Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الملفات الاجتماعية بيد السلطة التونسية... فماذا بقي لـ "اتحاد الشغل"؟

اتخذت قراراً أحادياً برفع أجور القطاعين العام والخاص على مدى الأعوام الثلاثة المقبلة

رغم القطيعة التامة بين رئيس الجمهورية قيس سعيد و"الاتحاد العام التونسي للشغل"، فإن المنظمة الشغيلة تعودت على تجاوز الأزمات  (موقع رئاسة الجمهورية)

ملخص

في سابقة ضمن تاريخ تونس الاجتماعي، تقرر السلطة لوحدها زيادة أجور العاملين في القطاعين العام والخاص من دون المرور بـ "الاتحاد العام التونسي للشغل" الذي دأب منذ عقود على إجراء مفاوضات اجتماعية دورية، تتوج بالتوقيع على اتفاق مع الحكومة ينشر لاحقاً في الصحيفة الرسمية.

استأثر "الاتحاد العام التونسي للشغل" لعقود بصدارة المشهد السياسي والاجتماعي في تونس من خلال دوره الضامن للتوازن السياسي والاجتماعي، وراوحت علاقته بالسلطة بين الصدام حيناً والمهادنة أحياناً أخرى، بحسب اختلاف السياق السياسي.

ويعود تاريخ تأسيس "اتحاد الشغل" لأربعينيات القرن الماضي، ومنذ نشأته لم يكن بعيداً من الشأن السياسي عبر دخوله في مختلف المحطات التي عاشتها تونس كفاعل اجتماعي أساس.

ويحفظ تاريخ تونس السياسي المعاصر محطات فارقة في علاقة الاتحاد بالسلطة، إذ اصطدم معها في أحداث يناير (كانون الثاني) 1978، وأحداث الخبز عام 1984، ثم انتفاضة الحوض المنجمي عام 2008، كما أدى دوراً بارزاً في تأطير احتجاجات يناير 2011 التي انتهت بسقوط نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي، وصولاً إلى مشاركته في الحوار الوطني مع بقية المنظمات الوطنية (اتحاد الصناعة والتجارة وعمادة المحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان)، والذي جنب البلاد حمام دم إثر تنامي العمليات الإرهابية والاغتيالات السياسية التي كادت أن تعصف باستقرار البلاد، وتوج ذلك بحصول الرباعي الراعي للحوار الوطني على "جائزة نوبل للسلام" 2015.

وحافظت المنظمة الشغيلة على مكانتها السياسية والاجتماعية من خلال امتداداتها الداخلية في مختلف الجهات والمؤسسات، وأيضاً من خلال قواعدها العريضة التي تناهز المليون تابع في القطاعين العام والخاص.

وبعد عام 2011 وفي خضم تنامي الإضرابات وارتباك السلطة وعدم استقرار الحكومات، تعالت بعض الأصوات المناوئة للأحزاب والمنظمات، ولم يكن "اتحاد الشغل" بمنأى عن تلك الأصوات، فقد كال بعضهم التهم إلى قياداته بالتورط في ملفات فساد ومحسوبية.

ومثلت لحظة الـ 25 من يوليو (تموز) 2021 المنعرج في مسار "الاتحاد العام التونسي للشغل" الذي رحب في البداية بالإجراءات التي اتخذها حينها رئيس الجمهورية قيس سعيد، إلا أنه تراجع في ما بعد ليسود الجفاء علاقة الاتحاد بالسلطة منذ ذلك التاريخ، وبالتوازي برزت بوادر معارضة نقابية قوية رافضة لتنقيح القانون الأساس للاتحاد والذي سمح بالتمديد للمكتب التنفيذي الحالي، وباتت المنظمة تعاني محنة مزدوجة داخلية باتساع قاعدة المعارضة النقابية، وخارجية بسبب القطيعة مع السلطة وسحب الملفات الاجتماعية وسد باب التفاوض الاجتماعي، وسبق للسلطة أن قررت منع المناولة في اليد العاملة والزيادة في الأجر الأدنى المضمون من دون المرور باتفاق مع "اتحاد الشغل".

