ملخص
منذ إعلان حربها المباشرة على لبنان في 23 سبتمبر 2024 وحتى انتهائها المعلن فجر الـ 27 من نوفمبر 2024، قتلت إسرائيل وجرحت ما لا يقل عن 19863 شخصاً توزعوا بين 3864 قتيلاً و15999 جريحاً، الأمر الذي قدّره متابعون بأن إسرائيل كانت تقتل وتصيب في كل يوم من الأيام الـ 66 نحو 48 شخصاً.
عاندت هدى ز. من النبطية في جنوب لبنان فكرة النزوح وقررت البقاء في بيتها عند المدخل الشمالي للمدينة، على رغم كل ما يحيط بها من خطر. ظنت في أحيان كثيرة أن الموت يدنو منها بعد أن انهارت عشرات الأبنية التي لا تبعد عن مكان وجودها سوى مسافة 300 متر هوائية. نامت أياماً بلا طعام وألزمت نفسها معايشة الواقع كي لا تجرب مرارة النزوح. تابعت عبر وسائل التواصل الاجتماعي خلال الـ 66 يوماً من الحرب، كيف سقط في القصف العشرات من أبناء النبطية، ومنهم رئيس البلدية وأعضاء من مجلسها البلدي وموظفيها وجلهم من الأصدقاء والأقرباء والمعارف، وكذلك ابن شقيقتها ووالده (صهرها) وبقيت كذلك تعاند الخروج من هذه "المعمعة" إلى حين انتهاء الحرب، إذ عاد الجميع كل إلى بيته إن لم تطح به الحرب.
اليوم تحاول هدى أن تعالج نفسها من انهيار عصبي وشيك، فكلما سمعت طنين مسيرة في الجو أو دوي قصف وغارات سرعان ما تنهار وتفقد قدرتها على الوقوف أو الراحة، إذ لم تعد تتقبل فكرة أن تندلع الحرب من جديد، ما يعني مزيداً من الدمار والموت الغوغائي وفقدان أحبة وأصدقاء ونزوح مذل.
قلق من حرب غير معلنة
حال هدى هي حال مئات الآلاف من سكان الجنوب ممن أدركتهم الحرب في 23 سبتمبر (أيلول) الماضي، أي بعد نحو سنة من مناوشات عسكرية بين إسرائيل و"حزب الله" الذي أعلن في 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 عملية "إسناد غزة"، سقط في خلالها عشرات القتلى والمصابين بينهم مدنيون فضلاً عن تدمير مئات البيوت مما دفع سكان المناطق الحدودية وبخاصة سكان قرى الحافة الأمامية إلى نزوح متقطع ثم شبه شامل بين مختلف المناطق الجنوبية واللبنانية.
لذلك تشكل فكرة عودة الحرب المباشرة والنزوح مجدداً، بالنسبة للعائدين إلى مناطقهم الجنوبية، قلقاً دائماً، على الرغم من أنهم يشهدون يومياً، ومنذ قرار وقف إطلاق النار أحداثاً متفرقة، في حرب غير معلنة تستهدف عناصر من "حزب الله" تتم تصفيتهم بواسطة المسيرات في مختلف المناطق الجنوبية، في شمال نهر الليطاني وجنوبه الخاضع لحيثيات قرار مجلس الأمن رقم (1701)، وما يجره ذلك من إصابات محتملة بين المدنيين، على نحو ما جرى في مدينة بنت جبيل الحدودية منذ يومين حين سقط ضحايا مدنيون هم رب أسرة وأطفاله الثلاثة، فيما أصيبت زوجته وابنتهما البكر بجراح مختلفة، وكما حصل أمام المستشفى الحكومي في تبنين في 19 سبتمبر الجاري، إذ أدى استهداف سيارة إلى مقتل سائقها وإصابة 11 مدنياً كانوا في الجوار لتنجو البلدة من كارثة.
مرارة النزوح
هكذا، بعد مرور نحو سنة من مناوشات عسكرية بدأت في 8 أكتوبر 2023 وخشية الأهالي من تطورها وتفاقمها، أعلنت إسرائيل حربها "الكبيرة" على لبنان في 23 سبتمبر 2024 تحت مسمى "سهام الشمال"، وقالت إن هدفها هو "تمكين المستوطنين الإسرائيليين في مستوطنات الشمال من العودة بعدما هجّرهم 'حزب الله' بفعل صواريخه في إطار جبهة الإسناد".
حرب استمرت طوال 66 يوماً قبل التوصل إلى اتفاق لوقف النار برعاية أميركية وفرنسية في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، بعد حرب دامية ومدمرة طالت مختلف المناطق اللبنانية، وإن تركزت على مناطق الجنوب والبقاع (شرق) والعاصمة بيروت وضاحيتها الجنوبية تحديداً. ولم توفر الغارات والاستهدافات مناطق أخرى في العاصمة، سقط بسببها عشرات الضحايا المدنيين، فضلاً عن استهدافها قيادات "حزب الله" وفي مقدمهم الأمين العام حسن نصرالله ونائبه هاشم صفي الدين.
قسوة النزوح التي عاش مرارتها سكان جنوب لبنان وكذلك سكان الضاحية الجنوبية مع اندلاع حرب الـ 66 يوماً، دفع ثمنها ما لا يقل عن مليون و237 ألفاً و892 لبنانياً، أي أكثر من 265 ألف أسرة، ونحو 500 ألف مقيم من غير اللبنانيين، من ضمنهم ما لا يقل عن 396 ألف لاجىء سوري.
وبحلول 22 نوفمبر 2024، كان هناك نحو 899 ألفاً و725 لبنانياً نازحين داخلياً، من ضمنهم أكثر من 190 ألفاً في مراكز الإيواء. ولجأ حوالي 234 ألفاً و202 منهم إلى سوريا والعراق عبر البر، بينما توجه قرابة 103 آلاف و965 آخرين إلى بلدان أجنبية.
لكن النزوح لم يقِ النازحين الاستهداف، إذ لاحقتهم الطائرات القاتلة إلى أماكن نزوحهم في شمال لبنان وبقاعه وأنى حلّوا، فسقط المئات منهم تحت أكوام الدمار الزلزالي بسبب القذائف الثقيلة والكبيرة التي استخدمتها إسرائيل في حربها هذه، ودُفنت جثثهم كودائع في البلدات التي لجأوا إليها واستضافهم سكانها في بيوتهم ومراكزهم الاجتماعية والدينية. وواجهت عائلات كثيرة خلال فترات النزوح القسري عملية الارتفاع الجنوني لإيجارات الشقق السكنية في بعض المدن والمناطق السياحية.
تفاصيل حرب دامية
بين 23 سبتمبر 2024 و27 نوفمبر 2024، قتلت إسرائيل وجرحت ما لا يقل عن 19863 شخصاً توزعوا بين 3864 قتيلاً و15999 جريحاً، الأمر الذي قدّره متابعون بأن إسرائيل كانت تقتل وتصيب في كل يوم من الأيام الـ 66 نحو 48 شخصاً. وسُجلت النسبة الأعلى من الضحايا والمصابين والجرحى في الأيام الأخيرة من سبتمبر. وقُدرت نسبة القتلى والضحايا بنحو 84 في المئة من إجمالي القتلى الذين سقطوا منذ اندلاع معارك "إسناد غزة"، ونسبة الجرحى والمصابين بنحو 87 في المئة منهم.
لم توفر هذه الحرب العنيفة الأطفال والنساء، إذ سجل بين اندلاع الحرب وإعلان وقف إطلاق النار، سقوط ما لا يقل عن 243 طفلاً وإصابة 1405 آخرين بجروح مختلفة. كذلك قتلت الحرب 717 إمرأة وأصابت بجروح متفاوتة، 2786 إمرأة أخرى، ما يعني أن نحو 26 في المئة من ضحايا حرب إسرائيل هم من النساء والأطفال، أي ما مجموعه 5151 طفلاً وإمرأة، ما يعني أن إسرائيل كانت تقتل في كل يوم من أيام الـ 66 ما لا يقل عن 12 إمرأة وطفلاً.
وشهد يوم 23 سبتمبر 2024، منذ الفجر وحتى ساعات منتصف الليل، غارات جوية مكثفة طالت عشرات المواقع والمناطق والبلدات جنوب وشرق لبنان، قابلها رد من "حزب الله" بإطلاق عشرات الصواريخ على المستوطنات الإسرائيلية في الشمال. وسقط في اليوم الأول وحده جراء سلسلة الغارات الإسرائيلية المكثفة، 558 قتيلاً بينهم عناصر من "حزب الله" وأطفال ونساء ورجال مدنيين، بما في ذلك 50 طفلاً و94 إمرأة وأربعة مسعفين، فيما بلغ عدد الجرحى حوالي 1835 مصاباً، وذلك بحسب بيان وزراة الصحة اللبنانية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
غارات وتدمير
الجيش الإسرائيلي قال في 24 سبتمبر 2024 إنه قصف أكثر من 1600 موقعاً لـ "حزب الله" في لبنان. وفي اليوم الأخير وحده، قبل إعلان وقف إطلاق النار أعلن الجيش الإسرائيلي أنه نفذ ما لا يقل عن 180 غارة. لكن ومنذ اندلاع حرب الثامن من أكتوبر 2023 وحتى إعلان وقف إطلاق النار فجر الـ 27 من نوفمبر 2024، نفذت إسرائيل ما لا يقل عن 13250 غارة ضد مواقع في لبنان، بما يمثّل نحو 32 غارة يومياً.
