ملخص
لا تزال سوريا وإسرائيل في حالة حرب رسمياً، لكنهما بدأتا مفاوضات مباشرة بعد إطاحة الأسد، والتقى ممثلون للبلدين مرات عدة خلال الأشهر الأخيرة.
منذ سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر 2024، لم تهدأ محاولات إسرائيل لاستغلال الفراغ والاضطراب الأمني في سوريا، محاولة تعزيز وجودها العسكري في الجنوب، وتحقيق أهداف استراتيجية ومكاسب طويلة الأمد، تدفع إليها من خلال الضغط والتفاوض السياسي. وعلى مدى نحو ثمانية أشهر، طاولت الغارات الإسرائيلية مناطق عدة في عدد من المحافظات السورية، مستهدفة مواقع عسكرية ومخازن أسلحة. كذلك نفذت إسرائيل أيضاً سلسلة توغلات في المنطقة العازلة بين سوريا وهضبة الجولان، متجاوزة بذلك اتفاقية فك الاشتباك عام 1974.
وفي إحصائية نشرها تشارلز ليستر مدير برنامج سوريا في معهد الشرق الأوسط، شنّ الجيش الإسرائيلي بين ديسمبر (كانون الأول) 2024 وأغسطس (آب) 2025، أكثر من 954 غارة جوية على سوريا، وأجرى 421 توغلاً برياً.
في المقابل، سعت الحكومة الجديدة في دمشق إلى الحد من الانتهاكات في الجنوب، بطرق أبواب المجتمع الدولي، وطالبت بالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي تم التوغل فيها بعد سقوط نظام الأسد.
وكخطوات عملية، قدمت أربع شكاوى لدى مجلس الأمن، ولم تقم بأي عمليات عسكرية ضد إسرائيل. وحذرت من أن استمرار التوغلات قد يعيد الوضع إلى المربع الأول ويعرقل جهود تحقيق الاستقرار.
الاتفاق الأمني... هل هو ضرورة؟
لا تزال سوريا وإسرائيل في حالة حرب رسمياً، لكنهما بدأتا مفاوضات مباشرة بعد إطاحة الأسد، والتقى ممثلون للبلدين مرات عدة في الأشهر الأخيرة.
في أغسطس (آب) الماضي أفادت مصادر سورية رفيعة المستوى في تصريحات خاصة لـ"اندبندنت عربية" بأن سوريا وإسرائيل ستوقعان اتفاقاً أمنياً برعاية الولايات المتحدة.
وسبق أن أفادت السلطات في دمشق عن حصول مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل، هدفها احتواء التصعيد. وفي وقت لاحق، أشارت الوكالة السورية للأنباء (سانا) إلى نقاشات ولقاءات سوريةـ إسرائيلية مباشرة، تجري "بوساطة أميركية، في إطار الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار في سوريا والحفاظ على وحدة وسلامة أراضيها".
كذلك أعرب الرئيس السوري أحمد الشرع عن أمله في التوصل إلى اتفاقية أمنية من شأنها تخفيف التوترات مع إسرائيل، مستبعداً انضمام بلاده قريباً إلى "اتفاقات إبراهام" للسلام. وأوضح أن إسرائيل لا تزال "تحتل الجولان"، كذلك فإن الدول "التي عقدت هذه الاتفاقات، ليست لديها حدود مجاورة مع إسرائيل، وبالتالي فإن ظروفها تختلف عن الحالة السورية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
غير أنه، وحتى اللحظة لم يتم الإعلان رسمياً عن التوصل لأي اتفاق أمني، وسط تسريبات لمعلومات تفيد بأن المفاوضات بين الجانبين قد أخفقت بسبب إصرار الإسرائيليين على أن يكون الجنوب السوري منزوع السلاح تماماً. وأن الخيار الوحيد الباقي الآن هو اتفاق موقت لخفض التصعيد، يسعى لكبح التوغلات والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.
ما رأي السوريين؟
في غياب وضوح البنود التي تتم مناقشتها حالياً بين الطرفين، ينقسم السوريون إلى مؤيد ومعارض لأي اتفاق أمني. يرفض المعارضون له أي نوع من العلاقات مع إسرائيل، العدو التاريخي للشعبين الفلسطيني والسوري، ويؤكدون أنه حتى لو سيكون هناك اتفاق أمني مع دولة معادية، فلا يجب أن يتم خلال هذه الفترة الحرجة من تاريخ البلاد، لأن الحكومة الحالية هي حكومة موقتة غير منتخبة ولا يحق لها اتخاذ مثل هذا القرار المصيري.
أما مؤيدو الاتفاق، فيرون أنه بات اليوم ضرورة وخطوة أساسية نحو محاولة السوريين التعافي وإعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار في بلادهم. لكنهم في الوقت ذاته، يرفضون السلام الكلي مع إسرائيل.
استطلاعات غائبة
منذ أن ابتكر جورج غالوب أدوات قياس الرأي العام في ثلاثينيات القرن الماضي، باتت استطلاعات الرأي بمثابة البوصلة التي تهدي صانع القرار إلى اتجاه الريح السياسية. ولم تعد صناديق الاقتراع وحدها هي المقياس، بل صار المزاج الشعبي يُرصد بصورة شبه يومية في الأنظمة الديمقراطية من خلال أسئلة علمية دقيقة تُطرح على عينات ممثلة للمجتمع.
ومن نتائج هذه الاستطلاعات صيغت حملات انتخابية، وتحولت حكومات في سياساتها، كما اتخذت، أو عدلت، عن قرارات مصيرية. لكن في الشرق الأوسط، ولا سيما في سوريا، هذه البوصلة تكاد تكون مفقودة.
السؤال البديهي هنا: ما موقف غالبية السوريين من خطوة مصيرية كهذه؟ والجواب: لا أحد يعلم.
غياب مؤسسات استطلاع الرأي المستقلة يجعل المزاج الشعبي السوري لغزاً حقيقياً. صحيح أن الشرع قد يستفيد من زخم المرحلة الانتقالية وما يرافقها عادة من قبول مبدئي بحكم رمزية التغيير ورغبة السوريين في طي صفحة الماضي، وما يرافق ذلك من أمل بمرحلة جديدة، لكن هذا التأييد- مهما بلغت نسبته - لا يعني بالضرورة منحه الحق في اتخاذ قرار تاريخي يعيد رسم هوية الدولة ويبدل خريطة العداءات والتحالفات.
الشرعية السياسية لا تُقاس فقط بشرعية السلطة، بل أيضاً بشرعية القرار. وفي غياب بيانات دقيقة، يصبح أي ادعاء بوجود قبول شعبي للسلام– لا كفكرة وإنما بالشروط المطروحة على الطاولة- مجرد افتراض لا يسنده دليل.
السلام مع إسرائيل
يذهب البعض أبعد من ذلك فيزعم أن السوريين متقبلون بشدة لفكرة السلام مع إسرائيل، وبأنهم غير آبهين بالمآسي التي يعيشها أهل في غزة، ولا بما يُشاع عن بنود مجحفة تصب في مصلحة إسرائيل وحدها.
ويستدل هؤلاء بما يرونه من ارتياح أو قبول، بل وحتى تهليل، على صفحات ومواقع التواصل الاجتماعي. غير أن هذا الادعاء يفتقر تماماً إلى أي أساس علمي، والسبب هو ما سبق بيانه: غياب المؤسسات البحثية المحايدة.
ومع ذلك، فإنهم محقون في نقطة واحدة: ففي ظل هذا الغياب، تحولت وسائل التواصل إلى بديل يُقدَّم أحياناً بوصفه مقياساً للمزاج الشعبي. لكن هل تعكس هذه المنصات فعلاً صورة المجتمع السوري؟ الإجابة ببساطة: لا. فالوصول إلى الإنترنت ما زال محدوداً في مناطق واسعة، وشرائح كبيرة من السوريين تفتقر إلى الوسائل التقنية أو حرية التعبير، فضلاً عن الطوفان الهائل من الحسابات الوهمية التي تشوه الصورة وتزيف الانطباعات.
في المقابل، اعترفت وزارة الإعلام السورية أخيراً بوجود "مئات الآلاف من الحسابات الوهمية" التي تنشط في الفضاء الإلكتروني للتأثير في النقاشات العامة. وقال وزير الإعلام إن هذه الحسابات "تعمل على مدار الساعة لنشر الإشاعات وتعميق الانقسام الاجتماعي"، وهو اعتراف صريح بأن ما نراه على شاشاتنا قد لا يكون انعكاساً حقيقياً للرأي العام، بل نتاج حملات منظمة.
تحقيقات صحافية مستقلة ذهبت أبعد من ذلك، مؤكدة أن كثيراً من هذه الحسابات تُدار من خارج سوريا، وتستهدف التأثير في الرأي العام عبر فيديوهات قديمة أو أخبار مضللة. وهكذا، يصبح الاعتماد على السوشيال ميديا كبديل عن مراكز الاستطلاع خطأً منهجياً، لأنه يقيس الضجيج لا المزاج.
تؤكد تجارب المنطقة أن غياب أدوات القياس يجعل القرارات المصيرية تسبح في فضاء التخمين. ففي فلسطين، شكّل المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية مرجعاً أساسياً لصنّاع القرار والباحثين، إذ قدّمت استطلاعاته صورة دقيقة عن موقف الشارع من المفاوضات والانتفاضات، ما حال دون تجاهل المزاج الشعبي.
وفي تونس، أسهمت استطلاعات الرأي خلال السنوات الانتقالية في رسم صورة أوضح لشعبية الأحزاب، فساعدت على توجيه الخطاب السياسي وتجنّب قرارات غير محسوبة.
أما في المغرب، فقد ساعدت الاستطلاعات الدورية التي تجريها المندوبية السامية للتخطيط على تكييف السياسات الاقتصادية والاجتماعية مع أولويات الناس، ما قلل من الفجوة بين ما يخطط له المسؤولون وما يريده الشارع.
هذه النماذج تُظهر أن الاستطلاعات، مهما كانت محدودة، تمنح صانع القرار فرصة لتجنّب العشوائية. أما في سوريا، حيث يغيب هذا كله، فإن النقاش حول اتفاق محتمل مع إسرائيل يظل معلقاً في فراغ من التخمينات.
المعضلة اليوم ليست في ما إذا كان الشرع سيتجه نحو اتفاق سلام مع إسرائيل، بل في غياب قاعدة معرفية تتيح القول إن هذا القرار يعكس رغبة السوريين أو يعارضها. فالشرعية السياسية في أي تحول تاريخي يجب أن تستند إلى بيانات شفافة، لا إلى مزاج يُنسب للشعب في غياب الأدوات العلمية.
في النهاية، السؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن أن تُبنى سياسة خارجية جديدة لسوريا على "الصوت الغائب" للمجتمع؟ أم أن المرحلة الانتقالية تقتضي قبل أي شيء آخر بناء مؤسسات بحثية وأكاديمية قادرة على قياس هذا الصوت؟ الجواب واضح: من دون استطلاعات رأي مستقلة، ستظل قرارات السلام والحرب في سوريا تُتخذ في الظلام، فيما يبقى الشعب- المعني الأول- خارج المعادلة.