ملخص
ذكر تقرير نشره موقع "أفريكا ريبورت" أن الاتفاق الدفاعي الذي أبرمته كل من أديس أبابا ونيروبي يشمل مجالات واسعة، مثل تبادل المعلومات الاستخباراتية والتدريب والتصنيع العسكري ومكافحة الإرهاب وحماية الحدود.
أثار إعلان حكومتي إثيوبيا وكينيا توقيع اتفاق دفاع مشترك بينهما جملة من التساؤلات حول أهداف مثل هذا التحالف العسكري بين قطبين مهمين في شرق أفريقيا كثيراً ما شهدت علاقاتهما نوعاً من التنافس في النفوذ وفي عقد تحالفات مع قوى خارجية، لا سيما الدول الغربية منها، وما أثار الجدل أكثر تزامن هذه الاتفاق الدفاعية مع تجدد نذر حرب وشيكة في المنطقة، بخاصة بعد تهديد إثيوبيا جارتها إريتريا بالاستيلاء على ميناء عصب سلماً أو حرباً، بحجج عدة منها الكثافة السكانية المتزايدة التي تعدت 120 مليوناً، والحاجة الكبيرة للتنمية في دولة محدودة الثروات تضع النظام أمام ضرورة ملحة لتوفير ميناء بحري، ما دفع النظام الإريتري إلى اتخاذ تدابير جدية لمواجهة أي غزو إثيوبي من خلال عقد تحالفات أمنية وعسكرية مع دول إقليمية من بينها مصر.
وذكر تقرير نشره موقع "أفريكا ريبورت" أن الاتفاق الدفاعي الذي أبرمته كل من أديس أبابا ونيروبي يشمل مجالات واسعة، مثل تبادل المعلومات الاستخباراتية والتدريب والتصنيع العسكري ومكافحة الإرهاب وحماية الحدود. وبحسب المتخصصين فإن الاتفاق الجديد له بعد استراتيجي لإثيوبيا التي تسعى، منذ سنوات، للوصول إلى منفذ بحري على البحر الأحمر، فيما يرى آخرون أنه رد على التحالف الثلاثي الذي عقدته كل من إريتريا مصر والصومال في وقت سابق، معتبرين أن التحالفات الجديدة تعيد تشكيل التوازنات السياسية والعسكرية في منطقة القرن الأفريقي وحوض البحر الأحمر.
توافق براغماتي
في السياق رأى المتخصص في شؤون منطقة القرن الأفريقي عبدالرحمن أبو هاشم أن الاتفاق الدفاعي بين كينيا وإثيوبيا يأتي في ظل ظروف إقليمية معقدة يشهدها القرن الأفريقي، "إذ يسعى النظام الإثيوبي إلى تجاوز أزماته الداخلية المتصاعدة من خلال بناء تفاهمات وتحالفات جديدة تعزز موقفه الإقليمي وتمنحه هامش مناورة أوسع في الملفات الأمنية والسياسية". ورجح أن تكون الصومال محوراً رئيساً في هذا التقارب نظراً إلى تقاطع المصالح الإثيوبية - الكينية في شأن الحالة الصومالية، سواء في مجالات الطاقة (الغاز والنفط)، أو في ترتيبات الأمن الحدودي والسيطرة على مناطق النفوذ داخل الأراضي الصومالية. ورأى أبو هاشم أن الطرفين يهدفان إلى منع إعادة تشكل دولة صومالية قوية قد تطالب مستقبلاً باستعادة الأقاليم الخاضعة لسيطرتهما، إذ ظل الصومال يطالب باستعادة إقليم أوغادين ذي الغالبية الصومالية والخاضع للسيادة الإثيوبية، في وقت يمثل فيه الصوماليون غالبية ساحقة في المناطق الشمالية الشرقية من كينيا. ولفت المتخصص في شؤون منطقة القرن الأفريقي إلى طبيعة التفاهمات الحالية بوجود بعد سياسي موجه نحو الحد من النفوذ المصري في الصومال ومنطقة القرن الأفريقي، بما ينسجم مع الاستراتيجية الإثيوبية الرامية إلى تقليص التأثير العربي في المنطقة، إذ تشير تقارير غير رسمية إلى دعم كل من نيروبي وأديس أبابا قوات "الدعم السريع" في السودان، مما أدى إلى توتر العلاقات مع الخرطوم، ودفع الأخيرة إلى تعزيز تحالفها مع كل من القاهرة وأسمرا في مواجهة النفوذ الإثيوبي – الكيني.
وقدر أبو هاشم أن يكون تأثير هذا الاتفاق محدوداً على المدى المتوسط، نظراً إلى اعتبارات عدة "أولها متانة العلاقات الدبلوماسية الكينية مع مصر، وحرص نيروبي على عدم الإضرار بتوازنها الخارجي، وثانياً إدراك النخبة السياسية والأمنية الكينية واقع الأوضاع الإثيوبية الداخلية، لا سيما النزاعات القومية وتنامي المعارضة ضد سياسات رئيس الوزراء آبي أحمد، وثالثاً الشكوك حول جدوى الانتظام في سياسات توسعية إثيوبية تمثل خرقاً للقانون الدولي ومواثيق الاتحاد الأفريقي"، وعليه، يرجح أن تتعامل كينيا مع الاتفاق بوصفه أداة تكتيكية لتعزيز التنسيق الحدودي ومراقبة الوضع في الصومال، أكثر من كونه تحالفاً استراتيجياً يعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة.
اختلاف الأهداف
ورأى أبو هاشم أن المؤشرات توحي بأن إثيوبيا قد تسعى إلى الاستفادة من الموانئ الكينية كقنوات بديلة للإمداد العسكري في حال اندلاع مواجهة مسلحة محتملة مع إريتريا، مشيراً إلى أن القراءة الأولية ترجح أن هذا التعاون يظل موقتاً وذا طبيعة براغماتية بحتة تهدف إلى معالجة حاجات آنية تتعلق بالأمن واللوجيستيات من دون أن يرتقي ذلك إلى مستوى تحالف طويل الأمد أو شراكة دفاعية متكاملة. وأضاف أن الاتفاق يمثل محاولة إثيوبية لتوسيع هامش التحرك الإقليمي في ظل تزايد الضغوط الداخلية والخارجية. ومع ذلك تبقى فرص تحول هذا التفاهم إلى محور مؤثر في هندسة الأمن الإقليمي محدودة، لجهة غياب الثقة الاستراتيجية بين الطرفين، وتعارض مصالحهما في عدد من الملفات، لا سيما الملف الصومالي والعلاقة مع مصر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الأبعاد المحلية والإقليمية
من جهته رأى المتخصص الإثيوبي في شؤون منطقة القرن الأفريقي محاري سلمون أن انتقال كل من أديس أبابا ونيروبي من حال التنافس على النفوذ الإقليمي، وتمثيل القوى الغربية، إلى حال التوافق، فرضته الظروف الدولية والإقليمية الراهنة، "بخاصة في ظل سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه أفريقيا، إذ تم تقليص الدعم الأميركي الموجه للحلفاء الأفارقة إلى أدنى حد منذ نهاية الحرب الباردة، ومن ثم تضررت كل من إثيوبيا وكينيا من سياسات الانكفاء الذي تمارسه إدارة ترمب ما استوجب ضرورة التوافق لدرء الأخطار المحدقة في المنطقة، بخاصة في ظل التوترات القائمة في منطقتي البحر الأحمر وحوض النيل". وأشار محاري إلى أن ثمة تحولاً ملحوظاً قد طرأ على العلاقات بين البلدين منذ وصول آبي أحمد إلى سدة الحكم، بخاصة على المستويين الأمني والدبلوماسي، إذ تم إحياء منظمة "إيقاد" لدول شرق أفريقيا، فضلاً عن مساهمة كينيا في تقليص تحركات الجماعات الأورومية المعارضة لأديس أبابا، والتي كانت تنشط في الأراضي الكينية.
يذكر أن حكومة الرئيس الكيني ويليام روتو اتخذت إجراءات ميدانية، إذ أخلت المعسكرات التي ظلت قائمة على الحدود المشتركة بين البلدين، كما قدمت خدمات أمنية واستخباراتية لمصلحة أديس أبابا، وأسهمت في توفير مناخ للتفاوض بين ممثلي جيش تحرير الأورومو والحكومة الفيدرالية الإثيوبية في تنزانيا.