خلال سبتمبر 2024، نفذت إسرائيل نحو 2014 غارة، بمعدل 2.8 غارة في كل ساعة. ويعتبر شهر أكتوبر 2024 الأكثر عنفاً منذ انطلاق الحرب الإسرائيلية على لبنان، إذ نفذت إسرائيل خلال هذا الشهر 3103 غارة على لبنان، ما يشكل نحو 23.4 في المئة من الغارات التي شُنت ضد لبنان منذ بدء الحرب، وبمعدل 4.17 غارة في كل ساعة. ويليه شهر نوفمبر 2024، حين نفذت إسرائيل نحو 2112 غارة حتى الـ 22 منه بمعدّل 4 غارات في كل ساعة، وتركزت الغارات على قرى وبلدات أقضية صور ومرجعيون وبنت جبيل ويليها قضاء النبطية.
وشكّلت الغارات بالطائرات الحربية والمسيرة الحيّز الأكبر من الحرب التي شنتها إسرائيل ضد "حزب الله" وبلغت نسبتها نحو 93.3 في المئة، تعمّدت خلالها إلقاء ما لا يقل عن 364 قنبلة وقذيفة فوسفورية و25 ذخيرة عنقودية، وهي جميعها محرّم استخدامها ضد المدنيين أو على مقربة منهم، وتعد كذلك قاتلة للتربة ولها تأثير طويل الأمد. وبما يخالف القوانين الأعراف الدولية والإنسانية استخدم الجيش الإسرائيلي في حربه أسلوباً جديداً في الأسابيع الأخيرة من الحرب، فعمد إلى تفخيخ وتلغيم قرى وبلدات عدة في جنوب لبنان، لا سيما في مناطق "الحافة الأمامية"، وقام بتفجيرها من دون أسباب تذكرى، وسجل تنفيذ نحو 27 عملية تفجير وتلغيم لأحياء كاملة حتى 22 نوفمبر 2024.
هل انتهت الحرب؟
تؤكد معظم التقارير الأمنية والعسكرية والتي وثّق أكثرها الجيش اللبناني ووزارات لبنانية عدة أن إسرائيل فجرت ودمرت النسبة الأعلى من المناطق الحدودية الجنوبية في خلال فترة الهدنة التي أعقبت قرار وقف إطلاق النار بين 27 نوفمبر 2024 وحتى 18 فبراير (شباط) 2025، في خطوة عُدت في إطار جعل قرى "الحافة الأمامية"، منطقة معزولة خالية من السكان، إذ طاولها التفجير والتدمير بنسبة 100 في المئة، فيما نال التدمير الممنهج الأحياء الباقية بنسبة 60 إلى 70 في المئة. وما زالت إسرائيل حتى اليوم، وعلى رغم قرار وقف إطلاق النار وضرورة تنفيذ آلية القرار الدولي 1701، تمنع سكان المناطق الحدودية من العودة إلى ديارهم المدمرة أصلاً، وتمنع كذلك محاولات السكن العودة للسكن ولو بغرف جاهزة، أو إعادة بناء ما تهدم.
أما الحرب المتنقلة من قرية إلى قرية ومن مدينة إلى مدينة، فتشكل قلقاً دائماً للسكان والمواطنين الجنوبيين، إذ لا يكاد يمر يوم من دون سقوط قتلى وضحايا في عمليات إسرائيلية متفرقة ومقصودة، أو تنفيذ أحزمة نارية بالقرب من المدن أو المناطق الحرجية والأودية، فضلاً عن التهديد والوعيد وإلقاء بيانات وإنذارات واقتطاع مناطق قريبة من الحدود والإعلان عن أنها محرمة على أصحابها ومنعهم من الوصول إليها. وقُتل مزارعون كثر منذ إعلان وقف إطلاق النار خلال توجههم إلى حقولهم القريبة من الحدود.
أما التنقل على الطرقات الجنوبية، فمشوب بالخوف والقلق الدائمين، إذ لا يستطيع أحد التكهن أي دراجة نارية أو سيارة تسير أمامه أو إلى جانب آليته ستكون بعد لحظات هدفاً لمسيرة أو غارة إسرائيلية. وسقط العديد من العابرين في مناطق الاستهداف بين قتلى ومصابين جراء هذه الغارات العشوائية التي تمنعها القوانين الأممية خصوصاً بعد الاتفاق على وقف الحرب برعاية دولية وعالمية.
وتستمر إسرائيل على الرغم من إعلان اتفاق وقف النار، في احتلال عدد من المناطق في جنوب لبنان، من بينها خمس تلال تنتشر بين القطاع الشرقي والقطاعين الأوسط والغربي، ما يشير إلى أن الحرب الإسرائيلية المعلنة في الـ 23 من سبتمبر 2024 لم تنته بعد، على الأقل من الجانب الإسرائيلي الذي يستبيح الأجواء اللبنانية والمياه الإقليمية والأراضي البرية، ما يقلق الجنوبيين ويحفز لديهم الشعور بأن الحرب قد تعود غداً.