ملخص
دعت حركة "جيل زد" الجمعة، إلى التظاهر لليوم السابع على التوالي في مدن عدة احتجاجاً على تردي الخدمات الصحية والتعليمية. ونشرت الحركة التي لا تعلن هوية القائمين عليها، على موقع "ديسكورد"، دعوة إلى التظاهر في 14 مدينة.
في غمرة الاحتجاجات الشبابية التي انطلقت في المغرب منذ السبت الماضي، تميزت مناطق ومدن بعينها باحتضانها تظاهرات اتسمت برفع شعارات سلمية بلا احتكاكات مع رجال الأمن، بينما شهدت مناطق أخرى أعمال عنف وتخريب، على رغم أن جميع هذه الاحتجاجات تدخل في سياق حركة "جيل زد" الشبابية المطالبة بتحسين خدمات الصحة والتعليم وتحقيق العدالة الاجتماعية وترشيد أولويات الإنفاق الحكومي.
ويعزو مراقبون اتصاف مدن ومناطق معينة بسلمية الاحتجاجات ووعي التأطير الشبابي، ومدن أو مناطق أخرى بالعنف والشغب، إلى مسألة التمرس بالاحتجاجات والتشبع بثقافة الاحتجاج في الفضاءات العمومية، مما يفسر طابع العنف الذي اتخذته الاحتجاجات في مناطق طرفية ومهمشة.
ودعت حركة "جيل زد" أمس الجمعة، إلى التظاهر لليوم السابع على التوالي في مدن عدة احتجاجاً على تردي الخدمات الصحية والتعليمية. ونشرت الحركة التي لا تعلن هوية القائمين عليها، على موقع "ديسكورد"، دعوة إلى التظاهر في 14 مدينة.
مدن ومدن
من أبرز المدن المغربية التي حافظت على سلمية الاحتجاجات طوال سبعة أيام، مدينة فاس (وسط البلاد) التي شهدت وقفات احتجاجية عديدة منضبطة في التوقيت، وفي تجمع "شباب زد" وتفرقهم، وفي رفع شعاراتهم ومطالبهم، وفي تعاطيهم مع السلطات الأمنية.
وأفادت مصادر شبابية محلية من مدينة فاس، بأن الفضل في هذه السلمية يعود إلى طرفي المعادلة الاحتجاجية، الأول الشباب أنفسهم الذين حرصوا على تنظيم صفوفهم، كما لم يتركوا نصيباً للعشوائية أو رفع شعارات غير مسؤولة قد تؤجج الأوضاع المحتقنة أصلاً".
وتابعت المصادر، أن الشباب كانوا واعين بدقة المرحلة وحساسية الظروف المحيطة، وأن الأسلم هو الهتاف بكل مسؤولية ورفع المطالب الاجتماعية التي لا يجادل في شأنها أحد، والمتمثلة في إصلاح قطاعات التعليم والصحة وضمان الكرامة للمغاربة، ومنح الأولوية لمصالح المواطنين بدل الإسراف في الإنفاق على ملاعب الكرة والبنيات الرياضية لاحتضان كأس العالم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ووفق المصادر ذاتها، فإن الطرف الثاني في المعادلة يتجسد في السلطات العمومية التي تعاملت بكثير من الاحترام والحياد مع التجمهرات الشبابية، وراقبتها عن قرب من دون أن تصدر عنها سلوكيات تسيء إلى الأشكال الاحتجاجية الشبابية.
ومن أهم المدن الأخرى التي لم تعرف الانجرار إلى أعمال العنف في احتجاجات "شباب زد"، الدار البيضاء، فعلى رغم أنها مدينة عملاقة وتعد أكبر حواضر المملكة من حيث عدد السكان، والشباب منهم، فإن جميع الوقفات التي شهدتها جنحت نحو السلمية.
الوضع نفسه ينطبق أيضاً على العاصمة الرباط، حيث عرفت الوقفات الاحتجاجية وعياً شبابياً واضحاً تميز بالتنظيم والتحكم في المشاركين وشعاراتهم على رغم التدخلات الأمنية في بداية الحراك، كما عرفت مدينة خريبكة مشاهد للعناق بين متظاهرين ورجال الأمن نالت استحسان وتشجيع كثيرين.
في المقابل عرفت مدن ومناطق توصف بالمهمشة تنموياً واجتماعياً احتجاجات عنيفة تخللتها أعمال تخريب ونهب وإضرام للنيران، مثل ما حصل في بلدة القليعة أو إنزكان، وحتى في مدينة سلا، فعلى رغم أنها تعد من المدن الكبرى لم تحظَ بالنصيب ذاته من التنمية واهتمام المسؤولين المحليين مثلما عرفت جارتها المحاذية لها، الرباط.
ثقافة الاحتجاج
في هذا الصدد يعزو المحلل محمد شقير، هذا التباين الجغرافي في الاحتجاجات السلمية والعنيفة إلى كون التمرس بالاحتجاجات، والتشبع بثقافة الاحتجاج في الفضاءات العمومية من شوارع وغيرها، تلعب دوراً أساساً في طابع العنف الذي اتخذته التظاهرات في مناطق طرفية مثل القليعة.
ويشرح شقير "هذه الحاضنة التي لم تتحول إلى مدينة، وطبيعة الساكنة الهجينة التي تعيش فيها، حولت الاحتجاجات، التي هي في الأصل سلمية، إلى عمليات تخريب للمؤسسات العمومية ومواجهة مع رجال الأمن، فالمطالبة بالحقوق في نظر هؤلاء المحتجين لا يمكن أن تكون إلا من خلال العنف المتمثل في التخريب والرشق بالحجارة، مثل ما حصل في انتفاضات سابقة بالدار البيضاء أو فاس في عقود ماضية.
واسترسل المتحدث أن مشاركة القاصرين في هذه الاحتجاجات غالباً ما يؤدي إلى استخدام العنف، بخاصة إذا كان هؤلاء القاصرون بمستويات تعليمية متدنية ومن دون عمل، حيث يجدون في هذه الاحتجاجات التي قد لا يستوعبون مراميها وأهدافها فرصة للتنفيس عن روح التمرد التي تعتمل في صدورهم، والتعبير عن الغضب من مظاهر الحرمان التي يعانون منها.
ويمضي شقير بالقول إن ما يزيد من احتقان الوضع هو تناول بعض هؤلاء القاصرين للمخدرات، التي تزيد من قوة الاندفاع للتعبير عن ذواتهم ووجودهم داخل المجتمع"، متابعاً أن "إحراق بنوك لا يتعاملون معها ولا يأملون الاستفادة من خدماتها، وإضرام النار في سيارات الشرطة، أو حتى سيارات الخواص، أعمال جنائية تدخل في هذا السياق.
ولفت إلى أن "كل هذه المظاهر عادة ما تنخفض أو تقل حدة في تظاهرات مدن كالدار البيضاء أو فاس ومراكش وغيرها، باعتبار أن هذه المدن قد تمرست على هذا النوع من التظاهرات الملتهبة، وعادة ما تكون مؤطرة بفئات متعلمة ومثقفة ومتجذرة في مدنها، حيث لا تقبل تخريب ممتلكاتها أو مقارها العمومية".
كعكة التنمية
من جهته يعلق الباحث في الاقتصاد الاجتماعي محمد مجدولين، على علاقة الجغرافيا ومستوى التنمية الاقتصادية بطبيعة الاحتجاجات الشبابية وميلها نحو السلمية أو العنف، بالقول إن "للمنطقة الجغرافية دور حاسم في ترجيح كفة السلمية أو العنف على الأخرى، لا سيما أن الأمر يتعلق بشباب معظمهم من مواليد الألفية الثالثة".
ولاحظ الباحث أن معظم "جيل زد" كانوا أطفالاً عندما اندلعت احتجاجات حركة 20 فبراير (شباط) التي تساوقت مع رياح "الربيع العربي" عام 2011، ومن ثم لا يذكرون ملامح تلك المرحلة، وهذا يعني أن هذه الأحداث أول مشاهد احتجاجية يشاركون فيها بكل العنفوان الشابي بما له وما عليه.
وأكمل مجدولين "يشعر الشاب المتحدر من منطقة مهمشة اجتماعياً، ولا تستفيد من التنمية الاقتصادية كما يجب، ولا تضم مصانع أو معامل تشغل العاطلين من العمل، بأنه مقصي اجتماعياً ونفسياً، فيجد مثل هذه الاحتجاجات فرصة للتعبير عن الغضب بالعنف ومواجهة رجال الأمن".
واستطرد أن "الاحتجاجات العنيفة كانت في معظمها بمناطق هامشية من قبيل القليعة، أو ارتكبها قاصرون أتوا من أحياء فقيرة مثل ما حصل في سلا"، مبرزاً أنها شريحة اجتماعية تحس بأنها لم تأكل من كعكة التنمية مثل شباب مدن الرباط والدار البيضاء وغيرهما.
ويرى مجدولين أن هذه الاحتجاجات الشبابية، سلمية كانت أو عنيفة، هي مناسبة لإعادة ترتيب الأوراق من طرف جميع المتدخلين، حكومة وأحزاباً ونقابات ومؤسسات عمومية وشركات، من أجل العناية أكثر بعنصر الشباب، وإيصال التنمية إلى المناطق المحرومة، حتى لا تشعر بالحيف والإقصاء، وفق تعبيره.