ملخص
يمر حلم الفضاء العالمي في واحدة من أعقد مراحله التاريخية وهي المحطة الثالثة والأخيرة من عمر هذا الحلم، أي مرحلة رجال الأعمال
رحلات الفضاء السياحية دوماً ما كانت محدودة وباهظة الثمن، ووكالة الفضاء الروسية هي الوحيدة التي كانت تقدّم هذه الخدمة في بدايتها خلال الفترة ما بين 2001 و2009، وكانت الأسعار الدعائية للرحلات التي ترعاها شركة "سباس أدفنشر" إلى محطة الفضاء الدولية على متن مركبة "سويوز" الفضائية الروسية تراوح ما بين 20 و35 مليون دولار أميركي.
مرّ حلم الفضاء خلال ربع القرن الماضي في فترتين رئيستين هما: فترة البحث العلمي الشيقة والمتأنية التي امتدت حتى عام 1990، وهي فترة يطلق عليها المجتمع العلمي فترة الحلم الذهبية، أما الفترة الثانية فهي فترة الفضاء التجاري الربحي التي تميزت بسرعة أحداثها ومجرياتها المتغيرة، وامتدت بين عامي 2000 و2025.
الفترة الذهبية للحلم
وخلال هاتين الفترتين يمكن الحديث عن ثلاث مراحل رئيسة في تحولات حلم البشرية الأعظم وهي:
*مرحلة انطلاق الفضاء التجاري بين 2000 و2004.
*مرحلة خفوت الفضاء الروسي و"ناسا" بين عامي 2010 و2018.
*مرحلة رجال الأعمال وهي ممتدة منذ خفوت "ناسا" والفضاء الروسي وحتى يومنا هذا.
في ظلال النظرية العلمية
وخلال ربع قرن من الزمن وتحديداً من عام 2000 وحتى عام 2025، عاش الفضاء الأميركي والعالمي في ظلال نظريات علمية حديثة يمكن وصفها بأنها نظريات مثالية للغاية وذات طابع أخلاقي مبالغ فيه في كثير من الأحيان، وذلك لأنه لم يُطبق من هذه النظريات حتى يومنا هذا على أرض الواقع سوى القليل، إذ نعيش في وقتنا الراهن أحداثاً كبيرة في الفضاء لدرجة أنها أحدثت شرخاً بين واقع الفضاء المعقّد الذي نعايش تغيراته الجوهرية يومياً من جهة، والنظريات العلمية الحديثة التي تتآكل يومياً مع قرب انتهاء الربع الأول من الألفية الثالثة من جهة ثانية.
النظرية العلمية الحديثة للفضاء
عام 2003 ظهرت النظرية العلمية الحديثة في الفضاء ضمن مقالة لإي آر كلاين بعنوان "استكشاف الفضاء: أهم واجب أخلاقي للبشرية"، وتؤيد هذه النظرية التي أعيد نشرها عام 2007 على مواقع علمية بارزة، مشاريع غزو الفضاء واستعمار القمر والمريخ.
وفي يونيو (حزيران) 2006 بدأ عالم الفيزياء الفلكية البريطاني ستيفن هوكينغ أيضاً بالإدلاء بتصريحات تدعم استعمار الفضاء على نطاق واسع، على رغم ذلك، شهد الفضاء الأميركي أخيراً مجريات وصفها متخصصون في هذا المجال أنها تناقض هذا التوجه العلمي الصريح، إذ قام الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذا العام وخلال ولايته الحالية الثانية، بخفض موازنة العلوم في "ناسا" إلى النصف، وسرّح آلاف الموظفين من الوكالة الحكومية.
وردت تصريحات هوكينغ في محاضرة ألقاها في هونغ كونغ، وقال هوكينغ "الحياة على الأرض معرضة لخطر متزايد بالفناء بسبب كارثة مثل الاحتباس الحراري المفاجئ أو الحرب النووية أو فيروس مُعدّل وراثياً أو أخطار أخرى لم نفكر فيها بعد، وأعتقد أن الجنس البشري لا مستقبل له إذا لم يسافر إلى الفضاء".
وفي تناقض ملحوظ مع النظريات العلمية تبلور مفهوم السياحة الفضائية في 2010، وهو مفهوم يعاكس نظرية حلم الفضاء العالمي، إذ تهدف السياحة الفضائية إلى تحقيق مكاسب ربحية وترفيهية بحتة. ومع بلوغنا عام 2020، تعمّق الشرخ أكثر واختلف وجه الفضاء مجدداً، إذ انهار كل من الفضاء الحكومي الأميركي والروسي بصورة أدت إلى صعود الفضاء الخاص ممثلاً بشركتي "سبيس إكس" لرجل الأعمال الأميركي إيلون ماسك وشركة "بلو أوريجن" لجيف بيزوس.
ومنذ عام 2020 وحتى يومنا هذا أدى التنافس بين الشركتين العملاقتين إلى ترسيخ حقبة الفضاء الخاص الذي يسيطر عليه الآن وبشكل حصري رجال الأعمال في العالم.
تغيير المفاهيم
الأخطر من ذلك كان وقوع أحداث أخرى وصفت بأنها غيّرت بعض مفاهيم علم الفلك الأميركي الرئيسة إلى الأبد، فبعدما كان حلم الفضاء في القرن الـ20 مجالاً للصراع بين القوى العظمى وهي الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، تحوّل في القرن الـ21 إلى مجال تتنافس فيه الشركات الخاصة مثل "سبيس إكس" و"بلو أوريجن".
وبذلك لم يعد هذا الحلم مقتصراً على رواد الفضاء، بل صار الحديث فيه عن السياحة الفضائية واستيطان القمر والمريخ واقعاً يتقدم بخطوات سريعة، إذ تغيّر معنى استكشاف الفضاء من مشروع وطني استعراضي إلى صناعة عالمية يقودها رجال أعمال، مما أدى أيضاً إلى ظهور أثر هذه الطموحات في فكرة مستقبل البشرية في ظل تهديدات الأرض المناخية.
إعلان "ناسا"
شكّل إعلان "ناسا" إيقاف مشاريع غزو الفضاء عام 2018 ضربة قاسمة لمشاريع فلكية وعلمية كبرى، إذ مثّل هذا الحدث بداية انهيار وكالة الفضاء الحكومية الأميركية، لتنهار معها منظومة الفضاء العلمية التي استمرت أكثر من قرن من الزمان، واتهمت الوكالة الحكومية الأميركية بأنها ضلّلت جمهورها عقوداً من خلال مشاريع وهمية لغزو الفضاء، وعلى أثر ذلك قام الرئيس ترمب خلال العام الحالي بإيقاف أكثر من 5500 وظيفة علمية في "ناسا" وخفض موازنتها إلى أقل من النصف.
بعد هذا الحدث الكبير شهدنا صعود "سبيس إكس" و"بلو أوريجن"، ولترميم صورتها دخلت "ناسا" اليوم مع الصين في سباق لاحتلال أراضٍ على القمر، فيما ظلّ إيلون ماسك حتى بعدما أقصاه ترمب من البيت الأبيض وسحب ترشيح صديقه جاريد إزكمان لرئاسة "ناسا"، مصراً على غزو الكوكب الأحمر وبجهد شخصي.
فكرة مستقبل البشرية
مع بزوغ مطلع الألفية الثانية وظهور التلوث البيئي الكبير بسبب الثورات الصناعية والتقنية المتعاقبة، كان على العلم أن يضع تصوراً جديداً ودقيقاً لمستقبل البشرية على الأرض، ولذلك أكدت مجموعة من العلماء الأميركيين أن مستقبل البشرية أصبح مرتبطاً جذرياً باستكشاف الفضاء في ظل التهديدات المناخية، إذ ألقى أستاذ الفلسفة الأخلاقية روي ويذرفورد عام 1998 خطاباً مهماً خلال الاجتماع السنوي الـ44 لجمعية فلوريدا الفلسفية حول الضرورة الأخلاقية للسفر إلى الفضاء.
وأكد ويذرفورد حينها أنه "إذا كانت حياة كل إنسان ذات قيمة جوهرية كما ندّعي، فإنه من المنطقي الحفاظ عليها وزيادة التكاثر البشري بكل الوسائل المتاحة"، بعدها انطلقت معظم العلوم المعاصرة في استكشاف الفضاء من هذه النظرية العلمية الإنسانية الجديدة، التي تدعو بوضوح إلى تعزيز ودعم مشاريع الفضاء للبحث عن كواكب أخرى صالحة للحياة مثل القمر والمريخ.
جزيرة الكوكب الواحد
فوفق علماء كثر عاشت البشرية مطوّلاً في ظل واقع أليم وهو افتعال الحروب والكوارث الطبيعية بسبب التنافس المحموم على موارد كوكبنا القليلة، وفسّر العلماء هذه الظاهرة الخطرة من خلال سيناريو "جزيرة الكوكب الواحد" الذي يعني تزاحم البشر على كوكب واحد هو الأرض.
من أجل دعم مشاريع الفضاء ذهب علم استكشاف الفضاء الحديث إلى حدود غير متوقعة أحياناً، وذكر بعض العلماء بكل وضوح أنهم يدعمون تكاثر الإنسان بصورة كبرى ولأقصى حد ممكن، بل ودعا بعضهم إلى الغاء نظرية تحديد النسل، وهي فكرة لم تدعمها العلوم الفضائية قبل الألفية الثانية.
