Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سجن إسرائيلي جديد لعمال "لقمة العيش" الفلسطينيين

سيعرفون للمرة الأولى كمعتقلين أمنيين لا "جنائيين" كما كان متبعاً سابقاً

أوقفت إسرائيل العمالة الفلسطينية بشكل شبه كامل ما شكل معضلة أمنية وسياسية واقتصادية للطرفين (اندبندنت عربية)

 

ملخص

أعطى بن غفير الضوء الأخضر لإنشاء سجن خاص وفريد من نوعه في إسرائيل، مخصص لاحتجاز العمال الفلسطينيين الذين يمكثون في إسرائيل من دون تصاريح.

في صبيحة كل يوم وقبل توجهه للعمل يودع أيسر حمد (35 سنة) أمه وأسرته وكأنه ذاهب في رحلة بلا عودة، فبعدما منعته السلطات الإسرائيلية من الوصول إلى عمله في القدس حيث كان قبل السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023 وتقطعت به السبل، بدأ يخاطر بحياته من أجل الوصول إليه، فعملية تسلق جدار الضم والتوسع البالغ ارتفاعه ثمانية أمتار عبر السلالم والقفز عنه باستخدام الحبال محفوفة بالأخطار، ففي حال انقطاعه قد يتعرض العامل لسقطة مميتة أو الإصابة بكسور صعبة وعاهات دائمة، وإذا نجح  في الوصول إلى الجهة الأخرى داخل الجدار، فسيواجه إما خطر الموت والإصابة برصاص الجيش أو الضرب المبرح والاعتقال في أقل تقدير.

وكان آخر ضحايا هذه الطريق سند حنتولي (25 سنة) الذي قتل برصاص الجيش الإسرائيلي في منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي في بلدة الرام شمال مدينة القدس، أثناء محاولته تسلق الجدار للوصول إلى عمله.

ومنذ اندلاع الحرب، أوقفت إسرائيل العمالة الفلسطينية بصورة شبه كاملة، مما شكل معضلة أمنية وسياسية واقتصادية لكل من الفلسطينيين والإسرائيليين. فعشية السابع من أكتوبر كان يعمل في الاقتصاد الإسرائيلي نحو 200 ألف عامل فلسطيني، يشكلون 22 في المئة من القوى العاملة في الضفة الغربية وحدها، ويسهمون في قرابة ربع الناتج القومي الإجمالي في الضفة الغربية، في حين ذكرت الإدارة المدنية التي تدير الشؤون المدنية في الضفة أن 90 في المئة من الفلسطينيين العاملين في إسرائيل قبل الحرب كانوا يعملون في قطاع البناء. وأظهرت البيانات التي قدمتها وزارة المالية الإسرائيلية عام 2024 أن الفلسطينيين شكلوا 29 في المئة من القوى العاملة ضمن قطاع البناء في إسرائيل قبل هذا التاريخ.

وعلى رغم أن ظاهرة تسلل العمال الفلسطينيين عبر ثغرات الجدار الأمني الفاصل بين أراضي عامي 1948 و1967 الذي يمر عبر أراضٍ مأهولة وزراعية، وما تحملها من أخطار كانت موجودة قبل الحرب، فإن عدد حالات الدخول بصورة غير قانونية بحثاً عن عمل ارتفع على نحو كبير خلال الأشهر الأخيرة.

 

وتقدر السلطات الإسرائيلية بأنه منذ تقليص التصاريح بعد اندلاع حرب غزة، يتسلل نحو 40 ألف فلسطيني شهرياً إلى إسرائيل. وشرعت الأخيرة في يونيو (حزيران) عام 2002 ببناء جدار أسمنتي على أراضي الضفة الغربية لمنع الفلسطينيين من التنقل، وهي خطوة دانتها الأمم المتحدة والسلطة الفلسطينية، فيما أصدرت محكمة العدل الدولية عام 2004 قراراً استشارياً يقضي بعدم شرعيته.

سجن جديد

وفيما تواصل الشرطة الإسرائيلية ملاحقة العمال الفلسطينيين بحجة "الإقامة من دون تصاريح"، فضلاً عن ملاحقة مشغليهم في الداخل، أعطى وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير الضوء الأخضر لإنشاء سجن خاص وفريد من نوعه في إسرائيل مخصص لاحتجاز العمال الفلسطينيين الذين يمكثون في إسرائيل من دون تصاريح أو ما يعرف أيضاً بـ"المهاجرين غير الشرعيين" الذين سيعرفون للمرة الأولى كمعتقلين أمنيين، لا "جنائيين" كما كان متبعاً سابقاً.

وأشارت مصلحة السجون الإسرائيلية إلى أن نحو 2500 شخص غالبيتهم العظمى من الفلسطينيين من الضفة الغربية يقبعون حالياً في السجون تحت تصنيف "مجرمين"، مع توقعات بارتفاع العدد بصورة كبيرة نتيجة السياسة الجديدة التي تفرض عقوبات أشد منذ المخالفة الأولى.

ووفقاً للخطة التي عرضها مفوض مصلحة السجون كوبي يعقوبي، فقد بدأ بالفعل العمل على تجهيز المقر الرئيس للسجن الجديد، ومن المقرر تشغيله قريباً، إذ أوضح ممثلون عن مصلحة السجون ووزارة الأمن القومي خلال نقاش في الكنيست عقد أخيراً، أن الخطة تشمل إضافة 3500 مكان سجن جديد حتى أكتوبر عام 2026، فضلاً عن دراسة إنشاء سجن آخر في منطقة سوريك وسط إسرائيل، بينما يتواصل الضغط لتشديد الرقابة والإجراءات على الحدود المصرية.

 

وبحسب ما أفادت به صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، جرى التسريع في إخراج خطة إقامة السجن الخاص بالفلسطينيين الذين يتسللون للعمل بصورة غير قانونية من دون تصاريح إلى حيز التنفيذ، بعد العلمية المسلحة التي وقعت في القدس قبل أسابيع ونفذها اثنان ممن دخلوا الأراضي الإسرائيلية بطرق غير قانونية، وأسفرت عن مقتل ستة إسرائيليين.

وتكشف بيانات رسمية عن أن الشرطة الإسرائيلية فحصت منذ بداية العام الحالي أكثر من 665 ألف مركبة، مما أسفر عن توقيف 542 فلسطينياً من دون تصاريح، فيما أطلقت النار على 107 وصفتهم بـ"مهاجرين غير شرعيين" خلال محاولاتهم التسلل عبر الحدود ومناطق الجدار الفاصل.

وأعلن الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين أن الجيش الإسرائيلي قتل تسعة عمال منذ مطلع العام الحالي، فيما بلغ إجمالي القتلى 38 عاملاً منذ بدء حرب عام 2023. وأكد بيان للاتحاد أن الجيش "تسبب في مقتلهم سواء بإطلاق النار عليهم أو خلال فترة اعتقالهم، أو عند الجدار أثناء ذهابهم إلى أماكن عملهم وعودتهم منها، أو باقتحام ورش العمل التي يعملون بها".

ووفق المعطيات الرسمية يوجد في الضفة الغربية زهاء 507 آلاف عامل عاطلون من العمل، فيما سجلت 12 ألف حالة اعتقال بين العمال خلال الملاحقات المستمرة لهم أثناء محاولتهم الذهاب إلى العمل أو خلال عودتهم.

ضعف الاقتصاد

ووفقاً لنقابة العمال الفلسطينيين، فإن الظروف القاسية التي تمر بها الضفة الغربية وصعوبة استيعاب العمال في السوق المحلية، كانت السبب الرئيس الذي دفع كثراً من الفلسطينيين إلى المخاطرة ودخول إسرائيل بصورة غير قانونية بحثاً عن عمل في ظروف قاسية، وهم عادة ما يعملون على نحو سري، ويفتقرون إلى الحماية القانونية والتنظيمية الممنوحة لمن يدخلون بطرق قانونية.

وتقول صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" إن 11 في المئة فقط من العمال ممن كانوا يعملون داخل إسرائيل قبل السابع من أكتوبر سمح لهم بالعودة، وهناك نحو 7 آلاف فلسطيني فقط يدخلون شهرياً، وجميعهم مصنفون كعمال أساسيين ضمن قطاعات مثل الضيافة أو تصنيع الأغذية، فيما يعمل 9 آلاف آخرون في المستوطنات أو المناطق الصناعية القريبة.

 

وتشير أرقام الاتحاد إلى خسارة شهرية تقدر بنحو مليار و250 مليون شيكل شهرياً (350 مليون دولار) نتيجة عدم تمكن العمال من العودة لأعمالهم في إسرائيل. وأفاد تقرير لمنظمة العمل الدولية نشر في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024 بفقدان أكثر من نصف مليون وظيفة في فلسطين بعد الحرب على غزة، نحو 200 ألف منها في القطاع وقرابة 300 ألف في الضفة الغربية، مما تسبب في خسائر يومية بلغت 21.7 مليون دولار.

وأشارت نتائج مسح القوى العاملة في الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن معدل البطالة في الضفة الغربية ارتفع إلى 31 في المئة عام 2024، مقارنة بـ18 في المئة خلال عام 2023، مع ارتفاع عدد العاطلين من العمل إلى 313 ألفاً، بعدما كان نحو 183 ألفاً عام 2024.

وأدى هذا الإيقاف إلى مزيد من التدهور في الوضع الاقتصادي بالضفة غير المستقر من الأساس وشل الحياة الاقتصادية. وكشف البنك الدولي عن أن نسب الفقر بالضفة الغربية ارتفعت من 12 إلى 28 في المئة خلال عام 2024، وسط توقعات تشاؤمية بمواصلة الصعود خلال العام الحالي.

 

 

ويؤكد رئيس اتحاد نقابات العمال الفلسطينيين شاهر سعد أن المشغلين الإسرائيليين لم يلتزموا أياً من الاتفاقات المتعلقة بتعويض العمال المتضررين، مما نجم عن ترك عشرات آلاف العائلات الفلسطينية من دون مصدر دخل أو مدخرات، وتسبب في أزمة اقتصادية واجتماعية خطرة.

معضلة أمنية

وتشير تقديرات إسرائيلية إلى أن استمرار إيقاف دخول العمال الفلسطينيين من شأنه زيادة "الضغط" وحال "عدم الاستقرار الأمني" في الضفة الغربية. وبحسب تقرير صادر عن معهد أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب، فإن السلطة الفلسطينية أصبحت معرضة لخطر الانهيار الاقتصادي، فالاقتصاد الفلسطيني الذي يعاني معدل بطالة وصل إلى نحو 40 في المئة غير قادر على أن يوفر بدائل للذين لم يتمكنوا من إيجاد بديل بمستوى الأجور نفسه الذي تقدمه لهم سوق العمل الإسرائيلية، مما خلق حالاً واسعة من الإحباط لدى العمال الذين يجلسون في بيوتهم ويسهمون بدورهم في زيادة نسبة البطالة.

ويبلغ متوسط الراتب الشهري في الضفة الغربية 1431 شيكلاً (نحو 430 دولاراً). في المقابل، يبلغ الحد الأدنى للأجور في إسرائيل الذي ينطبق على العمال الفلسطينيين القانونيين أكثر من أربعة أضعاف، إذ يصل إلى 6247 شيكلاً (1890 دولاراً). كما يمكن لعمال البناء الفلسطينيين المهرة كسب 8000 شيكل (نحو 2380 دولاراً) أو أكثر شهرياً.

وبحسب التقرير، أسهم العمال الفلسطينيون في إسرائيل والمستوطنات عام 2022 وحده في حصول الاقتصاد الفلسطيني على أكثر من 4 مليارات دولار. ويرى رئيس منظمة "معاً" الإسرائيلية - الفلسطينية لحقوق العمال أساف أديف الذي يمثل العمال الفلسطينيين العاملين لدى إسرائيليين في كل من إسرائيل والضفة الغربية أن "هناك معاناة شديدة، ليس فقط بسبب فقدان الدخل، بل أيضاً بسبب الأثر النفسي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي وقت يدعو الجيش والإدارة المدنية وأجزاء من القطاع الخاص ووزارة الداخلية الإسرائيلية إلى إعادة إدخال العمال الفلسطينيين تدريجاً لأسباب أمنية واقتصادية، يطالب آخرون بإنهاء قضية العمالة الفلسطينية كلياً باعتبارها إحدى الخواصر الضعيفة التي منها قد ينبع تهديد أمني في المستقبل بسبب الاحتكاك الذي تخلقه بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

خسائر كبيرة

بين هذا وذاك، ناشد أصحاب العمل الإسرائيليون في الضفة الغربية الجيش إعادة بعض العمال لوظائفهم، ووافق الجيش الإسرائيلي في بعض الحالات مع فرض شروط أمنية مثل تقييد نوبات العمل الليلية وإلزام العمال الابتعاد من المناطق السكنية. ووفقاً للأرقام الصادرة عن وزارة المالية الإسرائيلية، أدى غياب العمال الفلسطينيين عن قطاع البناء إلى انخفاض متوقع في الإنتاج الشهري بنسبة 35 في المئة أي ما يعادل 2.4 مليار شيكل (715 مليون دولار).

وفي قطاع الزراعة، حيث كان الفلسطينيون يشكلون نحو 12 في المئة من القوى العاملة قبل الحرب، انخفض الإنتاج الشهري 19 في المئة، متسبباً بخسائر تقارب 400 مليون شيكل (119 مليون دولار)، بحسب آخر تحديثات نشرت العام الماضي.

وصرح نائب رئيس جمعية المقاولين الإسرائيليين تومر تسالياخ إلى صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" بأن قطاع البناء لا يزال يكافح للتعافي، قائلاً "لقد فقدنا 90 ألف عامل فلسطيني في قطاع البناء، وعلى مدى العامين الماضيين، وصل نحو 50 ألف عامل أجنبي، معظمهم من الهند وسريلانكا". وأردف أننا "ما زلنا نعاني نقصاً نحو 40 ألف عامل للعودة لمستويات ما قبل الحرب". وبحسب تسالياخ يكلف العامل الفلسطيني قرابة 700 شيكل (200 دولار) يومياً، بينما يكلف العامل الأجنبي نحو 1500 شيكل (455 دولاراً) يومياً.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير