ملخص
في ظل حديث الهيئة العليا للانتخابات عن مساعٍ إلى سحب الثقة من نواب في البرلمان وأعضاء آخرين في المجالس المحلية والجهوية من المرتقب أن يتضح في المرحلة المقبلة مدى فاعلية هذه الآلية التي أقرتها تونس في وقت سابق.
شرعت تونس في تجربة آلية "سحب الوكالة" من المسؤولين المحليين المنتخبين للمرة الأولى في تاريخ البلاد، وذلك في خطوة أثارت ضجة داخل الأوساط السياسية حول دلالات هذه الآلية وتأثيرها المحتمل على استقرار المجالس المحلية والبرلمان.
وشهدت منطقة الشربان من ولاية (محافظة) المهدية اقتراعاً لسحب الوكالة من أحد أعضاء المجلس الجهوي، لكن هذا التصويت أفضى إلى تثبيته في منصبه. وشهد التصويت إقبالاً ضعيفاً بحسب منظمات غير حكومية إذ لم تتجاوز 29 في المئة من المعنيين بالتصويت. وقال رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات إن "آلية سحب الوكالة تتيح للناخب مساءلة ومحاسبة نائبه طوال الفترة التي يتولى فيها منصبه"، كاشفاً عن "وجود محاولة جدية لسحب الوكالة من نائب في البرلمان" من دون أن يكشف عن هويته.
آلية ديمقراطية
منذ إقرار آلية "سحب الوكالة" من النواب وأعضاء المجالس المحلية والبلدية المنتخبة في دستور عام 2022 وفي القانون الانتخابي يسود جدل لا يكاد ينتهي حول الجدوى من هذه الآلية، خصوصاً في ظل مخاوف أعربت عنها أوساط سياسية من أن تتحول هذه الآلية إلى ما يشبه "السيف" المسلط على رقاب النواب وهؤلاء المسؤولين، مما قد يتسبب في إرباك عملهم.
واعتبر الباحث السياسي التونسي المنذر ثابت أن "مسألة سحب الوكالة هي أحد أركان الديمقراطية، كما صيغت في شكلها التمثيلي بالعقد الاجتماعي، ومن حيث الجانب النظري هذه الآلية مشروعة بما أن الناخب من حقه أن يراقب ويحاسب النائب أو المفوض أو المسؤول المحلي". وتابع ثابت "في اعتقادي التوظيف السياسي لآلية سحب الوكالة يبقى رهن الظرف الذي يتم فيه التصويت على هذه الآلية، وأيضاً الغالبية التي تشكل الجسد الانتخابي، والجزء النشيط من هذا الجسد هو الذي يحدد الموقف من النائب ويدعم عملية سحب الثقة منه أو يمتنع عن ذلك، ويتأثر هذا الجزء، بكل تأكيد، بالاتجاه العام للأحداث". وشدد الباحث السياسي التونسي على أنه "ليس في إمكاننا القول إن كل عمليات سحب الثقة من نواب أو مسؤولين محليين ستنجح، إذ إن هناك تفاعلات لن تكون بالضرورة لمصلحة السلطة، خصوصاً على المستوى المحلي، لكن الآلية في حد ذاتها ديمقراطية من حيث إن الناخب يمكنه أن يحاسب ويراقب".
عدم استقرار هيكلي
يُمكِّن القانون الانتخابي في تونس الناخبين من سحب الوكالة من النائب في دائرته الانتخابية، وذلك "في حال إخلاله بواجب النزاهة، أو تقصيره البين في القيام بواجباته النيابية، أو عدم بذله العناية المطلوبة لتحقيق البرنامج الذي تقدم به عند الترشح". ووضع القانون شرطاً يتمثل في "تقديم عريضة سحب الوكالة معللة وموقعة من قبل 10 الناخبين المسجلين بالدائرة الانتخابية التي ترشح بها النائب المعني، إلى الإدارة الفرعية للانتخابات المتخصصة، كما لا يمكن تقديم عريضة سحب الوكالة من النائب إلا مرة واحدة طوال المدة النيابية (5 سنوات)".
وفي الوقت الذي تشهد فيه البلاد انسداداً سياسياً بين السلطة والمعارضة، تثير آلية "سحب الوكالة" مخاوف جدية من أن تقود إلى حال من عدم الاستقرار في المجالس الجهوية والمحلية، وأيضاً البرلمان من خلال إطاحة النواب.
وعد الباحث السياسي التونسي هشام الحاجي أن "من المهم قبل الحديث عن استقرار المجالس المحلية التساؤل عن جدوى ھذه المجالس نفسها التي لم تضف شيئاً للنظام السياسي التونسي من الناحية الھيكلية". وتابع الحاجي في تصريح خاص "حين نضيف آلية الرئاسة الدورية المعتمدة في إدارة هذه المجالس ندرك أنها تشكو من عدم استقرار هيكلي لا يمكن لآلية سحب الوكالة إلا أن تعمقه". وأبرز الباحث السياسي التونسي أنه "يمكن لآلية سحب الوكالة أن تكون أداة محاسبة، لكن يمكن أيضاً توظيفھا في تصفية الحسابات أو في الإيھام بوجود حركية سياسية من خلال تكرار اللجوء لهذه الآلية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مخاوف مشروعة
تثير محاولات سحب الوكالة من أعضاء المجالس المحلية والجهوية والبرلمان في تونس هواجس من أن تهز استقرار المجالس المنتخبة، خصوصاً في ظل المناخ السياسي الذي تعرفه البلاد، والذي يتسم بتوتر بين الرئيس قيس سعيد ومعارضيه.
وعد المنذر ثابت أن "استقرار المجالس مرهون بوضع هذه المجالس في علاقة بصلاحياتها وإمكاناتها وتركيبتها، والوضع في تونس وعلى المستوى المحلي.
في المقابل لفت الحاجي إلى أن "المخاوف من هذه الآلية من أن تتحول إلى أداة لتصفية الخصوم السياسيين، سواء على مستوى محلي وجهوي أو وطني، وأيضاً من أن تتسبب في نوع من عدم الاستقرار للمجالس المحلية والجهوية ومجلس النواب".
وفي ظل حديث الهيئة العليا للانتخابات عن مساعٍ إلى سحب الثقة من نواب في البرلمان وأعضاء آخرين في المجالس المحلية والجهوية، من المرتقب أن يتضح في المرحلة المقبلة مدى فاعلية هذه الآلية التي أقرتها تونس في وقت سابق.