ووفق كلاين أيضاً يزداد استكشاف الفضاء أهمية بسبب تاريخ الأرض نفسها، فالأرض تدمر ذاتها بصورة طبيعية وتاريخ الأرض هو تاريخ متناقض للغاية، وإذا كانت هناك قوانين طبيعية يُفترض أنها تتبعها، فهي في الواقع قاسية وغير عادية، إذ "يموت أفراد جميع الأنواع ميتات صادمة ومؤلمة، وكثيراً ما تختفي الأنواع نفسها من الوجود".
نشر الإنسانية
لذلك يثير هذا العالِم أسئلة عدة تنحاز جميعها إلى فكرة نشر الإنسانية، ومن هذه الأسئلة: ماذا لو وُجدت عشرات، بل آلاف، لا بل ملايين، من الكواكب الأخرى التي تكون بتنوعها البيولوجي وصلاحيتها للسكن مثل هذا الكوكب؟ وماذا لو كان الكون، في اتساعه اللامتناهي تقريباً، مليئاً بكواكب من الفئة الشبيهة بالأرض؟ وأمام كل ذلك يكون السؤال الأهم: كيف يُمكن لقيمة كوكب واحد أن تتجاوز قيمة نشر إنسانيتنا؟
لكن واقع الفضاء اليوم لا يدعم هذه النظريات الأخلاقية المثالية بكل تفاصيلها، فما الذي حدث فعلاً منذ عام 2000 وحتى يومنا هذا؟ وهل تحول الحلم إلى كابوس؟
وفق كثير من المفكرين انحرف حلم الفضاء تماماً خلال ربع القرن الماضي.
ظهور الفضاء التجاري
عام 2000 أسس رجل الأعمال الأميركي جيف بيزوس شركة "بلو أوريجن"، وبعدها بثلاثة أعوام (2003) أطلق إيلون ماسك شركته الخاصة في مجال الفضاء تحت اسم "سبيس إكس"، لتصبح الأخيرة الشركة الخاصة الأولى عالمياً خلال أقل من ربع قرن من الزمن، وكانت هذه المحطة الأولى لانطلاق الفضاء التجاري أو ما يعرف بالفضاء الخاص في العالم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في يومنا هذا يمر حلم الفضاء العالمي في واحدة من أعقد مراحله التاريخية وهي المحطة الثالثة والأخيرة من عمر هذا الحلم، وهي مرحلة رجال الأعمال، التي يتولى فيها اليوم رجال أعمال لا علاقة لهم بهذا العلم شؤون الفضاء بصورة شبه حصرية، إذ يُتهم هؤلاء بخطف هذا الحلم البشري وأخذه في اتجاهين ربحيين، وهما السياحة الفضائية والطيران التجاري، إضافة إلى إذكاء التسابق المحموم لاستعمار الكواكب القريبة من الأرض وأهمها القمر والمريخ من دون حساب العواقب الكبيرة المترتبة على ذلك، التي أفسدت كثيراً من بيئة كوكب الأرض.
الفضاء ميزة يتمتع بها الأثرياء
في هذا السياق خلصت أبحاث علمية إلى خطورة السياحة الفضائية على البيئة، ووفقاً لمواقع علمية عدة منها "ساينس دايركت" ومنصة السفر العالمية على موقع (Travel Bucketlist) فإن المخاوف الأخلاقية في هذا المجال تصبح أكثر وضوحاً بسبب عدم قدرة جميع الناس على الوصول العادل إلى هذه المجالات الاقتصادية الجديدة.
وترى صوفيا ريد وهي واحدة من الكتاب على منصة السفر، أنه لا بد من التعامل مع المشهد الأخلاقي لهذه الفكرة في هذا الوقت، وتؤكد أنه مع استمرار تطور السياحة الفضائية، من الضروري التعامل مع المشهد الأخلاقي بحرص، إذ تتمتع هذه الصناعة بإمكانات هائلة للتقدم التكنولوجي والنمو الاقتصادي وإلهام الإنسان، إلا أنها تُمثل أيضاً تحديات كبيرة تتعلق بالاستدامة البيئية والعدالة الاجتماعية ويجب أن تخضع للمساءلة القانونية.
وتعني سياحة الفضاء السفر إلى الفضاء لأغراض ترفيهية أو ترويحية أو مهنية، ووفق الموسوعة العلمية الأوروبية، فقد ظهرت شركات ناشئة عدة في العقود الأخيرة أسهمت بإنشاء صناعة سياحة الفضاء، فرحلات الفضاء السياحية دوماً ما كانت محدودة وباهظة الثمن، ووكالة الفضاء الروسية هي الوحيدة التي كانت تقدم هذه الخدمة في بدايتها خلال الفترة بين 2001 و2009 وكانت الأسعار الدعائية للرحلات التي ترعاها شركة "سباس أدفنشر" إلى محطة الفضاء الدولية على متن مركبة "سويوز" الفضائية الروسية تراوح ما بين 20 و35 مليون دولار أميركي.