وفي خطوة تصعيدية ضد الاتحاد، أصدرت الحكومة منشوراً في أغسطس (آب) الماضي يقضي بإلغاء جميع التراخيص السابقة المتعلقة بالتفرغ النقابي، وإلزام النقابيين المتفرغين بالعودة لمراكز عملهم الأصلية، مع اتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية في حال عدم الامتثال، وفي مؤشر على سحب البساط من الاتحاد وتجريده من آخر أوراقه، وهي الدفاع عن حقوق العمال، اتخذت السلطة اليوم قراراً أحادياً برفع أجور القطاعين العام والخاص على مدى أعوام 2026 و2027 و2028، بينما دأب الاتحاد على إجراء مفاوضات اجتماعية مع الحكومة يتوج بإمضاء اتفاق، فما هو مستقبل المنظمة الشغيلة في ظل تولي الدولة الدفاع عن حقوق العمال وتكريس رؤية الدولة الاجتماعية؟

تتباين المواقف بين من يرى أن الاتحاد صمد أمام أكبر الأزمات في تاريخه، وهو قادر على ترميم بيته الداخلي واستعادة موقعه في المشهد السياسي، وبين من يعتبر أن دور الاتحاد السياسي وحتى الاجتماعي تراجع بصورة لافتة نتيجة تبني السلطة الراهنة خيار الدولة الاجتماعية.

السلطة تستحوذ على كل الملفات

ويقر المتحدث الرسمي باسم "التيار الشعبي" محسن النابتي بـ "توتر العلاقة بين السلطة والاتحاد في غياب التواصل والحوار"، مرجحاً إمكان فتح المشاورات في مرحلة ثانية بين المنظمة الشغيلة والحكومة قبل إصدار الأوامر الترتيبية حول تفاصيل هذه الزيادة، من أجل الصياغة النهائية وتوضيح التفاصيل والدفعات، ويرى النابتي أن "هذا الوضع سيعمق الأزمة وليس في مصلحة الجانبين"، داعياً إلى "فتح قنوات الحوار" ومشيراً إلى أن "كل المجتمعات تقريباً لا تخلو من هياكل مهنية ونقابات ومنظمات في مختلف المجالات، وهي علامة صحية ودليل حيوية مجتمعية".

ويشدد الناشط السياسي على أنه "لا يمكن الاستهانة بدور 'الاتحاد العام التونسي للشغل' في تأطير التحركات الاحتجاجية عند الأزمات"، رافضاً "رغبة السلطة في الاستحواذ على كل الملفات" ومعتبراً أن "المجتمعات الأكثر رسوخاً في التنظيم والمدنية والمواطنة هي التي تحترم المنظمات والنقابات، لأن وجودها دليل على مجتمع مدني وحياة سياسية حيوية".

الاتحاد رقم صعب

وعلى رغم القطيعة التامة بين رئيس الجمهورية قيس سعيد و"الاتحاد العام التونسي للشغل"، فإن المنظمة الشغيلة تعودت على تجاوز الأزمات وستبقى بحسب ناشطين حقوقيين "رقماً صعباً في المعادلة السياسية والاجتماعية على رغم تراجع قدرتها على التأثير".

وفي السياق يعتبر الصحافي والنائب السابق هشام الحاجي أن "الاتحاد عرف في تاريخه هزات وأزمات عدة، إلا أنه حافظ على مكانته في المشهد"، ولا يستشعر الحاجي أي "خطر محدق بالمنظمة الشغيلة في المستقبل على رغم القطيعة التامة بين قيادة الاتحاد ورئيس الجمهورية"، لافتاً إلى أن "ما ورد في قانون المالية للسنة المقبلة من تنصيص على زيادة الأجور هو نتيجة طبيعية لتلك القطيعة".

