ملخص
يقتطع "الخط الأصفر" أكثر من نصف مساحة القطاع (يبتلع 53 في المئة من أراضي الغزيين)، ويضم مناطق حيوية كانت مزدحمة بالسكان، منها حي الشجاعية وأجزاء من أحياء التفاح والزيتون، ومناطق بيت حانون وبيت لاهيا شمالاً، أما جنوباً فإنه يقضم كل مدينة رفح، والجزء الشرقي من مدينة خان يونس.
كان إيهاب أبو شعبان يقود مركبته عائداً إلى منطقته السكنية في مدينة غزة بعد نزوح مُذل في المناطق الإنسانية الفقيرة للخدمات جنوب القطاع، هلل أطفاله السبعة عندما أبلغهم والدهم بأن المنطقة المدمرة بالكامل، والتي باتت من دون معالم خرسانية هي حيهم السكني، وأن الركام الضخم آخر مرمى بصرهم هو بيتهم المدمر.
بهدوء كان يقود أبو شعبان سيارته المعطوبة متجهاً إلى تفقد الأنقاض المدفون تحتها ذكرياته، ولا يعرف أن بيته يقع خلف "الخط الأصفر"، وبينما كان يواصل التحرك، أطلق عليه جنود الجيش الإسرائيلي المتمركزين خلف الخط السياسي الجديد النار، وقتلوه برفقة جميع أفراد عائلة المكونة من 11 فرداً.
خط الانسحاب
مقتل هذه العائلة يعد الخرق الأكبر والأوضح لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة بين "حماس" وإسرائيل، ولكنه لم يكن مجرد انتهاك لخطة ترمب للسلام والازدهار، وإنما حدث يكشف في تفاصيله "الخط الأصفر" والحدود الجديدة لإسرائيل وما هو ممنوع على الغزيين.
يقول متحدث الدفاع المدني في غزة محمود بصل "لم تعرف العائلة أنها تجاوزت الخط الأصفر، لا يوجد هناك أي علامات أو خطوط صفراء على الأرض تدل على تجاوزهم لمناطق يمنع دخولها، عندما وصلنا إلى المنطقة وجدنا الكلاب نبشت جثث طفلين في مشهد مأسوي، كان يمكن لقوات الجيش الإسرائيلي اللجوء لوسائل إنذار غير مميتة مثل إطلاق قنابل الغاز أو التحذير الصوتي، ما جرى خطوة مدروسة ولها أهدافها".
تضمنت خطة ترمب لإنهاء الحرب في غزة، خرائط ميدانية لانسحاب الجيش الإسرائيلي تدريجاً من القطاع على ثلاث مراحل، تبدأ الأولى وتسمى "الخط الأصفر" بمجرد الوصول إلى الاتفاق، أما المرحلة الثانية "الخط الأحمر" تبدأ عند نشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار، وتنتهي عمليات الانسحاب بالمرحلة الثالثة (المنطقة العازلة الأمنية)، بعد نقل مسؤوليات الإدارة والحكم إلى هيئة إدارية دولية.
"الخط الأصفر"
وبعدما توصلت "حماس" وتل أبيب للاتفاق، في الـ10 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، وبدأت عمليات تبادل الرهائن والأسرى، انسحب الجيش الإسرائيلي جزئياً من مناطق عدة في قطاع غزة إلى مواقع تمركز جديدة داخل القطاع أطلق عليها اسم "الخط الأصفر".
لم يميز الجيش الإسرائيلي مناطق الخط الأصفر الذي تنتشر على طوله قواته، وظلت التكهنات والتخمينات هي مصدر المعلومات الوحيدة لسكان غزة الذين يحاولون العودة إلى مناطق سكنهم الأصلية بعد نزوح طويل.
عدم وجود علامات واضحة منح إسرائيل فرصة لإطلاق النار صوب الغزيين الذين يحاولون تفقد مناطقهم والعودة إليها، وهذا ما تكرر مع عشرات الأسر التي ذهبت إلى مناطق يظنون أنها تخضع للفلسطينيين، لكنها بالأساس لا يزال فيها ثكنات عسكرية ممنوع دخولها.
في إسرائيل لم يقرأوا تقدم عربة أبو شعبان ببراءة، واعتبروه محاولة من "حماس" لاختبار يقظة الجيش الإسرائيلي، وأشارت صحيفة "معاريف" العبرية إلى وقوع سلسلة حوادث أمنية وقعت قرب "الخط الأصفر"، وكانت الفصائل الفلسطينية المسلحة خلفها بهدف جس النبض.
ترسيم "الخط الأصفر"
بعد تلك الحوادث وجه وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس مؤسسته الأمنية لترسيم الحدود الجديدة بين غزة وتل أبيب، ويقول "طلبت البدء بوضع علامات ميدانية على طول هذا ’الخط الأصفر‘، باستخدام أرصفة مرصوفة بصورة خاصة لتحديد واضح لمسار الخط السياسي الجديد الذي تتمركز فيه قواتنا".
ويضيف وزير الدفاع الإسرائيلي، "أي محاولة للاقتراب من الخط الأصفر باعتباره منطقة محظورة، سيقابل بحزم وإطلاق النار، إنه يمثل حدوداً واضحة للانتشار العسكري الإسرائيلي داخل القطاع، قواتنا موجودة هناك وفقاً لترتيبات وقف إطلاق النار، وستواصل العمل لإزالة أي تهديد فوري".
ليس عبثاً اختير اللون الأصفر لحدود غزة الجديدة، إذ يقول الباحث العسكري محمد وهدان "يستخدم هذا اللون في التحذيرات العسكرية والمناطق الخطرة، بدء ترسيم هذه الحدود يهدف إلى إظهار المحور بوضوح كإشارة تحذيرية دائمة تفصل بين المناطق الخاضعة لسيطرة إسرائيل والمناطق الآمنة للفلسطينيين".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويضيف الباحث العسكري، "الخط الأصفر، هو محور فصل أمني وسياسي، ولوجوده وترسيمه أبعاد خطرة على الأرض، وما يجري حالياً يشير إلى ملامح تقسيم جغرافي آخذ في الترسيخ داخل قطاع غزة، إن المرحلة الحالية تعد مرحلة تشكيل وتثبيت للمنطقة، وقد يستغرق إدراكها وقتاً عند الفلسطينيين".
بحسب وهدان، فإن الجيش الإسرائيلي لا يسيطر على كل المساحة خلف "الخط الأصفر" بقواته، وإنما عبر تمركز ثكنات عسكرية تراقب تحركات الغزيين، ولذلك يعد محوراً سياسياً وأمنياً جديداً.
يحتل نصف قطاع غزة
مصطلح محور سياسي وأمني يعني أن ذلك الخط قد يتحول لحدود غزة الجديدة إذا لم تنجح تطبيق خطة ترمب بالكامل، إذ يشير وهدان إلى أن "الخط الأصفر" يعطي إسرائيل مساحة أمنية عازلة ضخمة جداً ترى فيها أنها تحقق لها الأمن والاستقرار من هجمات محتملة لـ"حماس"، وتعتبر أن تجاوزه يشكل تهديداً مباشراً لأمنها القومي.
يقتطع "الخط الأصفر" أكثر من نصف مساحة القطاع (يبتلع 53 في المئة من أراضي الغزيين)، ويضم مناطق حيوية كانت مزدحمة بالسكان، منها حي الشجاعية وأجزاء من أحياء التفاح والزيتون، ومناطق بيت حانون وبيت لاهيا شمالاً، أما جنوباً فإنه يقضم كل مدينة رفح، والجزء الشرقي من مدينة خان يونس.
يقول الباحث العسكري محمد وهدان "يمهد ’الخط الأصفر‘ لتغييرات ديموغرافية وجغرافية في القطاع، إن الخريطة تسمح لإسرائيل بإحاطة المناطق الشرقية لغزة بنطاقات أمنية داخل أراضي القطاع، ويمنح تل أبيب قدرة على التحكم بالمداخل والمعابر وطرق الإمداد الرئيسة".
قبل الحرب كان الشريط الأمني بين إسرائيل وغزة يراوح على مسافة تمتد بين 700 و800 متر فحسب، لكن بعد ترسيم "الخط الأصفر" فإن المناطق العازلة تتعمق في القطاع وتوسع نطاق سيطرة الجيش لتصل إلى 1.5 كيلومتراً، وسط القطاع، وثلاثة كيلومترات مقابل مدينة غزة، وسبعة كيلومترات في الجنوب، مما يجعلها عملياً منطقة احتلال جزئي جديدة تحت اسم "الفصل الأمني".
تبلغ مساحة أراضي قطاع غزة التي تقع خلف "الخط الأصفر" نحو 185 كيلومتراً مربعاً، أي قرابة 53 في المئة من إجمال مساحة القطاع البالغة 365 كيلومتراً مربعاً، وستظل المناطق وراء المحور السياسي الأمني الجديد تحت السيطرة الإسرائيلية حتى دخول القوات الدولية لمنطقة الحرب.
"خلفه أراضٍ يحلم الغزيون بالعودة إليها"
بحسب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فإن الجيش لن يعود إلى المناطق التي انسحب منها ما دامت "حماس" تنفذ الاتفاق بالكامل، وهذا ما دفع صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية للقول "هذا الخط يترك لقواتنا سيطرة موقتة، وربما دائمة في حال انفجار المفاوضات".
التعامل مع الخط الأصفر لا يعني فقط نقطة عدم العودة أو نقطة التحذير القصوى قبل اتخاذ إجراءات عسكرية أو سياسية حاسمة، وإنما يشمل المجال السياسي والدبلوماسي، حيث تحسب كل خطوة فلسطينية بالنسبة إلى إسرائيل وفق معايير الخطوط الصفرية أو الصفرية المحيطة بـ"الخط الأصفر"، مما يساعد في تقييم مستويات التصعيد أو التهدئة.
في الأراضي التي تقع خلف "الخط الأصفر" تلاشت ذكريات العائلات التي كانت تسكن هناك، إذ أدركوا أن طريق العودة إلى بيوتهم لا يزال مغلقاً، فالمناطق التي كانت يوماً أحياء مأهولة بالمدارس والمحال والأسواق، تحولت إلى مناطق "صفراء" محظورة، تخضع لرقابة عسكرية مشددة.
أمام خيمتها تجلس هناء تحدق بعينيها المتعبتين نحو الشرق، حيث منطقتها التي تقع خلف "الخط الأصفر"، تقول "في قلبي فراغ لا مثيل له، بصري معلقاً هناك حيث بيتي، لا أريد شيئاً من الدنيا سوى أن أنام ليلة واحدة بين جدرانه المهدمة".
لا تزال منطقة هناء خاضعة لسيطرة عسكرية إسرائيلية مباشرة، وتصنف ضمن "المناطق الصفراء"، أي المحظور دخول المدنيين إليها بذريعة الاعتبارات الأمنية، تضيف هناء "أبعد عن بيتي كيلومتراً واحداً غير أن الوصول إليه يبدو مستحيلاً، نعيش الآن تحت حصار جديد داخل وطننا".