Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أسعار المنازل في طهران تتجاوز نيويورك وأزمة السكن تتعمق

اتساع الفجوة الطبقية وتراجع فرص التملك مع مشكلات اجتماعية عميقة لا يمكن حلها عبر الشعارات

تواجه سوق العقارات الإيرانية حالياً ظاهرة مزدوجة من الركود والتضخم (اندبندنت فارسية)

ملخص

في حين تسعى دول المنطقة إلى تحقيق الاستقرار الاجتماعي عبر سياسات إسكانية ودعم المستأجرين، تواصل الحكومة الإيرانية سياساتها المنظمة التي دفعت الملايين إلى الاعتماد القسري على الإيجار، مما أدى إلى اتساع الفجوة الطبقية وانتشار المساكن ذات الجودة المتدنية، وتراجع فرص التملك وتكوّن أزمة اجتماعية عميقة لا يمكن حلها عبر حلول موقتة أو شعارات.

دخلت سوق العقارات في إيران أحد أكثر مراحل الركود عمقاً، في وقت لا يزال التضخم في أسعار البيع والإيجارات عند مستويات قياسية، مما أدى إلى تزايد مستمر في أعداد المستأجرين.

ولا يعزى هذا الركود لعوامل ظرفية بل يعد نتيجة مباشرة للسياسات العامة للنظام الإيراني، ولا سيما السياسات التصعيدية والطموحات النووية للمرشد علي خامنئي، والتي حولت الموارد المالية من القطاعات الاقتصادية والاجتماعية الحيوية، ومن ضمنها الإسكان، إلى مشاريع عسكرية وتحركات خارجية مثيرة للتوتر.

وأكد نائب رئيس اتحاد الاستشاريين العقاريين في محافظة طهران، داوود بيكي نجاد في الـ 15 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، أن سوق العقارات لا تنتظر والوضع الحالي يمثل ركوداً فعلياً، موضحاً أنه بخلاف فترات سابقة "شهدت طوابير شراء وترقباً لاستقرار الأسعار أو انخفاضها، فإن السوق اليوم تشهد غياباً شبه كامل للطلب ولا وجود لأي طوابير شراء حالياً"، مضيفاً أن السبب الرئيس لهذا الركود يتمثل في التراجع الحاد في القدرة الشرائية للمواطنين، ومشيراً إلى أن كثيراً من المستأجرين اضطروا إلى الانتقال من المناطق المركزية والشمالية للعاصمة إلى أخرى أقل كلفة في الجنوب، بينما تراجعت تعاملات شراء المسكن الأول إلى أدنى مستوياتها.

وعلق بيكي نجاد على الحملة الإعلامية التي روج لها بعض الوسائل الرسمية في شأن انخفاض الإيجارات عقب خروج المواطنين الأفغان، مؤكداً أن هذا الانخفاض اقتصر على بعض الأحياء في جنوب طهران ولا ينطبق على بقية مناطق المدينة.

أزمة سكن حادة

في وقت يعاني معظم سكان المدن الإيرانية أزمة سكن حادة وارتفاعاً غير مسبوق في الإيجارات، تشهد شريحة أخرى من السوق العقارية ارتفاعاً لافتاً في أسعار المنازل الفاخرة في العاصمة طهران إلى حد باتت فيه الأسعار تقارب تلك المسجلة في سوق العقارات داخل الولايات المتحدة، وإن بدت المقارنة أقرب إلى السخرية، وبحسب الأسعار المعلنة في سبتمبر (أيلول) الماضي فقد بلغ سعر شقة حديثة البناء بمساحة 900 متر مربع في حي زعفرانية الراقي بطهران نحو 9.4 مليون دولار، في حين يمكن شراء منزل بمساحة 991 متراً مربعاً في نيويورك بسعر 9.25 مليون دولار، مع مستوى أعلى بكثير من الخدمات والمرافق، أما في ولاية نيوجيرسي فتعرض فيلا بمساحة 1750 متراً مربعاً في مقابل 10.7 مليون دولار، وفي لوس أنجليس يعرض بنتهاوس (شقة فاخرة) بمساحة 1300 متر مربع في مقابل 6.5 مليون دولار، مزودة بوسائل رفاهية متقدمة مثل مسبح على السطح وأنظمة ذكية وشاطئ خاص وخدمات أمن على مدار الساعة.

في المقابل تفتقر كثير من العقارات الفاخرة في طهران إلى جودة البناء والبنى التحتية ومستويات الراحة المماثلة، بينما تعاني المدينة بأكملها تلوثاً هوائياً خانقاً وانقطاعات متكررة في الكهرباء والماء والغاز والإنترنت خلال أشهر طويلة من العام، وهذا التفاوت الحاد في سوق العقارات يعكس طبيعة الاقتصاد الإيراني القائم على الانقسام الطبقي، إذ تستفيد فئة صغيرة من أصحاب النفوذ والثروات، بفضل قربها من مراكز الحكم واستغلالها الامتيازات المالية وسوق العملات، من الاستثمار في العقارات الفاخرة، في حين يعجز معظم المواطنين عن تأمين إيجار مسكن بسيط.

80 عاماً من الادخار لامتلاك منزل في إيران

وفي السياق كشف رئيس "اتحاد الاستشاريين العقاريين" في طهران عن أن نصف دخل المستأجرين في إيران ينفق حالياً على الإيجارات، مضيفاً أن شراء منزل بقيمة تتراوح ما بين 5 مليارات (46 ألف دولار) إلى 6 مليارات تومان (55 ألف دولار) في طهران أو مدن أخرى، حتى بالنسبة إلى من يتقاضون دخلاً أعلى من المتوسط، يتطلب ادخاراً مستمراً لمدة تقارب 80 عاماً، وهو زمن يتجاوز العمر الافتراضي للفرد.

وتواجه سوق العقارات الإيرانية حالياً ظاهرة مزدوجة من الركود والتضخم، وهو ما يصفه خبراء الاقتصاد بـ "الركود التضخمي"، وفي هذا السياق أوضح الخبير الاقتصادي هادي حق‌ شناس أن عدد تراخيص البناء الصادرة خلال ربيع هذا العام شهد تراجعاً مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مما أدى إلى انخفاض في وتيرة إنتاج وتوفير المساكن.، وأشار حق‌ شناس إلى أن الارتفاع العام في مستوى الأسعار أسهم في زيادة أسعار العقارات أيضاً، مؤكداً أنه عندما تغيب القدرة الشرائية يتراجع الإنتاج ويستمر الركود.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

السبب الرئيس للتضخم والركود

في ظل غياب قرارات اقتصادية فعالة وشفافة فإن سوق العقارات في إيران تخضع لتأثير مباشر من السياسات العامة للنظام، وعلى مدى الأعوام الأخيرة جرى تخصيص مئات مليارات الدولارات من الموارد الوطنية لبرامج الصواريخ والطاقة النووية، أو لدعم جماعات مسلحة في لبنان وفلسطين وسوريا والعراق واليمن، فيما ترك قطاع الإسكان الذي يعد من المحركات الرئيسة للاقتصاد وتوفير فرص العمل، من دون تخطيط أو دعم يذكر، وكان لاستمرار التوتر مع الغرب وعودة العقوبات الدولية، إضافة إلى البيئة الاستثمارية غير الآمنة، أن دفعت المستثمرين المحليين نحو العزوف عن دخول هذا القطاع، ونتيجة لذلك لم يؤد الأمر فقط إلى تراجع البناء بل تسبب كذلك في ارتفاع دائم للأسعار وتنامي انعدام الثقة في السوق.

كما أسهم الارتفاع الحاد في سعر صرف العملة، نتيجة العقوبات والسياسات التصعيدية، في تحويل العقار إلى سلعة استثمارية لفئة محدودة، بينما فقدت غالبية المواطنين القدرة على استخدامه كمسكن مما أضعف دوره الاستهلاكي.

وفي المقابل لم تتخذ حكومة الرئيس مسعود بزشكيان حتى الآن أي إجراء ملموس لمعالجة أوضاع السوق أو كبح ارتفاع الإيجارات، وبقيت وعوده الانتخابية المتعلقة بـ "دعم المستأجرين" على مستوى التصريحات فقط، من دون إعلان أية آلية تنفيذية لضبط الأسعار أو تعزيز الشفافية.

وفي حين تلجأ بعض الدول إلى إجراءات قانونية لضبط السوق على رغم الضغوط التضخمية، فقد أصدرت السعودية أخيراً قراراً بوقف زيادة الإيجارات في العاصمة الرياض مدة خمسة أعوام، وبموجب القرار تؤجر العقارات الشاغرة بناء على آخر سعر مسجل، ويواجه الملّاك المخالفون غرامة تعادل إيجار عام كامل، مع تخصيص 20 في المئة من الغرامة كمكافأة لمن يبلغ عن المخالفات.

آفاق قاتمة لسوق الإسكان في إيران

لا يعد الركود والتضخم في سوق الإسكان الإيراني أزمة موقتة، بل يعكسان انهياراً هيكلياً للاقتصاد تحت ظل نظام سياسي يركز على الحرب، ويرى المحللون أن استمرار سياسات النظام الإيراني المبنية على التصعيد والتهديد وتطوير البرنامج النووي وزعزعة الاستقرار الإقليمي ستحول دون جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية في قطاع الإسكان وغيره من القطاعات الاقتصادية، ففي حين تسعى دول المنطقة إلى تحقيق الاستقرار الاجتماعي عبر سياسات إسكانية ودعم المستأجرين، تواصل الحكومة الإيرانية سياساتها المنظمة التي دفعت الملايين إلى الاعتماد القسري على الإيجار، وهو ما أدى إلى اتساع الفجوة الطبقية وانتشار المساكن ذات الجودة المتدنية وتراجع فرص التملك، وتشكيل أزمة اجتماعية عميقة لا يمكن حلها عبر حلول موقتة أو شعارات.

 نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

المزيد من تقارير