ويرى النائب السابق أن "مبدأ التفاوض والدفاع عن حقوق العمال من مسؤولية النقابات وليس السلطة السياسية، وهو تقليد دأبت عليه تونس منذ عقود"، معرباً عن خشيته من أن "تكون الزيادة المرتقبة من دون تطلعات العمال، وسط تدهور القدرة الشرائية وغلاء الأسعار وارتفاع نسبة التضخم".

الهرب إلى الأمام

من جهته يؤكد الكاتب العام لجامعة التعليم الأساس التابعة لـ "الاتحاد العام التونسي للشغل" محمد العبيدي أن "الاتحاد سيظل فاعلاً على الساحة بالنظر إلى قدرته على التأطير والتجميع"، مشيراً إلى أن "التحركات الاحتجاجية والإضرابات القطاعية التي قام بها أخيراً كشفت التفاف آلاف النقابيين حول الاتحاد، وبخاصة الإضراب العام الجهوي في قابس احتجاجاً على تردي الوضع البيئي والذي انضمت إليه الغالبية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويضيف العبيدي أن "السلطة تتبع سياسة الهرب إلى الأمام ولا يمكنها أن تحتكر مختلف الأدوار الاجتماعية والسياسية"، مشيراً إلى أن "الزيادة في الأجور يُفترض أن تكون نتاج مفاوضات واتفاق بين الحكومة والاتحاد من أجل هدنة اجتماعية وحفاظاً على السلم الأهلي واستجابة لمطالب الشغالين"، واصفاً قرار الحكومة الخاص بالزيادة في الأجور بالانفرادي، ومعتبراً أن "الديمقراطية تقتضي الحوار والتشاركية بين السلطة والأطراف الاجتماعية، وفق ما هو منصوص عليه في دستور عام 2022".

ولفت المسئول النقابي إلى أن "الوزارات والمؤسسات التابعة لها ترفض التفاوض مع النقابات بخصوص وضع الشغالين في محاولة لتقزيم الاتحاد، إلا أن ذلك لن يزيد المنظمة النقابية إلا قوة وصلابة"، على حد تعبيره.

ويعتبر العبيدي أن "هذا الواقع الجديد يؤثر في الاتحاد لأن العمال قد يفقدون الثقة في النقابات، بخاصة بعد محاولة إلغاء دورها الاجتماعي"، مشيراً إلى أن "المسار الطبيعي هو التفاوض والحوار مع السلطة من أجل تحقيق مطالب العمال"، ليخلص إلى أن "الاتحاد سيستعيد مكانته وموقعه في المشهد السياسي والاجتماعي، وسيواصل الدفاع عن الطبقة الشغيلة نظراً إلى دوره التاريخي وشرعيته وامتداده الشعبي".

انتهاك الحق النقابي

يذكر أن اتحاد الشغل طالب في وقت سابق باستئناف المفاوضات الاجتماعية مع الحكومة، إلا أنه لم يتلق رداً إيجابياً وهو ما اعتبر رسالة من السلطة بأن الملفات الاجتماعية باتت من مشمولاتها.

وعقب نشر مشروع قانون المالية للسنة المقبلة والذي تضمن زيادة في الأجور، دان "اتحاد الشغل" في بيان ما وصفه بـ "انتهاك السلطة التنفيذية الحق النقابي ورفض الحوار الاجتماعي وضرب التفاوض من خلال التملص من تنفيذ الاتفاقات المبرمة، مطالباً باستئناف المفاوضات في الوظيفة العمومية والقطاع الخاص بصورة فورية".

وتعد زيادة الأجور من دون الرجوع لـ "اتحاد الشغل" سابقة في تاريخ تونس التي دأبت على إجراء جولات متتالية من المفاوضات الاجتماعية استمرت منذ عام 1972، أي تاريخ توقيع "اتحاد الشغل" لاتفاق إطاري مع الاتحاد العام للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، فهل تكون في مستوى تطلعات الشغالين؟

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات