في جميع أنحاء البلاد. المزيد والمزيد من النساء أصبحن يائسات تماماً، لا يعرفن ماذا يفعلن، لا يستطعن إطعام أطفالهن، ولا يعرفن إلى أين يتوجهن، ولم يعد بإمكانهن الاعتماد على جيرانهن كما في السابق. الجيران ما زالوا يساعدون، لكن ليس بالقدر الكافي، ومعدل مكالمات الانتحار ارتفع بشكل حاد للغاية".

ويشير المسؤول الأممي إلى أن هناك زيادة بنسبة 30 في المئة في سوء تغذية بين النساء مقارنة بالعام الماضي. "هذا الرقم كبير للغاية، ونضطر إلى رفضهن لأننا لا نملك المال لمساعدتهن، ولا التمويل لدعمهن". ويضيف "قد تمشي المرأة وهي تعاني من سوء التغذية وتحمل طفلاً يعاني من سوء التغذية لخمس ساعات عبر الجبال للوصول إلى عيادة (للحصول على خدمة طبية)، ليُقال لها: "نحن آسفون حقاً". إما أن تكون هذه العيادة مغلقة بسبب اقتطاعات المساعدات، أو تكون العيادة مفتوحة لكن لا يوجد طعام متخصص أو غذاء مغذي لمساعدتها ولمساعدة طفلها. هذا أمر مدمر للأم، لأنها تعرف، كما نعرف، أنه إذا لم تُعالج، فإن طفلها سيموت خلال أيام قليلة".

ويمضي أيليف في حديثه آسفاً أنه "عندما استولت طالبان على السلطة في 2021، تعهد العالم بالدعم الثابت للنساء الأفغانيات. وفي عام 2025، تلك النساء نفسها، النساء اللواتي وُعِدْن بتضامن لا يتزعزع، يشاهدن أطفالهن يموتون جوعاً بين أحضانهن".

ثقل الجوع ليس وحده الذي يكسر كاهل النساء، فبرنامج الأغذية العالمي خصص أحد برامجه للتغذية المدرسية لتشجيع الآباء على إرسال بناتهم إلى المدرسة وتلقي التعليم. ويقول إيليف "يستهدف برنامج التغذية المدرسية، إطعام الفتيات وفي الوقت ذاته تشجيع العائلات على إرسال بناتهم إلى المدارس. نُطعم نحو 600 ألف فتاة في المدارس الابتدائية بأفغانستان. وبالنسبة للآباء، يُمثل هذا البرنامج حافزاً لإرسال بناتهم إلى المدرسة".

ويشير إلى دراسات عالمية تُظهر أن الفتيات اللواتي يُكملن التعليم الابتدائي كاملاً يتزوجن في سن أكبر، ويحظين بفترات حمل أكثر تباعداً، ويتمتعن بصحة أفضل طوال حياتهن. لذلك فإن "فوائد هذا البرنامج ليست تعليمية فقط، بل صحية أيضاً".

قبل عامين، عندما أجرت "اندبندنت عربية" لقاءات مع نساء من أفغانستان، وصفت إحدى الطبيبات الأفغانيات، عناصر حركة "طالبان" بأنها "وحوش زومبي" يسيرون في الشوارع، ما يثير السؤال عن كيفية التوازن بين الحياد الإنساني والمسؤولية الأخلاقية عندما تتعامل منظمة أممية مع نظام متهم بانتهاكات منهجية وبإقصاء النساء عن المدارس والتعليم والعمل. ورداً على هذا السؤال، أقر أيليف بأن العمل في ظل هذه الظروف ليس سهلاً، قائلاً إن "العمل هنا صعب، لكننا في برنامج الأغذية العالمي نلتزم بالمبادئ الإنسانية، وهي نجمنا الهادي، وبوصلتنا التي نسترشد بها."

