ملخص
كان السودان قبل اندلاع الحرب يعيش حال هشاشة اقتصادية متجذرة، إذ تراكمت على مدى عقود آثار العقوبات الدولية، وضعف الاستثمار، وانهيار المؤسسات الإنتاجية، مما جعل البنية الصناعية في وضع بالغ الهشاشة، وستكون استعادة القطاع الصناعي عملية طويلة ومعقدة، إذ يتطلب التعافي الكامل استقراراً أمنياً وهيكلياً.
وجهت الحرب في السودان ضربة قاصمة للقطاع الصناعي الذي كان يعاني أصلاً ضعفاً هيكلياً وتراجعاً مزمناً في الإنتاجية، فمع اندلاع الصراع، تحول المشهد الصناعي إلى مسرح مفتوح للتدمير والانكماش، حيث أغلقت آلاف المصانع وتوقفت سلاسل الإمداد، وتضررت مراكز الإنتاج الكبرى في الخرطوم والجزيرة ودارفور وكردفان، ولم يكن القطاع الصناعي مجرد ضحية جانبية للحرب، بل كان في صميمها، إذ أصيب في عمقه الاستراتيجي بما أفقد الاقتصاد الوطني أحد أهم أعمدته الإنتاجية، وأدى إلى تراجع القدرة على تشغيل العمالة وتلبية حاجات السوق المحلية من السلع الأساسية.
كانت الصناعات التحويلية والغذائية والنسيجية والدوائية من أكثر القطاعات تضرراً، نتيجة انقطاع الكهرباء والوقود وتعطل شبكات النقل والتمويل، فضلاً عن تعرض المنشآت الصناعية للنهب أو التدمير المباشر، كذلك توقفت المصانع العاملة في تكرير النفط وصناعة الأسمنت والحديد، مما أدى إلى شلل شبه كامل في دورة الإنتاج الوطني، ومع هذا الانهيار انخفضت مساهمة الصناعة في الناتج المحلي إلى مستويات غير مسبوقة، لتفقد البلاد جزءاً كبيراً من قدرتها الإنتاجية التي كانت تشكل أحد مصادر الدخل والتشغيل.
في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2023 كشف وزير المالية جبريل إبراهيم عن أن خسائر الحرب تجاوزت 26 مليار دولار، أي ما يزيد على نصف قيمة الاقتصاد السوداني قبل عام واحد فحسب، مشيراً إلى أن القطاع الصناعي فقد أكثر من 50 في المئة من قيمته، كذلك تراجعت معدلات التوظيف بأكثر من 4.6 مليون وظيفة، في وقت دفعت الأزمة الاقتصادية أكثر من 7 ملايين شخص إلى براثن الفقر، ولم تسلم منظومة الصناعات الزراعية والغذائية من الانهيار، إذ تقلصت بنحو 33.6 في المئة، مما عمق أزمة الأمن الغذائي وأفقد الأسواق المحلية توازنها.
برزت مبادرات فردية، منها إعلان مجموعة صناعية في الخرطوم استئناف نشاطها بعد توقف طويل، إذ استعادت المجموعة نشاط 14 مصنعاً أساساً من المجمع الذي يضم 23 مصنعاً تشمل مصانع العصائر والمياه المعدنية والكتاب المدرسي والكرتون بأنواعه، كذلك ظهرت بعض المبادرات الأخرى لمصانع في أم درمان.
هشاشة متجذرة
كان السودان قبل اندلاع الحرب يعيش حال هشاشة اقتصادية متجذرة، إذ تراكمت على مدى عقود آثار العقوبات الدولية، وضعف الاستثمار، وانهيار المؤسسات الإنتاجية، مما جعل البنية الصناعية في وضع بالغ الهشاشة حتى قبل أن تطاولها نيران الصراع، ومع أن البلاد بدأت بعد رفع العقوبات الأميركية في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2017 محاولات حذرة لإعادة تنشيط قطاعها الصناعي واستقطاب الاستثمارات، فإن تلك الجهود لم تكتمل بسبب غياب الاستقرار السياسي وتدهور بيئة الأعمال وتردي الخدمات الأساسية من كهرباء وتمويل ونقل.