تشكيل توازنات جديدة
لفت المتخصص الإثيوبي إلى أن ثمة عوامل أخرى تتعلق بالظروف الإقليمية والتوترات القائمة في المنطقة، بخاصة بعد التحالف الثلاثي الإريتري – المصري - الصومالي، معتبراً أنه موجه ضد الأهداف الإثيوبية الساعية للوصول إلى المنفذ البحري. وأشار إلى أن كينيا لديها قلق من التحرك المصري في المنطقة، لا سيما بعدما قررت القاهرة إرسال نحو 10 آلاف جندي إلى الصومال، سواء في إطار مهام بعثة حفظ السلام الأفريقية، أو في إطار اتفاق الدفاع المشترك الموقعة بين مقديشو والقاهرة، وأوضح أن كلاً من إثيوبيا وكينيا ظلتا تسيطران على الخطط الدولية والإقليمية تجاه الصومال، وأن بروز الدور المصري قد يهدد مصالحهما، بخاصة إذا ما انتشرت الوحدات العسكرية المصرية على الحدود المشتركة بين الصومال ودول الجوار. وتابع أن اتفاق الدفاع المشترك الذي يشمل تعاوناً عسكرياً واستخبارياً بين العاصمتين قد يمثل محاولة لإعادة التوازن الإقليمي، في ظل التحالف القائم بين إريتريا ومصر من جهة، ومنتدى دول البحر الأحمر من جهة أخرى. ورأى سلمون أن تفعيل اللجان الوزارية المشتركة بين كينيا وإثيوبيا من شأنه أن يعزز من اعتماد إثيوبيا على المنافذ البحرية الكينية، ولو بصورة آنية، في تجارتها الخارجية، ومن ثم لا يمكن النظر إلى الاتفاق العسكري بمعزل عن الأهداف الاقتصادية والتجارية للبلدين.
الردع المضاد
وقلل محاري من جهة أخرى من فرص قيام حرب وشيكة بين إريتريا وإثيوبيا على رغم التحركات الميدانية والحملات الدعائية بين البلدين، مشيراً إلى أن التحالفات القائمة، الآن تشير بصورة واضحة إلى أنها قد تقلص فرص قيام الحرب، نظراً إلى طبيعتها الإقليمية العابرة للدول، إذ إن قيام التحالفات العسكرية والأمنية في هذه المنطقة وبروز تحالفات مضادة قد يسهمان في ردع النزوع نحو الحرب. وأوضح أيضاً أنه على رغم وجود مؤشرات بإمكان شن إثيوبيا حرياً لاستعادة ميناء عصب الإريتري، "فإن هذه الحملات، وحتى التحركات الميدانية، قد لا تتطور إلى حرب مباشرة بين البلدين، لا سيما أن كليهما لديه تحالفات عسكرية مع دول إقليمية في المنطقة، مما يقلل من لجوء أحد الأطراف لإطلاق الرصاصة الأولى، فثمة ردع وردع مضاد". وقدر محاري أن الصومال الذي شارك في التحالف الثلاثي المصري - الإريتري، والذي طور علاقاته مع إثيوبيا في أعقاب توقيع إعلان أنقرة بوساطة تركية، إثر تراجع أديس أبابا عن مذكرة التفاهم الموقعة مع إقليم صوماليلاند، من شأنه تأدية دور محوري في تقليل التوترات القائمة، بخاصة أن تصريحات الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بعد لقائه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد على هامش حفل تدشين سد النهضة الكبير تشير إلى أنه لم يلمس أي رغبة لدى أديس أبابا بغزو إريتريا أو إعلان حرب.
وختم محاري بأن أديس أبابا ظلت تسعى بشتى الطرق إلى إعادة طرح مسألة المنفذ البحري على المستويين الإقليمي والدولي، للوصول إلى معالجات منصفة، لعل من بينها إيجاد صيغ تعاون تقلل من الكلف الباهظة التي تسددها إلى جيبوتي مقابل مرور البضائع الإثيوبية من وإلى الخارج، مشيراً إلى أنها نجحت في جعل الملف موضع تداول إقليمي ودولي، "ومن ثم فإن أقصى طموحها قد لا يتجاوز واقع جلب دول الجوار الساحلية للتفاوض لضمان أسعار تفضيلية لخدمة الموانئ وليس بالضرورة الوصول إلى منافذ بحرية سيادية كما ظل يتردد في الأوساط السياسية والإعلامية".