وأكد أن المنظمة تتمتع بالاستقلالية لتقرر أي مناطق من البلاد يتم توزيع المساعدات بها وتحدد بشكل مستقل الأفراد المستحقين للمساعدات، وكذلك تحديد النساء والرجال الذين يمكنهم المشاركة في برامج المنظمة. ويقول "في بعض الأحيان، عندما نتعرض لضغوط سواء من داخل البلاد أو خارجها للانحياز إلى جماعة عرقية معينة، فإننا نتمكن من مقاومة تلك الضغوط بالاستناد إلى مبدأ الحياد. فنحن نبني تدخلاتنا وبرامجنا على أساس الحاجة الإنسانية أو حاجات الأسر الأكثر ضعفاً. لا نتأثر بالسياسة أو النفوذ أو محاولات التدخل، ونعمل بنجاح مع السلطات المحلية في جميع أنحاء البلاد بفضل التزامنا بهذه المبادئ الموجهة."

وتابع "نحن نعمل في عالم تسوده السياسة، لكن هذا العالم السياسي لا يقتصر على داخل البلاد فقط، فحتى خارج أفغانستان هناك تسييس بالقدر ذاته، وهذا أيضاً يمثل تحدياً لنا، كما ذكرنا عند حديثنا عن التمويل وتخفيض المساعدات والقرارات التي أدت إلى ذلك".

ترحيل مليوني أفغاني

أوضح إيليف في حديثه أن الوضع في أفغانستان تدهور كثيراً مقارنة بعامي 2022 و2023، إذ ارتفعت معدلات الجوع بشكل كبير خلال الأشهر القليلة الماضية فقط، جراء ثلاثة عوامل رئيسية تتمثل في عودة نحو مليوني أفغاني قسراً من الدول المجاورة، ما يعني أنه باتت هناك حاجة لإطعام مليوني فم إضافي. كذلك فإن كثيراً من هؤلاء الأشخاص كانوا يرسلون تحويلات مالية إلى أسرهم الأكثر فقراً، والتي كانت تمثل شريان حياة لتلك الأسر. ويتمثل العامل الثاني في الجفاف التي تواجهه البلاد العام الحالي، وهو أسوأ موجة جفاف يتذكرها المزارعين الأفغان. ويؤثر الجفاف بشكل رئيسي على شمال البلاد، لكنه يمتد عبر 19 ولاية، بدرجات متفاوتة، وقد فقد المزارعون في بعض الحالات كل محاصيلهم تقريباً، حيث يُقدّر أن نحو 3.6 مليون مزارع قد تضرروا من الجفاف. وإضافة إلى ذلك، فإن الزلزال الذي ضرب شرق البلاد أغسطس الماضي، يُعد من أسوأ ما حدث خلال العقد الأخير. 

وطردت إيران وباكستان ما يقرب من مليوني أفغاني في إطار حملات حكومية صارمة على المهاجرين واللاجئين. ومن بين الذين أُجبروا على العودة، أفغان فروا إلى إيران وباكستان خوفاً من الاضطهاد بعد استيلاء "طالبان" على السلطة. وقد عاش العديد ممن رُحِّلوا أو أُجبروا على المغادرة خارج أفغانستان لعقود، أو في بعض الحالات طوال حياتهم. وقد انضمت هذه الأعداد إلى ملايين النازحين داخلياً في أفغانستان، مما أثقل كاهل الدعم الإنساني بشدة.

خفض المساعدات يقتل الأفغان

ويشكل الانخفاض الكبير في المساعدات الغذائية التي توزع عبر برنامج الأغذية العالمي، وهو أكبر مقدم للمساعدات الغذائية في البلاد، عاملاً أساسياً في الأزمة الإنسانية التي تواجهها أفغانستان. ففي أعقاب استيلاء حركة "طالبان" على البلاد، جمدت مؤسسات التمويل الدولية والحكومات الغربية أي مساعدات لكابول، إضافة إلى فرض العقوبات الدولية التي تستهدف حركة "طالبان" بما يشمل تجميد الأصول الأفغانية. وأخيراً، أدت تخفيضات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لبرامج المساعدات الأميركية الخارجية- التي كانت تُشكل أكثر من 40 في المئة من المساعدات الإنسانية لأفغانستان حتى يناير (كانون الثاني) 2025، إلى أضرار بالغة بجهود المساعدات الغذائية الضرورية لضمان الحصول على الغذاء.

ويقول إيليف إنه خلال الأشهر الماضية، لم يتمكن البرنامج من إطعام سوى شخص واحد من بين كل عشرة من الجائعين بشدة في البلاد. "بمعنى آخر، نحن قادرون الآن على الوصول إلى 10 في المئة فقط من الأشخاص الذين يعانون الجوع الحاد، ونُضطر إلى إعادة تسعة من كل عشرة أشخاص جائعين من دون طعام، ببساطة لأننا لا نملك التمويل الكافي". ويشير إلى أنه خلال السنوات القليلة الماضية، ساعدت المساعدات الغذائية في كبح الجوع وسوء التغذية ومنع تفاقمهما في البلاد. "لكن هذا الغطاء قد رُفع الآن، ونحن نرى النتائج الكارثية لذلك".

ويضيف إن تعليق المساعدات الأميركية وما يصاحبها من إجراءات دولية تستهدف "طالبان"، كان له أثر مدمر على الجانب الإنساني. وبسؤاله عن المسؤولية الأخلاقية للمجتمع الدولي في ظل هذا المشهد الإنساني المتفاقم يقول "في رأيي الشخصي، أنه لا توجد مسؤولية أخلاقية ملزمة لتقديم المساعدات، لكنني أعتقد أنه يوجد واجب إنساني يدعونا للتصرف بإنسانية. للأسف، نرى الكثير من القرارات السياسية التي تتعارض مع المبادئ الإنسانية. الشعب الأفغاني الذي يعاني هذا العام، وقد تحدثت إلى الكثيرين منهم في أكثر المناطق نُزوحاً وبعداً في البلاد، يسألون: أين إنسانية العالم الآن؟". 

وأوضح أن الولايات المتحدة ليست الوحيدة التي قلصت مساعداتها لأفغانستان بل إن "معظم المانحين" اضطروا إلى خفض أو اتخذوا قراراً بخفض مساعداتهم لأفغانستان ولمنظمات مثل برنامج الأغذية العالمي. قائلاً "نحن نتحدث عن مجموعة واسعة من المانحين، وليس فقط الولايات المتحدة، فبعضهم انسحب تماماً". ومع ذلك أكد أن "هؤلاء المانحين كانوا كرماء للغاية لعقود طويلة. وأكثر من قدّموا مساهمات سخية للبرامج الإنسانية في أفغانستان كانت الولايات المتحدة - وهذه هي الحال منذ عقود طويلة. وأعتقد أنه سيكون من غير المنصف ألا نعترف بذلك، حتى وإن كنا نتمنى أن يدرك جميع المانحين لأفغانستان أن الإنسانية يجب أن تتغلب على كل شيء آخر، لأن حياة الأطفال، وربما حياة جيلٍ كامل، أصبحت مهددة بالخطر".

بسؤاله عما إذا كان قطع المساعدات يقتل الناس في أفغانستان، قال من دون تردد "نعم، الاقتطاعات تقتل الناس. لا شك في ذلك". وأشار إلى تداخل العوامل جميعها وليس مسألة خفض أو قطع المساعدات وحدها. "هناك تداخل لعوامل متعددة، منها العودة القسرية للأفغان، والجفاف، والظروف الاقتصادية العامة التي هي متوترة وصعبة للغاية". وأكد مجدداً على مسؤولية التصرف بإنسانية. 

ويشير إلى أن تأثير الاقتطاعات الأميركية كان أكبر من غيرها من الدول لأن الولايات المتحدة كانت أكبر مانح لبرنامج الأغذية العالمي، ومع ذلك استدرك بالقول إنه من الصعب تمييز تأثير اقتطاع واحد عن الآخر. "الحقيقة البسيطة هي أن برنامج الأغذية العالمي يمتلك هذا العام أقل من نصف الأموال التي كانت لديه العام الماضي، وهذا بالنسبة لمنظمة كانت تتحكم في الجوع وسوء التغذية في البلاد يُعد أمراً خطيراً للغاية".

الفجوة لا يمكن سدها

حول فجوة التمويل وسبل سدها في ظل الحاجة الإنسانية العاجلة في أفغانستان، أوضح جون إيليف، أن هناك حاجة إلى 200  مليون دولار لتجاوز فصل الشتاء "يبدو هذا رقماً كبيراً، ولكن بالنسبة للعديد من المانحين العالميين أو الأفراد ذوي الثروات الكبيرة، فهذا ليس مبلغاً كبيراً". وأضاف أن مسؤولي البرنامج يحددون الأولويات لاستغلال ما لديهم من موارد محدودة بشكل أفضل، "نعم على تضييق نطاق استهدافنا. ففي السابق، إذا كنا نطعم ربما 20 في المئة من أكثر الناس حاجة في المجتمع، فإننا الآن نطعم 5 في المئة منهم فقط".

يضطر القائمون على المساعدات إلى تصنيف المحتاجين ضمن فئات أولوية، وفي ظل واقع التمويل الحالي يقول إيليف "نحن نطعم فقط الأشخاص في أسفل القائمة، أولئك الذين في حاجة حقيقية ويائسين حقاً. في الوقت الحالي، نعتبر أن عدد الأشخاص اليائسين حقاً نحو 9.5 مليون شخص. هذا الرقم سيرتفع خلال الشتاء، لأن الشتاء يزيد الوضع سوءاً، والأمور تتفاقم".

ويقر مدير برنامج الأغذية في أفغانستان، بأن "فجوة التمويل لا يمكن سدها". ويقول "ما يقلقني حالياً هو الشتاء. للمرة الأولى منذ عقود، يحل الشتاء في أفغانستان من دون أن تكون لدينا استجابة دولية تُذكر للجوع وسوء التغذية. برنامج الأغذية العالمي الشتوي، وهو أهم جزء من السنة بالنسبة لنا، مُموّل بنسبة 8 في المئة فقط. لذا، من بين نحو 17 مليون شخص قد يحتاجون إلى مساعدات غذائية في الشتاء، يُمكننا حالياً إطعام نحو مليون منهم. 

يبحث برنامج الأغذية العالمي عن مانحين جدد، ويقول إيليف "أحاول اللجوء إلى الأفراد ذوي الثروات الكبيرة الذين قد يكونون قادرين على مساعدتنا. ونحن نتوجه إلى أي شخص يرغب فعلاً بالشراكة مع برنامج الأغذية العالمي. لدينا أكبر انتشار في هذا البلد. لدينا 800 موظف، ولدينا أساطيل من الشاحنات، ونستطيع الوصول إلى أبعد القرى، ولم يفت الأوان لإنقاذ الأرواح خلال فصل الشتاء، لكننا بحاجة ماسة إلى المال. الحقيقة المحزنة، هي أن هناك تزايداً في الأزمات، وتقلصاً في أماكن تقديم المساعدات، ولنكن صريحين، أفغانستان ليست أولوية سياسية لأحد. وحتى الدول التي تُرحّل الأفغان لا ترغب في ضمان المزيد من الاستقرار لهم من خلال تمويل برامج المساعدات هنا، على نطاق أوسع. وهذه الدول تُعيد الناس عمداً إلى ظروف بائسة، إلى وضع يُعرّض أطفالهم لخطر الموت خلال فصل الشتاء. أعتقد أن هذا تصرف غير مسؤول، لكن هذا رأيي الشخصي".

أفغانستان ليست أولوية دولية

يعتقد إيليف أن أفغانستان ليست أولوية في الوقت الحالي على صعيد الاهتمام الدولي، بالنظر إلى تزايد عدد الأزمات، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو نزاعات مسلحة، مثل غزة وأوكرانيا واليمن، وغيرها الكثير. "عدد يفوق الاحتمال. لقد عملت في مجال المساعدات الإنسانية لأكثر من 30 عاماً، ولم أرَ من قبل وضعاً كهذا، إذ يوجد هذا العدد الكبير من الأزمات التي تتصدر عناوين الأخبار الدولية وتُعد أولوية أعلى للمجتمع الدولي. وفي خضم كل تلك الأزمات، توارَت أفغانستان عن الأنظار. لا أستطيع تفسير السبب، لكنها حقيقة واقعة".

وبسؤاله عما إذا كان الجانب الجيوسياسي يلعب دوراً، قال "نعم أعتقد ذلك. ولهذا السبب دعوتُ منذ البداية إلى أن تكون الإنسانية عاملاً أكثر حضوراً في معادلة اتخاذ القرار. لا أقول إن الأمور بسيطة، بالطبع. هناك معادلة يستخدمها المجتمع الدولي عند اتخاذ قراراته بشأن تقديم المساعدات بسخاء إلى الدول المحتاجة، وبطبيعة الحال فإن السياسة والجغرافيا السياسية جزء من أي قرار تتخذه أي دولة. لكننا نناشد بصدق أن تتقدم الإنسانية إلى الواجهة، وبخاصة أن يتم الوعي بالحاجات الملحة للنساء والأطفال الأفغان، وأن يُستجاب لها خلال فترة الشتاء المقبلة، إذ إن الوضع سيكون كارثياً".

ووفق إيليف فإنه هناك 25 جهة مانحة، وتشمل دولاً من مختلف أنحاء العالم، إضافة إلى القطاع الخاص، والأفراد ذوي الثروات العالية، والمؤسسات الخاصة، وكذلك "شراكة قوية جداً" مع المؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي وبنك التنمية الآسيوي. وفي حين توجد قاعدة مانحين واسعة، لكن المساعدات الموجهة إلى أفغانستان قد انخفضت بشكل كبير منذ عام 2024. وأشار في هذا الصدد إلى أن "هناك مانحين كرماء من دول الخليج يقدمون المساعدة لأفغانستان، وليس بالضرورة من خلال برنامج الأغذية العالمي، بل من خلال عدد من برامج التنمية المهمة الموجودة هنا. المملكة العربية السعودية من بين المانحين النشطين في هذا المجال. لكننا بحاجة إلى زيادة حجم المساعدات الإجمالي من جميع المانحين - فذلك هو ما سيحدث الفارق الحقيقي".

يخصص برنامج الأغذية العالمي 80 في المئة من المساعدات للنساء والفتيات في أفغانستان، كذلك يخصص العديد من البرامج لهذه الفئة الأكثر ضعفاً. ومن خلال البرنامج تم إطعام 50 ألف امرأة حامل ومرضعة العام الحالي. حيث يتم توفير أطعمة مغذية متخصصة غنية بالفيتامينات والمعادن والطاقة العالية، ما يضمن تغذية متوازنة في الوقت الأكثر حرجاً في حياتهن، كما يستهدف البرنامج الطفل خلال أول 1000 يوم من حياته. 

بالنسبة لمدير برنامج الأغذية العالمي فإن البرنامج الذي يُلهمه من دون غيره هو ذلك الذي يضم نحو 16 ألف امرأة أفغانية، يجرى تدريبهن على مهارات العمل والإدارة. ويوضح "نساعدهن على تحديد نوع النشاط التجاري الأنسب لهن والأكثر قابلية للاستمرار في السوق المحلية، ونُهيئ لهن إطلاق مشروعات صغيرة". وفي بعض الحالات، تعمل النساء في صناعة الملابس، أو إصلاح الهواتف المحمولة، وفي حالات أخرى صناعة الحُلي والمجوهرات. 

ومن بين القصص الملهمة وسط الظروف الإنسانية القاسية، امرأة بدأت كمتدربة بسيطة مع برنامج الأغذية العالمي قبل عامين فقط، وهي الآن تملك مشروعاً صغيراً لصناعة المجوهرات يوظّف 17 امرأة. ويقول "هناك قصص نجاح مذهلة لنساء أفغانيات ينتظرن فقط الاستثمار في طموحاتهن. نحن نبحث عن مزيد من الاستثمار في مثل هذه البرامج لأنها توفر للنساء فرصة للعمل من المنزل، وهو أمر مقبول اجتماعياً، كذلك تعزز ثقة النساء بأنفسهن بشكل مذهل وتمنحهن إحساساً بالقيمة والقدرة على التغيير".

اقرأ المزيد

المزيد من حوارات