Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

باغرام وممر ترمب... عودة أميركا إلى "آسيا الوسطى الكبرى"

واشنطن ترسم بخطوط جديدة خرائط التأثير في ساحة النفوذ الروسي – الصيني

للرئيس الأميركي دونالد ترمب تطلعات واسعة في آسيا الوسطى (موقع يوراسيا تايمز)

ملخص

شهدت آسيا الوسطى تحركات أميركية لافتة تعكس عودة واشنطن إلى المنطقة بعد أعوام من الانسحاب. كشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن مفاوضات مع "طالبان" لاستعادة قاعدة باغرام الجوية، بما يتيح مراقبة الصين، واستهداف "داعش"، والاستفادة من موارد أفغانستان. بالتوازي، دفعت واشنطن بمشروع "ممر ترمب للسلام والازدهار" بين أرمينيا وأذربيجان، لتأمين طريق تجاري يربط آسيا الوسطى بأوروبا متجاوزاً روسيا، فهل تفتح استراتيجية ترمب أبواب صراع جديد على قلب آسيا الوسطى؟

فاجأ الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الصحافيين الخميس الماضي، بالكشف عن مفاوضات تجريها إدارته مع حركة "طالبان" في أفغانستان، لاستعادة السيطرة على قادة باغرام العسكرية الجوية، التي تركتها القوات الأميركية عند انسحابها في أغسطس "آب"2021.

ووفق المصادر التي تحدثت لوسائل الإعلام الأميركية منذ ذلك الإعلان، فإن إعادة نشر القوات الأميركية في باغرام، هي جزء من جهد دبلوماسي أوسع نطاقاً لتهيئة الظروف لتقارب العلاقات مع "طالبان"، وتشمل هذه المفاوضات، التي يقودها المبعوث الخاص لشؤون الأسرى آدم بويلر، تبادلاً محتملاً للأسرى واتفاقاً اقتصادياً إضافة إلى بند أمني. 

يعتقد ترمب ومسؤولو الأمن القومي في إدارته أن القاعدة التي تقع على بعد 60كم من العاصمة كابول، ضرورية لأسباب عدة، منها مراقبة الصين التي تبعد حدودها أقل من 500 ميل، والوصول إلى المعادن النادرة ومواقع التعدين في أفغانستان، وإنشاء مركز لمكافحة الإرهاب يستهدف تنظيم "داعش" وإمكان إعادة فتح مقر دبلوماسي. 

ممر ترمب

يأتي الكشف عن التحرك الأميركي بعد أسابيع قليلة من نشاط واسع لواشنطن في آسيا الوسطى، حين استضاف ترمب في البيت الأبيض رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان والرئيس الأذري إلهام علييف، حين توسطت الولايات المتحدة في توقيع ما وصفه الرئيس الأميركي بـ"اتفاق سلام" بين البلدين اللذين يتنازعان منذ عقود حول إقليم ناغورنو قره باغ، الذي سيطرت عليه أذربيجان أخيراً وارتكبت فيه عملية تطهير عرقي في حق سكانه الأرمن.

فمن بين الاتفاقات التي وقعت في أغسطس الماضي، عندما استضاف الرئيس الأميركي زعماء أرمينيا وأذربيجان في واشنطن، كان "طريق ترمب للسلام والازدهار" (TRIPP) ويهدف هذا الممر لربط دولة أذربيجان بإقليم ناختشفان ذي الغالبية العرقية الأذرية، عبر جنوب أرمينيا. 

وفق البيت الأبيض سيتألف الطريق من "منطقة عبور متعددة الوسائط" تسمح بـ"الاتصال دون عوائق" بين الأراضي، مع احترام سيادة أرمينيا، ومع ذلك أفاد مصدر مطلع لـ"اندبندنت عربية" أن ثمة خلافاً في شأن السيطرة الأمنية على الطريق، فبموجب اتفاقات الثامن من أغسطس، من المفترض أن تشرف جهة أميركية على إدارة عمليات الممر، غير أن حكومة باشينيان تخشى رد فعل غاضباً في الداخل بسبب مخاوف من أن يشكل ذلك انتهاكاً للسيادة الأرمينية التي ينبغي أن تتولى السيطرة على الطريق. 

وفي ما يبدو محاولة لتهدئة المعارضة، قال رئيس وزراء أرمينيا في وقت سابق من الشهر الماضي، إن "شركة أرمينية - أميركية"، التي ستنشأ ضمن مشروع طريق ترمب، ستتولى "الإدارة التجارية فقط" للطريق ولن تتحكم فيه، وأكد في مؤتمر صحافي أن "الشركة الأرمينية - الأميركية لن تتحكم في هذا الطريق، بل ستديره، أي ستتولى الإدارة التجارية"، مشدداً على مبدأ المعاملة بالمثل في سياق المشروع، وأضاف باشينيان أن مبادئ إعلان واشنطن تشمل توضيحاً لاستفادة جميع الأطراف من الاتفاق. 

الممر يمثل شبكة تجارية ناشئة تربط آسيا الوسطى بأوروبا متجاوزة روسيا، ويقول المراقبون إن "طريق ترمب للسلام والازدهار" من شأنه أن يعمل على تحويل الوضع الأمني في المنطقة ورفع مستوى التواصل في جنوب القوقاز وما وراءه، إذ من المتوقع أن يشمل المشروع خط سكة حديد وخطوط نفط وغاز وألياف بصرية، فبطريقة تشبه صفقة المعادن التي أبرمها ترمب مع أوكرانيا، يعد ما يعرف بـ"ممر ترمب" الذي كان يعرف سابقاً بـ"ممر زانجيزور"، صفقة عقارية تهدف إلى تحويل المصالح التجارية الأميركية إلى وجود مستمر على الأرض يساعد في الحفاظ على السلام. وبمجرد إنشائه قد يمهد الطريق أيضاً أمام تركيا لإعادة فتح حدودها مع أرمينيا، المغلقة منذ عام 1993، مما يعزز الروابط التجارية مع آسيا الوسطى والصين.

استراتيجية أوسع

تكشف التحركات الأميركية في آسيا الوسطى عن استراتيجية أوسع تشمل الوجود الاقتصادي والأمني بعد عقود من الانسحاب بعيداً من المنطقة التي كثيراً ما كانت منطقة نفوذ روسي مع تنازع تركي وإيراني، فبحسب مسؤول أميركي رفيع تحدث لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية الشهر الماضي، فإن واشنطن تتطلع إلى استراتيجية إقليمية أوسع، قائلاً "عندما ألقينا نظرة أوسع، اعتقدنا أنه قد تتاح فرصة، ليس لإعادة ضبط العلاقات بين الولايات المتحدة وأذربيجان، بل لإعادة ضبط إقليمية أوسع". 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتقول زميلة مؤسسة بروكينغز في واشنطن أصلي أيدينتاسباش "الصفقة ليست مجرد إعادة تسمية ممر زانجيزور باسم طريق ترمب، بل إنها تجلب الوجود الأميركي إلى قلب عمق روسيا، وربما تخلق طريق تجارة جديداً بين أوروبا وآسيا الوسطى، كذلك تضع الولايات المتحدة كضامن للسلام عبر محور لوجيستي تديره شركات أميركية"، وأضافت أنه حتى وقت قريب، "لم يكن من المستحيل تصور أن تستغل أذربيجان الفوضى الإقليمية كفرصة للاستيلاء عسكرياً" على أراض في جنوب أرمينيا، لكن مع "دخول الولايات المتحدة كممثل تجاري"، يستبعد هذا السيناريو العسكري.

آسيا الوسطى الكبرى

وكثيراً ما رأت مراكز الأبحاث في واشنطن أن الولايات المتحدة في حاجة إلى استراتيجية فعالة لما يطلقون عليه "آسيا الوسطى الكبرى" لتعزيز موقعها التنافسي في منطقة تؤثر في العلاقة بين روسيا والصين، والمنافسة الجيوسياسية في آسيا، والأسواق الرئيسة للموارد، خصوصاً اليورانيوم والنفط والغاز الطبيعي، لذا فإن ممر ترمب في أرمينيا واستعادة قاعدة باغرام الجوية من شأنهما أن يكونا مرتكزات أساسية للاستراتيجية الأميركية الجديدة. 

وقد أوصى مجموعة من كبار الباحثين المتخصصين في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى لدى مجلس السياسية الخارجية الأميركي، وفق ورقة بحثية نشرها المركز الأميركي أبريل (نيسان) الماضي، بضرورة تصميم وتنفيذ استراتيجية تضمن الوصول المفتوح للمنطقة لتقليل احتمالات الانهيار الأمني بين الدول النووية القوية وتؤمن فرصاً للاستثمار الأميركي المربح من خلال الشراكات التكنولوجية، واستخراج الموارد وتطويرها، وتسهيل اللوجيستيات.

وتهدف الاستراتيجية وفق تصور مجموعة الباحثين الخمسة، إلى تعزيز قدرة الولايات المتحدة على معالجة أربعة مجالات رئيسة تهمها: وهي احتمال نشوء برنامج نووي إيراني، وفرص الاستثمار الأميركي وتحقيق أرباح للقطاع الخاص من الانتظام في آسيا الوسطى، ومواجهة الإرهاب الإسلامي كتهديد مستمر، وتركيز استراتيجية الأمن العالمية الأميركية الذي يتحول حالياً نحو الصين، التي تنظر إليها كخصم ناشئ على مستوى القوى الكبرى، وهو ما كان واضحاً في تصريحات ترمب عندما كشف عن المفاوضات مع "طالبان" لاستعادة قاعدة باغرام. 

ويقول الباحثون إنه في حين قبلت الولايات المتحدة بتعريف الاتحاد السوفياتي لآسيا الوسطي بأنه تجمع الدول الخمس: كازاخستان وجمهورية قيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان، فإنه بعد ثلاثة عقود لم يعد هذا التعريف صالحاً، إذ يجب أن يشمل أذربيجان، إذ ترى دول آسيا الوسطى نفسها وأذربيجان أنهما جزء من إقليم سياسي - اقتصادي متميز. ويبرر هذا الفهم استخدام مصطلح "آسيا الوسطى الكبرى" للدلالة على البؤرة الجيوسياسية للاستراتيجية الأميركية، كذلك فإن الاستراتيجية "الكبرى" يجب أن تشمل أيضاً الدول المجاورة والحدودية التي يعتمد نجاح النواة عليها، وتشمل هذه الدول جورجيا وأرمينيا ومنغوليا، التي تشكل أطراف المنطقة الاقتصادية وتوفر دعماً جوهرياً عبر المرافق (النقل والموانئ)، والمصالح الاقتصادية الذاتية، وعلاقات التفاهم الجيوسياسي الراسخة، ويجب أن تكون أفغانستان جزءاً من أي استراتيجية لآسيا الوسطى الكبرى. 

وتحافظ الصين على روابط اقتصادية مهمة مع أفغانستان منذ سيطرة "طالبان" على البلاد، إذ تشارك في استغلال المعادن في البلاد ودعتها إلى الانضمام إلى مشروع بنية تحتية بمليارات الدولارات تنفذه مع باكستان، في وقت سابق من العام الحالي أصبحت روسيا أول دولة تعترف رسمياً بحركة "طالبان" كسلطة شرعية في أفغانستان، وهي خطوة قالت موسكو إنها ستسمح بزيادة التنسيق في مجال مكافحة الإرهاب.

باغرام ركيزة للأمن

ويشير تقرير صادر عن معهد أورايون للسياسات إلى أن قاعدة باغرام تبعد أقل من 1500 ميل عن حقل الصواريخ الصيني في مدينة هامي بإقليم شينغيانغ، وأقل من 500 ميل عن حدود أفغانستان مع إقليم شينغيانغ.وتقدر وزارة الدفاع الأميركية أن الترسانة الصينية تجاوزت بالفعل 600 رأس نووي عملي، وقد تتخطى حاجز الـ1000 بحلول عام 2030، ومن ثم فإن الحديث عن استعادة الولايات المتحدة القاعدة الجوية، دفع وزارة الخارجية الصينية إلى الإعلان عن رفضها تصريحات ترمب والتحذير من أن "إثارة التوتر" لن تكون موضع ترحيب.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي استضاف مركز سياسات بحر قزوين في واشنطن ندوة عرض خلالها ورقة سياسات جديدة بعنوان "مسار عابر لبحر قزوين: استراتيجية أميركية جديدة لآسيا الوسطى والقوقاز"، قدمت توصيات لإدارة ترمب في شأن الانتظام الأميركي الأوسع في المنطقة التي تتمدد فيها الصين اقتصادياً وتاريخياً كان النفوذ الروسي بلا منافس فيها. 

ومن بين تدابير عدة يوصي بها الباحثون الأميركيون من أجل استراتيجية توسع ناجحة للولايات المتحدة في المنطقة، فإنهم يؤكدون ضرورة تشجيع الاستثمارات الأميركية وإدارة الممرات التجارية التي تربط المنطقة بأوروبا والموانئ ونقاط العبور، وكذلك الحاجة إلى تأسيس إطار أمني إقليمي لـ"آسيا الوسطى الكبرى"، يركز على معالجة التهديدات المحلية والإقليمية بما في ذلك الإرهاب العابر للحدود وما وصفته بالاضطرابات الانتهازية الأخرى، وذلك عبر بروتوكولات أمنية مشتركة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والعمليات المشتركة، والتكامل التقني. 

وكانت قاعدة باغرام محورية في الضربات الأميركية ضد "داعش خراسان" وتنظيم "القاعدة"، وحركة "طالبان" الباكستانية، وعام 2025 حذر مسؤولون في الأمم المتحدة من أن "داعش خراسان" لا يزال "أحد أخطر الفروع"، وينشط في أفغانستان وإيران وروسيا.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير