ملخص
ذكرت صحيفة "يسرائيل هيوم" الإسرائيلية مطلع سبتمبر (أيلول) الجاري أن نتنياهو وجه بعدم المضي في اتفاقية الغاز مع مصر، التي قدرت بنحو 35 مليار دولار وتمتد حتى عام 2040، من دون موافقته الشخصية، لافتة إلى أنه يبحث مع وزير الطاقة الإسرائيلي ما إذا كان ينبغي المضي في الاتفاق، وكيفية القيام بذلك قبل أن يتخذ قراراً نهائياً في هذا الشأن.
خلال السنوات الأخيرة كثفت إسرائيل جهودها لتسويق نفسها أمام العالم على أنها الرائدة في مجال الطاقة والغاز الطبيعي، وكيف لا وهي تحتل حالياً المرتبة الثانية بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) من حيث احتياطيات الغاز الطبيعي للفرد بعد النرويج، إذ يبلغ بحسب معطيات وزارة الطاقة الإسرائيلية حالياً قرابة 1000 مليار متر مكعب، تتوزع في كل من خزانات "كاريش" و"تمار" و"ليفياثان" شرق البحر الأبيض المتوسط.
غير أن أوساطاً اقتصادية وخبراء في مجال الطاقة إسرائيليين يحذرون خلال الآونة الأخيرة بكثافة من خطورة نفاد احتياطات الغاز الطبيعي في إسرائيل خلال عقدين، بل إن بعض الأصوات خرجت لتطالب الحكومة الإسرائيلية بضرورة إعادة النظر في الاتفاقيات الموقعة مع كل من مصر والأردن، اللتين تعتمدان كثيراً على إسرائيل في مصادر الطاقة، بزعم أن قطاع الكهرباء في إسرائيل على حافة أزمة وشيكة قد تتجلى نتائجها في عدم تلبية الطلب الكامل على الكهرباء خلال السنوات المقبلة، مما سيُلحق ضرراً كبيراً بالاقتصاد الإسرائيلي، وقد يشكل تهديداً حقيقياً على الأمن القومي والاستقرار الداخلي، خصوصاً مع ازدياد عدد السكان في إسرائيل وارتفاع الطلب على الكهرباء، ناهيك عن تعرض بنيتها التحتية للطاقة دائماً للتهديد، تارة بإغلاق ميناء إيلات جنوباً بسبب هجمات الحوثيين، وأخرى بتعطيل موانئ البحر المتوسط بسبب صواريخ "حماس" من غزة.
ووفقاً لتقرير وزارة الطاقة، فقد سجلت إسرائيل عام 2024 رقماً قياسياً في إيرادات الموارد الطبيعية، ومنها الغاز، بقيمة 2.37 مليار شيكل (710 ملايين دولار)، 60 في المئة منها من حقلي "تمار" و"ليفياثان" للغاز، بزيادة قدرها 8.2 في المئة عن عام 2023، الذي شهد إيرادات إجمالية بلغت 2.2 مليار شيكل، وبحسب تقديرات رسمية ستشهد إسرائيل خلال عام 2025 إيرادات ستصل إلى 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار)، وسط ترجيحات بزيادتها إلى نحو 10 مليارات شيكل (3 مليارات دولار) سنوياً خلال السنوات المقبلة. ومنذ بدء إنتاج الغاز الطبيعي في إسرائيل عام 2013، بلغت إيراداتها منه 30 مليار شيكل (نحو 10 مليارات دولار). ويخصص "ليفياثان" الغاز بشكل رئيسي للتصدير، فيما يعتبر "تمار" المورد الرئيسي للغاز لشركة الكهرباء الإسرائيلية، أما "كاريش" فيبيع الغاز في الأوقات العادية للسوق المحلية فقط.
أزمة وشيكة
عندما بدأت إسرائيل ضخ الغاز إلى مصر والأردن عبر اتفاقيات بعيدة المدى، رأت أن ذلك يفتح الباب أمامها لاتفاقيات غاز جديدة في المنطقة، فضلاً عن المردود الاقتصادي الكبير لهذه العملية، بل واعتبرت وزارة الطاقة الإسرائيلية برئاسة إيلي كوهين أن هذه الاتفاقيات وما يطرأ عليها من تعديلات تطور نوعي مهم للتأثير وحضور إسرائيل كدولة إقليمية، خصوصاً بعد أن أصبح الغاز الطبيعي يؤدي دوراً مركزياً في السياسة الخارجية الإسرائيلية، وفي التصورات الجيو استراتيجية الإسرائيلية حول مكانة إسرائيل في المنطقة وفي حوض البحر المتوسط. إذ يستورد الأردن الغاز من إسرائيل بموجب اتفاقية أبرمت بين الطرفين عام 2016 وبدأ العمل بها عام 2020 لمدة 15 سنة، وتشترط إسرائيل فيها شراء كامل الكمية المتعاقد عليها والبالغة 45 مليار متر مكعب بقيمة إجمالية تقديرية تبلغ 10 مليارات دولار. وفي أغسطس (آب) الماضي، أعلنت شركة "نيومد إنرجي"، أحد الشركاء في حقل "ليفياثان" الإسرائيلي للغاز الطبيعي، عن توقيع أكبر اتفاقية تصدير مع مصر بقيمة تصل إلى 35 مليار دولار، يتم بموجبها تزويد مصر بـ130 مليار متر مكعب من الغاز حتى عام 2040، وهي صفقة معدلة لاتفاق سابق تم التوقيع عليه عام 2019، ويقضي بتصدير 60 مليار متر مكعب بحلول عام 2030.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
على إثر ذلك حذر نائب الرئيس التنفيذي لشركة "بيرنميلر" للطاقة نير بيرنميلر، في مقال نشره موقع "ويللا" الإسرائيلي، من أن الدولة في الطريق لأن تتعرض لأزمة طاقة خطرة تُشكّل تهديداً للاقتصاد والموردين المحليين، لا سيما في ضوء الجدل الدائر والتباين الكبير في الآراء داخل الحكومة والأطراف ذات العلاقة. وأكد على كلامه رئيس معهد إسرائيل للطاقة والبيئة يوسي روزن، حين أشار في تقرير نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، إلى أن إسرائيل ستواجه صعوبة في تلبيته الطلب المتزايد على الكهرباء، ليس فقط لضعف البنية التحتية لمشاريع الطاقة، بل وأيضاً لأن مشاريع بناء محطات طاقة جديدة تواجه سياسات بيروقراطية صارمة. مؤكداً أن التحديات الأمنية والمناخية وإلحاق الضرر بالبنية التحتية جراء الحرب يزيد من الاعتماد على مصادر الطاقة الخارجية، ما سيعرّض أمن الطاقة للخطر.
وذكرت صحيفة "ذي ماركر" الاقتصادية الإسرائيلية في مقال "إن أي تراجع في إنتاج الغاز الطبيعي أو استنزاف سريع للاحتياطيات قد يدخل إسرائيل في أزمة طاقة خانقة ستؤثر في قدرتها على الصمود في مواجهة تحديات أمن الطاقة على المدى الطويل". وأشار تقرير رسمي لوزارة الطاقة إلى أن أسعار الغاز الطبيعي ستتأثر بشكل غير مباشر بسبب عناصر الربط في عقودها لشرائه، وتوقّع أن يؤدي تأثير أزمة الطاقة العالمية إلى ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي في مختلف العقود بدرجات متفاوتة، وفي أوقات متفاوتة.
تحديات جديدة
وسط التزايد السريع لاستهلاك الفرد الإسرائيلي من الكهرباء، الذي بلغ وفق الأرقام الرسمية عام 2023 نحو 6500 كيلوواط في الساعة، وهو أعلى بنسبة 65 في المئة من المتوسط الإقليمي، تعمل وزارة الطاقة والبنى التحتية على تنفيذ مشروع "100 ألف سطح شمسي"، ما سيسهم وفقاً لما جاء بموقعها الإلكتروني في "تعزيز الاستقلالية والمتانة الطاقوية لدولة إسرائيل"، كذلك سيمكّن الإسرائيليين من خلق مصادر دخل مربحة، والحد من تلوث الهواء، ومساندة الحكومة في تحقيق غاية توليد 30 في المئة من الكهرباء من الطاقات المتجددة بحلول عام 2030، لترتفع بعد ذلك بشكل حاد بحلول عام 2050، وهو الموعد الذي حددته لتحقيق هدف صافي انبعاثات صفري.
ومن المتوقع أن يسهم هذا المشروع في تحويل الطاقة الشمسية إلى جزء أساسي من ثقافة السكن في إسرائيل. وبسبب أمن الطاقة الاستراتيجي والخلاف الإسرائيلي الداخلي المتصاعد بين من يفضل المكاسب الاقتصادية الفورية، ومن يعطي الحاجة لضمان أمن الطاقة على المدى الطويل، خصوصاً وسط الحرب والأخطار البيئية، أولوية قصوى، بدأت إسرائيل خلال العام الماضي بتطبيق اللامركزية في توزيع الكهرباء لتقليل أثر تلك الأخطار، في ما بات يعرف بـ"جزر الطاقة"، التي تمثل شبكة صغيرة يمكنها عزل نفسها عن شبكة الكهرباء المركزية إذا لزم الأمر والعمل بشكل مستقل، وهي تشمل توربينات الرياح والطاقة الشمسية وقبة ضخمة لتخزين الغاز الحيوي.
لكن المشروع التجريبي لتلك الجزر، وفقاً لوزارة الطاقة الإسرائيلية، سيكتمل خلال العام أو العامين المقبلين، بالتوازي مع مراكمة مخزونات كبيرة من الديزل والفحم والمولدات. وإلى جانب ذلك طورت شركة إسرائيلية للتكنولوجيا النظيفة ورائدة في مجال تخزين الحرارة في إسرائيل والعالم، تقنيات فعالة واقتصادية لتخزين الطاقة الحرارية باستخدام الصخور المسحوقة كمواد تخزين. وبحسب خبراء في مجال تخزين الطاقة، يحصل النظام على الطاقة من مصادر مختلفة ويحولها إلى طاقة حرارية يتم توفيرها لتجنب الكلف المرتفعة لاستخدام الكهرباء والغاز والوقود وزيادة كفاءة الطاقة.
وافتتحت الحكومة الإسرائيلية عام 2023 في ديمونا جنوب إسرائيل أول مصنع من نوعه في العالم للإنتاج التجاري لمرافق تخزين الحرارة الرائدة. وقال البنك الدولي في 2022 إن شبكات الطاقة الشمسية الصغيرة يمكن أن تساعد نصف مليار نسمة في الحصول على الطاقة بحلول 2030، لكنه أضاف أن مزيداً من الإجراءات يجب أن تتخذ لتحديد الفرص وخفض الكلف والتغلب على العوائق التي تواجه التمويل.
حلول موقتة
وعلى رغم نمو قطاع الطاقة المتجددة في إسرائيل، وبخاصة الشمسية، وبلوغ القدرة الكهربائية المُركبة 23.9 غيغاوات، فإن الغاز الطبيعي يعد المصدر شبه الوحيد للطاقة، ويولد ما يقارب 70 في المئة من الكهرباء. وبحسب الخبراء فإن تعزيز مصادر الطاقة البديلة لا يمكن أن يحل مكان خطة الطاقة الإسرائيلية، ليس فقط لكلفها الباهظة وفترات بنائها الطويلة، بل لما تحمله أيضاً من قيود تقنية قد تعمق الأزمة. وعلى إثر تلك التخوفات قررت لجنة وزارية مشتركة فحص سياسة تصدير الغاز في إسرائيل كل خمس سنوات وفقاً للحاجات المحلية، وقد بينت وثيقة اللجنة أن الطلب المحلي للغاز داخل إسرائيل في الـ 23 سنة المقبلة أعلى من العرض، وافترضت أن قطاع الغاز سيحتاج إلى 515 مليار متر مكعب إضافياً حتى عام 2048، في حين أن عرض الغاز لهذا القطاع يصل إلى 440 مليار متر مكعب فقط، أي أن الفجوة في الاستهلاك ستبلغ أربع سنوات.
وفي أبريل (نيسان) الماضي، أصدرت اللجنة المذكورة تحذيراً من أن احتياطيات إسرائيل من الغاز لن تكون كافية، وأكدت أن إمكانية اكتشاف احتياطيات غاز إضافية في البحر المتوسط شبه معدومة نظراً إلى أنه لا يوجد حالياً أي بحث أو تنقيب عن حقول جديدة. وذكرت صحيفة "يسرائيل هيوم" الإسرائيلية مطلع سبتمبر (أيلول) الجاري أن نتنياهو وجه بعدم المضي في اتفاقية الغاز مع مصر، التي قدرت بنحو 35 مليار دولار وتمتد حتى عام 2040، من دون موافقته الشخصية، لافتة إلى أنه يبحث مع وزير الطاقة الإسرائيلي ما إذا كان ينبغي المضي في الاتفاق، وكيفية القيام بذلك قبل أن يتخذ قراراً نهائياً في هذا الشأن.
ووسط غياب خطة حكومية واضحة للتعامل مع ما يعرف بـ"اليوم التالي للغاز" وضعف البدائل الحقيقية وتراجع الاستثمار في البنية التحتية للطاقة المتجددة والتخزين، يخشى الإسرائيليون اليوم أكثر من أي وقت مضى الوصول إلى ما وصلت إليه الدول الأوروبية، حيث تخضع حالياً لضغوط أسعار عالمية، من دون قدرة حقيقية على حماية مواطنيها من ارتفاع الأسعار خصوصاً في مجال أمن الطاقة.
ويرى مراقبون أن الحرب المستمرة على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 لا يمكن النظر إليها بمعزل عن الموارد الغنية المتمثلة بالغاز الطبيعي الذي تزخر به شواطئها، إذ يعتبر حقل "ماري بي" أول حقل اكتشفته إسرائيل عام 2000 على عمق 2082 متراً تحت سطح الماء، ويقع في السواحل المقابلة لقطاع غزة. ووفقاً لتقديرات مختصين، تقدر كمية الغاز الطبيعي فيه بحوالي 1.2 إلى 1.3 تريليون متر مكعب، ويمكن أن ينتج الحقل ما يصل إلى 600 مليون قدم مكعبة من الغاز يومياً.
كما تمنع إسرائيل كذلك السلطة الفلسطينية من الاستفادة من حقل آخر قبالة سواحل قطاع غزة على عمق 4500 متر تحت سطح الماء يطلق عليه الإسرائيليون اسم "شمشون"، والذي بدأت شركة ATP East Med BV الأميركية حفره عام 2012. وبحسب صحيفة "غلوبس" الإسرائيلية، تشير التقديرات إلى أن متوسط إنتاج البئر اليومي قد يصل إلى 22.7 مليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي.