ملخص
تهدف الحكومة الجزائرية أيضا إلى تجهيز 100 ألف منزل بسخانات شمسية بحلول 2035، ما سيوفر 135 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، أي ما يعادل 5 مليارات دينار (39 مليون دولار)، إذ يبقى الطلب على هذه السخانات منخفضاً حالياً بسبب تنافسية الغاز المدعوم، لكن الحكومة تسعى لتعزيز استخدامها ضمن برنامج التحكم في الطاقة.
أقرت الحكومة الجزائرية تدابير جديدة تهدف إلى تقليل هدر الكهرباء في السوق الداخلية، إذ استهدفت الأسر وحتى الشركات، وذلك بغرض خفض هدر الغاز الطبيعي على المستوى المحلي، والحفاظ على مستوى الصادرات باعتباره أحد أهم الموارد التي تغذي الخزانة العمومية، وتطرح هذه التدابير الحكومية الأخيرة إشكالات اقتصادية واستراتيجية جوهرية عدة. فبين الحاجة إلى تأمين الطلب المحلي المتزايد على الطاقة، وضرورة الحفاظ على مستوى الصادرات الغازية التي تمثل المصدر الرئيس لعائدات الدولة، تقف الجزائر أمام معادلة معقدة حول كيفية تحقيق التوازن بين الاستهلاك المحلي والتنمية الاقتصادية من دون المساس بالأمن الطاقوي الوطني أو الإيرادات الخارجية.
إجراءات جديدة
تضمن مشروع قانون الموازنة الجزائري لعام 2026 إجراءات شملت الأسر والمؤسسات، تعكس إدراك الحكومة لخطورة الارتفاع المتسارع في استهلاك الكهرباء والغاز محلياً، وما ينجم عنه من ضغوط على الإنتاج والاحتياطات الوطنية، بخاصة في ظل تقلبات أسعار الطاقة في الأسواق العالمية. ووردت في المشروع إجراءات لتشجيع الاستثمار في الطاقة المتجددة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، إذ تنص المادة 99 من القانون على إمكان اقتطاع نفقات الشركات المخصصة لتطوير الهيدروجين والتشجير، وإنتاج الطاقات المتجددة بنسبة خمسة في المئة من الأرباح الخاضعة للضريبة، بهدف تحفيز الشركات عبر مزايا جبائية. كما تنص المادة 126 على خفض الرسوم الجمركية واستيراد سخانات المياه الشمسية للاستخدام المنزلي من 30 في المئة إلى 15 في المئة، لتقليل الاعتماد على الغاز الطبيعي وخفض انبعاثات الاحتباس الحراري.
وتهدف الحكومة الجزائرية أيضا إلى تجهيز 100 ألف منزل بسخانات شمسية بحلول 2035، ما سيوفر 135 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، أي ما يعادل 5 مليارات دينار (39 مليون دولار)، إذ يبقى الطلب على هذه السخانات منخفضاً حالياً بسبب تنافسية الغاز المدعوم، لكن الحكومة تسعى لتعزيز استخدامها ضمن برنامج التحكم في الطاقة.
وأرجعت الحكومة الجزائرية أسباب هذا التعديل، إلى كون سخانات المياه الشمسية لا يتم تصنيعها محلياً في الوقت الراهن بسبب انخفاض الطلب عليها في السوق، إذ لا تزال الأجهزة الأخرى التي تعمل عموماً بالغاز الطبيعي أكثر تنافسية نظراً إلى التسعيرة المدعمة للغاز الطبيعي. وشددت على أنها تهدف إلى تقليل كميات الغاز الطبيعي التي تستهلكها الأسر، إذ سيتم العمل على ترقية استخدام سخانات المياه الشمسية في إطار البرنامج الوطني للتحكم في الطاقة.
وتعمل الحكومة من مشروع قانون الموازنة لعام 2026 على دعم الطاقة المتجددة من خلال تقليص الرسوم الجمركية على استيراد 100 ألف سخان مياه شمسي من 30 في المئة إلى 15 في المئة، مما يخفض كلفتها ويعزز انتشارها بين الأسر. كما تنص المادة 127 على إعفاء أجهزة التحليل الكهربائي لإنتاج الهيدروجين من الرسوم الجمركية بالكامل، بينما تشمل المادة 128 خفض الرسوم الجمركية على مكونات صناعة الألواح الشمسية إلى خمسة في المئة فقط، بهدف تشجيع الاستثمار في الطاقة النظيفة وتطوير الصناعات المرتبطة بها.
برنامج حكومي
خلال الأشهر الماضية، عملت الحكومة الجزائرية على تقليل هدر الكهرباء في السوق الداخلية، إذ سبق للوكالة الحكومية لتطوير استخدام الطاقة وترشيدها أن بادرت بتقديم مساعدات مالية للأسر تقدر بـ50 ألف دينار (ما يقارب 400 دولار) لتغيير مكيفات الهواء القديمة بأخرى جديدة توفر استهلاك الكهرباء، وأطلقت برنامجاً يستهدف الشركات العامة والخاصة بدعم مالي قدره 225 ألف دينار (ما يقارب 1800 دولار)، لاستعمال طلاءات عاكسة على أسطح المباني الخدماتية والإدارية، لزيادة العزل الحراري وتقليل هدر الكهرباء في التكييف والغاز في التدفئة، إضافة إلى مبادرة سابقة أيضاً للسخانات الشمسية الموجهة للأسر بمساعدة مالية تقدر بنحو 500 دولار. وبلغ استهلاك الجزائر من الغاز في توليد الكهرباء والتدفئة خلال شهر يناير (كانون الثاني) عام 2025 نحو 1.605 مليار متر مكعب، في مقابل 1.606 مليار متر مكعب في الشهر نفسه من العام الماضي.
وقفز إنتاج الجزائر من الغاز الطبيعي خلال شهر يناير عام 2025 بمقدار 539 مليون متر مكعب على أساس سنوي، ليسجل أعلى مستوى له منذ مارس (آذار) عام 2023، إذ يأتي ذلك بعد تراجع إنتاج البلاد من الغاز بمقدار 6.82 مليار متر مكعب إلى 98.41 مليار متر مكعب، في مقابل 105.24 مليار متر مكعب في عام 2023، وفق بيانات جمعتها وحدة أبحاث الطاقة (مقرها واشنطن).
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويعزز ارتفاع الإنتاج في بداية عام 2025 صادرات الجزائر من الغاز المسال، التي تراجعت العام الماضي، متأثرة بعمليات الصيانة المخططة في محطة "أرزيو"، بخاصة مع استقرار الاستهلاك.
ورأت مستشارة السياسات العامة للكهرباء جيسيكا عبيد أن "الاعتماد الداخلي على الغاز لتوليد الكهرباء بمستويات دعم مرتفعة، يرفع من استهلاك الوقود المحلي، مما قلص الكميات المخصصة للتصدير، وأسهم في تراجع تدفقات العملة الصعبة"، وأضافت في تصريحات خاصة نقلتها منصة الطاقة أن "تقلبات أسعار الغاز العالمية وسياسات خفض الانبعاثات في أوروبا، التي تهدف إلى خفض الطلب على الغاز بنحو 40 في المئة بحلول عام 2030، تزيد خطر تآكل الإيرادات المستقبلية للجزائر"، غير أن عبيد أكدت أن "الجزائر تمتلك موارد متجددة وفيرة، بما في ذلك إشعاعاً شمسياً من أعلى المعدلات عالمياً، وموقعاً استراتيجياً يسهل تصدير الكهرباء أو الهيدروجين الأخضر إلى أوروبا، إضافة إلى قدرة مالية تمكنها من تمويل مشاريع كبرى إذا ما تهيأت البيئة الاستثمارية".
توازن الطلب
عن الموضوع قال الخبير الاقتصادي الجزائري بوشيخي بوحوص إن الجزائر تتجه لتنويع موارد طاقتها عبر الاستثمار في الطاقات المتجددة، خصوصاً الطاقة الشمسية والرياح، للاستفادة من إمكاناتها الطبيعية الهائلة، والوصول إلى نسبة 37 في المئة من القدرة المركبة للطاقات المتجددة بحلول عام 2030. وأوضح بوحوص أن الجزائر تنتج نحو 26 ألف ميغاواط باستعمال الغاز الطبيعي بنسبة 80 في المئة، والبقية باستعمال المازوت تستهلك منها نحو 19 ألف ميغاواط، والمتبقي يعتبر فائضاً يمكن تصديره. وأضاف أنه من أجل إنتاج كهرباء خضراء يجب على الجزائر تحقيق استثمارات كبيرة في مشاريع جديدة لزيادة إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية والرياح، مع توجه لتطوير قطاع صناعة الطاقة المتجددة في الجزائر، خصوصاً مع توفر الإمكانات والموارد الطبيعية متوفرة، إذ تتراوح مدة سطوع الشمس في مختلف مناطق البلاد بين 2000 و3900 ساعة سنوياً. وذكر أن الحكومة تسعى إلى خلق توازن بين الطلب المحلي والطلب الخارجي على الغاز، لضمان عدم وجود تذبذب في تموين السوق المحلية والدولية، والأهم الحفاظ على الموارد المالية التي يوفرها الغاز للخزانة العمومية.
وأشار أيضاً إلى وجود برنامج حكومي لتنمية الطاقات المتجددة يمتد حتى عام 2030، بهدف الوصول إلى 22 غيغاواط من الطاقة المتجددة، ومن بين أهم المشاريع التي توجد قيد التنفيذ، برنامج لإنجاز 2000 ميغاواط من الطاقة الشمسية في 11 ولاية مختلفة، وظهور مكاتب دراسات ومؤسسات متخصصة في تركيب أنظمة الطاقة الشمسية، كما توجد فرص لتطوير أجهزة التوليد الشمسي الفردية، وصناعة الطاقة المولدة عبر الرياح، وتطوير تقنيات استغلال النفايات لإنتاج الطاقة. وذكر بوحوص أن العمل يتم على تطوير الخبرات والكفاءات البشرية والتقنية في مجال الطاقات المتجددة من خلال الجامعات ومعاهد التكوين المهني المتخصص، لضمان التنفيذ الفعال لهذه المشاريع، وتابع أن الجزائر تبقى من الدول الأولى على مستوى أفريقيا في إنتاج الغاز الطبيعي، الذي يبلغ نحو 130 مليار متر مكعب تقريباً، يتم استهلاك نحو 60 مليار متر مكعب والباقي يتم تصديره عبر الأنابيب إلى أوروبا، ويتم أيضاً تسييل جزء آخر، إذ تستهدف شركة المحروقات الحكومية "سوناطراك" إنتاج نحو 200 مليار متر مكعب مع شركائها في غضون عام 2030.