ففي عام 2022، أي قبل عام واحد من اندلاع الحرب، كشفت وزارة الصناعة السودانية عن توقف نحو 30 في المئة من المصانع العاملة بسبب عقبات تمويلية وتقنية معقدة، إضافة إلى مشكلات قانونية واجتماعية أعاقت تطور هذا القطاع الحيوي. وقدر عدد المصانع في البلاد حينها بنحو 6660 مصنعاً، غالبيتها تعود للقطاع الخاص الذي كان يهيمن على 86 في المئة من النشاط الصناعي، غير أن معظم هذه المصانع كانت تعمل بطاقة منخفضة نتيجة ضعف الإمداد الكهربائي وندرة النقد الأجنبي وصعوبة الحصول على المواد الخام ووسائل النقل، إلى جانب محدودية الأسواق المحلية وتراجع القدرة الشرائية للمستهلكين، ثم جاءت الحرب لتقضي على ما تبقى من قدرة الصناعة السودانية على الصمود، فقد تحولت مناطق الإنتاج الكبرى في الخرطوم والجزيرة ودارفور إلى ساحات قتال، وتعرضت المنشآت الصناعية للدمار والنهب والتوقف الكامل، مما عطل سلاسل التوريد الداخلية وأغلق منافذ التصدير. ومع استمرار القتال يتسارع الانهيار الصناعي ليعمق الركود الاقتصادي ويفقد ملايين العمال مصادر رزقهم، في وقت تتآكل القاعدة الإنتاجية بوتيرة تجعل إعادة الإعمار أكثر كلفة وتعقيداً.
حافة الاندثار
يشير الواقع إلى أن القطاع الصناعي السوداني لم يعد مجرد ضحية للأزمة، بل أصبح أحد مظاهرها الأشد خطورة، فكل شهر من القتال يضيف طبقة جديدة من الانهيار، ويبدد ما تبقى من الأمل في التعافي القريب، أما البيانات المتاحة فليست سوى تقديرات أولية لواقع أشد قتامة، إذ إن حجم الخسائر الفعلية، ولا سيما في الاقتصاد غير الرسمي، يفوق ما يمكن قياسه بالأرقام، وهكذا تقف الصناعة السودانية اليوم على حافة الاندثار، في ظل غياب رؤية وطنية متماسكة تعيد بناءها كرافعة أساسية لأي تعافٍ اقتصادي مستقبلي.
أكدت وزيرة الصناعة والتجارة محاسن علي يعقوب أن الحرب أدت إلى شلل شبه كامل في النشاط الصناعي، بعدما أخرجت مناطق صناعية بأكملها في الخرطوم والجزيرة وسنار من دائرة الإنتاج، وكشفت عن أن الأضرار طاولت نحو 3500 منشأة صناعية في العاصمة الخرطوم، و125 منشأة كبرى في ولاية الجزيرة، مما يعكس عمق الضربة التي تلقاها القطاع. وأوضحت الوزيرة أن وزارتها شرعت في إجراء حصر شامل للمنشآت المتضررة، إلى جانب إنشاء نافذة موحدة للإجراءات بغية تسريع عودة المصانع إلى العمل تدريجاً. وشددت على أن إمكان التعافي لا يزال قائماً، شرط توحيد الجهود بين الحكومة والقطاع الخاص لإحياء الصناعة بوصفها أحد الأعمدة الرئيسة للاقتصاد الوطني.
من جهته أفاد رئيس اتحاد الغرف الصناعية معاوية البرير بأن القطاع الصناعي السوداني مني بخسائر فادحة تجاوزت 50 مليار دولار، جراء الدمار الذي طاول المصانع في مناطق الخرطوم وبحري وأم درمان. وأوضح أن استئناف بعض المصانع لنشاطها لا يعد مؤشراً إلى التعافي الحقيقي، بل يظل خطوة محدودة في مسار طويل لاستعادة العافية الاقتصادية. ودعا البرير إلى وضع خطة وطنية شاملة لإعادة الإعمار، تعيد للصناعة مكانتها كقاطرة للنمو الاقتصادي وركيزة لتشغيل الشباب وتعزيز الإنتاج المحلي بما يضمن بناء قاعدة صناعية متماسكة ومستدامة.
أزمة الدواء
قال "المجلس الوطني للأدوية والسموم" في تقرير نشر منتصف عام 2024 إن الحرب المستمرة في السودان أدت إلى شلل شبه تام في قطاع الصناعات الدوائية، الذي كان يمثل أحد الأعمدة الحيوية للاكتفاء الذاتي في البلاد، مشيراً إلى أن "نحو 80 في المئة من المصانع الدوائية المحلية خرجت عن الخدمة بسبب الدمار وانقطاع الإمدادات ونزوح الكوادر الفنية المؤهلة"، وأفاد الصندوق القومي للإمدادات الطبية بأن الحرب تسببت في انهيار منظومة التوزيع الدوائي الوطنية، وتراجع المخزون الاستراتيجي من الأدوية الأساسية إلى أقل من 20 في المئة من مستواه الطبيعي قبل اندلاع الصراع.
ووفقاً لـ"المركز الوطني لمعلومات التكنولوجيا الحيوية" فإن تأثير الحرب في قطاع الأدوية لا يقتصر على توقف الإنتاج المحلي فحسب، بل يمتد إلى انهيار سلاسل التوريد الإقليمية، وانقطاع واردات المواد الخام والمكونات الفعالة، وتدهور قدرات التخزين والنقل، مما جعل الحصول على الدواء في السودان "أزمة إنسانية صامتة"، وأشار المركز إلى أن أكثر المتضررين هم مرضى الأمراض المزمنة، مثل السكري وارتفاع الضغط وأمراض الكلى، الذين يعتمدون على توافر الأدوية الجنيسة المنتجة محلياً بأسعار منخفضة. وأضاف المركز أن شركات أدوية عدة عاملة في السودان أظهرت توقفاً شبه كامل لعمليات التصنيع المحلي، وتحول بعض المصانع موقتاً إلى استيراد الأدوية من الخارج، على رغم صعوبة النقل وارتفاع كلفة الشحن. وتابع أن "خسائر القطاع تجاوزت 350 مليون دولار خلال عام واحد، نتيجة تدمير المصانع وتجميد الاستثمارات وفقدان القدرة التشغيلية في معظم الولايات".
كما أفاد الصيدلي أحمد كرار بأن الصيدليات التجارية والمستشفيات الخاصة تواجه أزمة حادة في التزويد، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الأدوية بنسبة تجاوزت 200 في المئة في بعض المناطق، مع انتشار الأدوية المهربة والمزيفة في الأسواق نتيجة غياب الرقابة. وأوضح أن "كثيراً من الصيادلة أجبروا على إغلاق صيدلياتهم بسبب انقطاع الإمدادات وفقدان مصادر الدخل، وهو ما انعكس سلباً على خدمات الرعاية الأولية".
وأكد "الصندوق القومي للإمدادات الطبية" أن الحرب لم تدمر مصانع الأدوية فحسب، بل عطلت بنية النظام الصحي برمته، فغياب التصنيع المحلي لا يمكن تعويضه سريعاً بالواردات، خصوصاً في ظل انهيار العملة وشح التمويل، وأفاد بأن "إعادة بناء قطاع الأدوية في السودان ستكون مهمة طويلة الأمد تتطلب دعماً دولياً واسعاً، إذ إن قضية الدواء اليوم أصبحت رمزاً لفقدان مقومات الحياة الأساسية في بلد أنهكته الحرب".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
خسائر النفط
تشير بيانات وزارة الطاقة والنفط السودانية في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2023 إلى أن الحرب تسببت في توقف ما لا يقل عن 70 في المئة من إنتاج النفط، بعد خروج الحقول الرئيسة في غرب كردفان والنيل الأبيض عن الخدمة نتيجة القتال المباشر وانقطاع خطوط الإمداد، كذلك تضررت البنية التحتية الحيوية لصناعة النفط، بما في ذلك خط الأنابيب الممتد من حقول هجليج والوحدة إلى ميناء بشائر على البحر الأحمر، والذي يعمل بأقل من نصف طاقته التشغيلية. وأكد مسؤول سابق في شركة "النيل الكبرى" للبترول أن أعمال الصيانة الدورية توقفت بالكامل، وغادر عدد كبير من المهندسين والفنيين مواقعهم لأسباب أمنية، مما أدى إلى تآكل القدرات الفنية وتراجع الإنتاج الفعلي إلى نحو 50 ألف برميل يومياً مقارنة بأكثر من 70 ألفاً قبل الحرب، وهو أدنى مستوى منذ أكثر من عقد.
ووفق تقرير البنك الدولي في مارس (آذار) عام 2024 تجاوزت خسائر صناعة النفط السودانية حاجز 4 مليارات دولار خلال عام واحد، نتيجة الأضرار المباشرة بالبنية التحتية وتوقف الصادرات، مما فاقم أزمة النقد الأجنبي وأجبر الحكومة على الاعتماد المفرط على عائدات الذهب غير الرسمية لتغطية نفقاتها العسكرية، كذلك تضررت مصفاة الجيلي شمال الخرطوم، وهي الأكبر في البلاد، جراء القصف والنهب، مما أدى إلى نقص حاد في المشتقات البترولية وارتفاع أسعار الوقود بأكثر من 300 في المئة في بعض المناطق.
ويرى متخصصو الطاقة أن أزمة صناعة النفط لا تعود فقط إلى الحرب، بل إلى أعوام من سوء الإدارة وغياب التخطيط الاستراتيجي وضعف الاستثمارات في التكنولوجيا والبنية التحتية. وأكد المتخصص في الشأن الاقتصادي بـ"الجامعات السودانية" عادل بشير أن "صناعة النفط السودانية تواجه معضلة مزدوجة، انهياراً داخلياً في البنية التشغيلية، وتراجع الثقة الخارجية في قدرة السودان على الوفاء بعقوده التصديرية"، وأضاف بشير "أصبحت صناعة النفط في السودان مرآة تعكس عمق الأزمة الوطنية، بعدما كانت رمزاً للسيادة الاقتصادية والتنمية، لتغدو اليوم إحدى أبرز ضحايا الحرب، وأشدها دلالة على تفكك مؤسسات الدولة وانهيار مقومات الإنتاج الوطني".
عملية معقدة
على رغم أن البنية الصناعية تعرضت لتدمير شبه كامل، فإن هناك شروطاً لا بد من تحققها حتى يستعيد القطاع الصناعي عافيته. وقال الباحث الاقتصادي محمد كرم الدين "ستكون استعادة القطاع الصناعي عملية طويلة ومعقدة، إذ يتطلب التعافي الكامل استقراراً أمنياً وهيكلياً يتيح إعادة تأهيل المصانع وعودة رؤوس الأموال، ويبقى السلام الركيزة الأساسية لأي تعافٍ صناعي ممكن، فمن دون وقف شامل لإطلاق النار وضمان الأمن في مناطق الإنتاج سيظل أي حديث عن إعادة الإعمار محض أمني، فالحرب المستمرة لا تدمر المصانع فحسب، بل تقتلع شبكات الإمداد وتضعف الطاقة الكهربائية وتشتت القوى العاملة الماهرة، مما يجعل استمرار الصراع بمثابة استنزاف دائم لرأس المال الوطني"، وأضاف كرم الدين "تفرض الضرورة إجراءات إنقاذ عاجلة للحفاظ على سبل العيش الصناعية والزراعية، مما يعني دعم الزراعة في المناطق المستقرة نسبياً لضمان إمدادات الغذاء واستعادة الخدمات الأساسية مثل النقل والتجارة لتسهيل تدفق المواد الخام وحماية الفئات الأكثر هشاشة، لا سيما النساء في الأرياف والعاملين في القطاع غير الرسمي، كذلك يجب توفير تمويلات صغيرة لإعادة تشغيل الورش والمصانع المتضررة جزئياً، بما يضمن بقاء عجلة الإنتاج في حدها الأدنى"، وأوضح أن "التخطيط المسبق لمرحلة ما بعد الحرب يتطلب استعداداً استراتيجياً يبدأ، بمساعدة المجتمع الدولي من بنوك التنمية إلى المانحين، في تمهيد الطريق لإعادة بناء القاعدة الصناعية من خلال الاستثمار في البنية التحتية واستعادة مؤسسات الدولة التنظيمية وإعادة دمج النازحين في الدورة الإنتاجية، فإعادة تشغيل مصانع النسيج ومجمعات الزيوت ومصافي النفط في بورتسودان والأبيض ستشكل النواة الأولى لاقتصاد متجدد"، وأكد الباحث الاقتصادي أن "غياب الاستقرار الأمني وتآكل رأس المال الصناعي وهجرة الكفاءات وتراجع الاستثمار الأجنبي كلها عوامل تجعل من إعادة بناء القطاع الصناعي تحدياً كبيراً، تتوقف عليه قدرة السودان على استعادة توازنه الاقتصادي والسيادي في مرحلة ما بعد الحرب".