ملخص
قد لا تضع واشنطن الهجوم العسكري المباشر على فنزويلا كخيار أول، بل تلوح به كأداة ردع، فيما تتحرك جدياً على مسارات العقوبات والضغط السياسي والاستخباراتي. ما يحدد أي سيناريو سيتقدم هو حجم التداخل الروسي – الصيني – الإيراني في كراكاس، ومدى قدرة الأخيرة على استخدام نفطها كسلاح سياسي مضاد.
في خضم انشغال العالم بالحرب الدائرة داخل الشرق الأوسط وما تخلفه من ارتدادات إقليمية، وبالتوازي مع الاستنزاف المستمر على الجبهة الروسية – الأوكرانية، تبرز ملامح جبهة جديدة صامتة بين الولايات المتحدة وفنزويلا.
فكراكاس لم تعد مجرد أزمة داخلية محصورة بانهيار اقتصادي أو نزوح بشري ضخم، بل تحولت إلى ساحة تنافس جيوسياسي حيث تتقاطع خطوط النفوذ الروسي والصيني والإيراني في خاصرة أميركا الجنوبية. وعلى ما يبدو أن واشنطن تتعامل مع فنزويلا اليوم كـ"نقطة اختراق" خطرة في حديقتها الخلفية، ليس فقط بسبب احتياطاتها النفطية الهائلة التي يمكن أن تغير معادلات سوق الطاقة العالمية، بل أيضاً لأنها تتهم بإيواء شبكات المخدرات وتوفير بيئة آمنة لحلفاء إيران، وعلى رأسهم "حزب الله".
وفي لحظة دولية تتسم بتعدد الجبهات وضيق هوامش المناورة، ترى الإدارة الأميركية أن ترك فنزويلا خارج السيطرة قد يعني فتح جبهة ثالثة تهدد أمنها القومي وصدقيتها كقوة مهيمنة في نصف الكرة الغربي.
مدمرات أميركية في الكاريبي
وفي أواخر أغسطس (آب) الماضي دفعت واشنطن بثلاث مدمرات إلى سواحل فنزويلا، تبعتها غواصة وطراد وطائرات استطلاع وسفن إنزال، في أكبر تعبئة عسكرية في الكاريبي منذ غزو بنما عام 1989. وعلى رغم التبرير الرسمي بأن الهدف هو استهداف عصابات التهريب، فإن نوعية القطع الحربية المشاركة أثارت شكوكاً واسعة حول نية واشنطن من نشر مدمراتها في مياه الكاريبي.
وبدوره، خلال الثاني من سبتمبر (أيلول) الجاري نشر الرئيس الأميركي دونالد ترمب مقطعاً قصيراً يظهر تفجير الجيش الأميركي زورقاً سريعاً في المياه الدولية بالبحر الكاريبي، وعلق على المقطع بالقول إن عصابة "ترين دي أراغوا" الفنزويلية كانت تستخدمه لتهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة. وأكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال زيارة له للمكسيك أن جيش بلاده دمر القارب، مما أسفر عن مقتل 11 شخصاً، لإرسال رسالة ردع مفادها أن "التدمير" هو الحل وليس التوقيف والتفتيش ومصادرة الممنوعات.
وعلقت صحف أميركية على الحادثة بأن الأمر يتجاوز مهمة مكافحة مهربي المخدرات إلى احتمالية توجيه ضربات داخل الأراضي الفنزويلية، بهدف إضعاف نظام الرئيس نيكولاس مادورو. وبحسب صحيفة "نيويورك تايمز"، وقع ترمب سراً على توجيه لوزارة الدفاع لبدء استخدام القوة العسكرية ضد عصابات المخدرات في أميركا اللاتينية. وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت إن الرئيس مستعد لاستخدام كل الوسائل اللازمة لوقف تهريب المخدرات من فنزويلا.
وتزامنت تلك المعطيات مع قرار تغيير اسم وزارة الدفاع الأميركية إلى وزارة الحرب، وهو ما أثار عدداً من التكهنات حول ما إذا كانت أميركا تستعد لخوض حرب في منطقة الكاريبي وفنزويلا. وفي تصريحات متفرقة لترمب كان وصف التحولات العالمية الخطرة، بأن العالم يقترب من "مرحلة مواجهة كبرى بين المعسكرين الشرقي والغربي"، قائلاً "لماذا الدفاع بينما يمكننا الهجوم؟".
تاريخ النزاعات بين البلدين
منذ منتصف القرن الـ20 شكلت فنزويلا ساحة اختبار للعلاقة بين الولايات المتحدة و"حديقتها الخلفية" في أميركا اللاتينية. ففي زمن الحرب الباردة، اعتمدت واشنطن على النفط الفنزويلي كعنصر أساس لأمن الطاقة، وحافظت على شبكة نفوذ سياسي واقتصادي وثيق، لكن مع صعود الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز عام 1999 انقلب المشهد رأساً على عقب، إذ رفع شافيز شعار "الثورة البوليفارية" (نسبة إلى سيمون بوليفار محرر عدد من دول أميركا اللاتينية التي كانت تخضع للحكم الإسباني منذ القرن الـ16 مثل كولومبيا وفنزويلا والإكوادور وبيرو وبوليفيا وبنما)، وطرد النفوذ الأميركي من الداخل، وبنى تحالفاً استراتيجياً مع كوبا وروسيا والصين وإيران. ومنذ ذلك الحين، تحولت كراكاس إلى خصم معلن لواشنطن في نصف الكرة الغربي، ومركز لاستعراض خطاب "مناهضة الإمبريالية الأميركية".
ومر تاريخ النزاعات بين البلدين بثلاث محطات مفصلية، فخلال عام 2002 دعمت واشنطن محاولة انقلاب فاشلة ضد تشافيز. وكان البيت الأبيض نفى تشجيع الانقلاب الفاشل في فنزويلا معترفاً خلال الوقت ذاته بأن واشنطن أجرت اتصالات مع المعارضة الفنزويلية في تلك الفترة.
بعدها بدأت العقوبات الاقتصادية المكثفة بالتصاعد تدريجاً، وصولاً إلى ممارسة الضغط عبر فرض عقوبات أكبر مع وصول مادورو إلى الرئاسة بعد عام 2013. ولاحقاً اعترفت واشنطن بزعيم المعارضة خوان غوايدو رئيساً انتقالياً خلال عام 2019، مما مثل ذروة المواجهة الدبلوماسية والسياسية بين الجانبين.
أما اليوم، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام واقع استراتيجي أكثر تعقيداً، فنزويلا لم تعد مجرد دولة متمردة بل منصة متقدمة للنفوذ الروسي والصيني والإيراني في خاصرتها الجنوبية. والأهم هو المخزون النفطي الضخم الذي تملكه كراكاس والذي يمكن أن يصبح ورقة تغير توازن سوق الطاقة العالمية إذا بقي في يد خصوم واشنطن.
ماذا تريد الولايات المتحدة من فنزويلا؟
فنزويلا بالنسبة إلى الولايات المتحدة ليست مجرد دولة في أميركا اللاتينية، بل عقدة جيوسياسية تمس الطاقة والأمن والاصطفافات الدولية.
إذ تمتلك كراكاس زويلا واحداً من أكبر احتياطات النفط والغاز الطبيعي في العالم، واحتياطات هائلة من المعادن، إضافة إلى خام الحديد والبوكسيت والذهب والألماس. وتملك موارد معدنية أخرى مثل موارد الطاقة المائية. وبعد أزمة النفط التي ولدتها الحرب في أوكرانيا، بدأت واشنطن تبحث عن بدائل للنفط الروسي. ولذلك فإن إعادة دمج النفط الفنزويلي في السوق العالمية يعد هدفاً حيوياً. وإلى جانب النفط، هناك المعادن الاستراتيجية، كالكولتان، المهمة في الصناعات المتقدمة (الإلكترونيات والصناعات الدفاعية والبطاريات). وخلال يونيو (حزيران) 2024 كان الرئيس الفنزويلي وقع اتفاقاً مع تركيا لاستخراج الذهب في منطقة بجنوب البلاد تنتشر فيها أنشطة استخراج المعادن على نحو غير قانوني. وقال مادورو إن "استثمارات تركيا تهدف إلى الحفاظ على تنمية الذهب في القوس المنجمي" في إقليم أورينوكو، وهي منطقة تبلغ مساحتها نحو 112 ألف كيلومتر مربع، غنية بالذهب والمعادن الأخرى مثل الحديد والكولتان وتشهد أنشطة تنقيب من دون ترخيص.
اللوبي الفنزويلي - الكوبي في ميامي
تراعي واشنطن دائماً ضمن سياستها الداخلية، الجالية الكبيرة من المعارضين (فنزويليين وكوبيين) والتي تضغط ضد أية تسوية مع نظام مادورو. وعادة ما يوظف الحزب الجمهوري هذا الصوت في الانتخابات. وكانت إدارة الرئيس السابق جو بايدن حاولت فتح خطوط تفاوض مع كراكاس من أجل النفط، لكن تلك المحاولات دائماً ما تصطدم بالملفين الحقوقي والسياسي.
أضف إلى ذلك أنه من أهداف البيت الأبيض تحجيم النفوذ الروسي والصيني، ففنزويلا حليف استراتيجي لموسكو وبكين، من السلاح إلى الاستثمارات. وأميركا لا تريد أن تترك "حديقتها الخلفية" تحت نفوذ خصومها، وبخاصة في لحظة تنافس عالمي.
الوجود الإيراني ونفوذ "حزب الله" في فنزويلا
ما يقلق واشنطن أيضاً هو تمدد "الحرس الثوري" والنفوذ الإيراني، و"حزب الله" ضمن الدوائر المقربة من مادورو، خصوصاً بسبب إمكانات تهريب النفط أو التعاون الأمني.
في تحقيق سابق يعود لعام 2019، بعنوان "فنزويلا... منجم الذهب لـ’حزب الله‘"، كانت "اندبندنت عربية" سلطت الضوء على تمدد نفوذ الحزب داخل الأراضي الفنزويلية. واعتبر مصدر متتبع لحركة نقل الأموال إلى "حزب الله"، حينها، أن "دول أميركا اللاتينية ولا سيما كولومبيا وفنزويلا والمكسيك وباراغوي تعد النقطة الأهم في عمليات تمويل ’حزب الله‘، إضافة إلى أفريقيا وتحديداً جمهورية الكونغو وجمهورية بنين، إذ ينشط الحزب في تهريب المخدرات وتبييض الأموال. أما عمليات تحويل الأموال فتحصل عبر نقلها إما بالشحن عبر الطائرات، علماً أنهم يسيطرون على المعابر جواً وبراً وبحراً (خلال ذلك الوقت)، والتقارير الدولية تثبت ذلك، وإما براً عبر الطريق الدولي بين دمشق وبيروت، فهم إذ يستطيعون تهريب الأسلحة والصواريخ، ألن يتمكنوا من تهريب الأموال؟".
"صعب"... من أقوى رجال الظل
وكانت صحيفة "El Tiempo" الكولومبية و"Panam Post" البنمية وغيرهما من وسائل الإعلام اللاتينية، خلال الـ14 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 كتبت تحت عنوان "الولايات المتحدة وإسرائيل، تكشف عن صداقة رجل مادورو الأول مع ’حزب الله‘"، أن هذا الرجل هو أليكس صعب رجل الأعمال الكولومبي. وكشف التحقيق عن علاقة صعب مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو والذي قيل إنه رجله الأول، كما أن تحقيقات أخرى امتدت لنحو عامين من قبل مكتب المدعي العام الكولومبي، كشفت ممارسة صعب وأخويه أمين ولويس تجارة الأقمشة بمبالغ طائلة، وبحسب التحقيقات كانت عبارة عن تجارة وهمية، إذ قام صعب بعمليات نقل كبيرة للأموال بين عامي 2011 و2014 بين كندا وبريطانيا والولايات المتحدة وفنزويلا. ومع أن تجارته في العاصمة الكولومبية بوغوتا كانت مزدهرة إلا أنه أقفلها نهائياً عام 2016. وكشفت التحقيقات حينها عن علاقة تربطه بـ"حزب الله".
واعتقل صعب، وهو مواطن كولومبي منحه مادورو الجنسية الفنزويلية ولقب سفير، خلال يونيو 2020 أثناء توقفه في الرأس الأخضر، ثم سلم إلى الولايات المتحدة ووجهت إليه ولشريكه التجاري ألفارو بوليدو اتهامات بإدارة شبكة استغلت مساعدات غذائية موجهة إلى فنزويلا، حين هرب الملايين من اقتصاد معدم على رغم الثروة النفطية التي تملكها البلاد. ولاحقاً أفرجت واشنطن عن صعب ضمن صفقة تبادل سجناء بين الولايات المتحدة وفنزويلا، مقابل إفراج كراكاس عن 10 محتجزين أميركيين، وذلك خلال ديسمبر (كانون الأول) 2023.
وأظهرت التحقيقات أن لعمل صعب ارتباطاً بما كشفه كتاب Bumeran Chavez الذي يتضمن شهادة نائب وزير المال الفنزويلي رئيس بنك التنمية الاقتصادية والاجتماعية (Bandes) رافاييل عيسى، الذي "كان حاضراً في الاجتماع الذي عقد عام 2007، بين مادورو (كان حينها وزيراً للخارجية) والأمين العام لـ"حزب الله" السابق حسن نصرالله في دمشق، وشهد توقيع اتفاق شمل الاتجار بالمخدرات وغسل الأموال وإمدادات الأسلحة وتسليم جوازات السفر، وكذلك نشر الخلايا لتلك المنظمة الشيعية المتطرفة في فنزويلا". وتذكر الصحيفة الكولومبية أن فنزويلا تعاونت مع "حزب الله" في قضية غازي نصر الدين (اسمه الحركي في الحزب "أبو علي")، وهو ملاحق من قبل وزارة الخزانة الأميركية منذ عام 2008، وكان مطلوباً من الإنتربول، وشغل منصب القائم بأعمال سفارة فنزويلا لدى دمشق، وجرت تسميته لاحقاً مديراً للشؤون السياسية في سفارة فنزويلا لدى لبنان، ومن ثم ظهر في البرازيل حيث أعلنت مصادر لمجلة "فيجا"Veja البرازيلية عام 2015 أن "نصر الدين لديه شبكة لتصنيع وتوزيع جوازات السفر الفنزويلية الأصلية التي جرى توفيرها لإخفاء الهويات الحقيقية للإرهابيين، وتلك التحقيقات أظهرت اسم طارق العيسمي وهو نائب الرئيس الفنزويلي سابقاً ووزير النفط السابق، من أصل سوري ومدرج على قائمة الـ10 المطلوبين الهاربين، بعدما نشرت دائرة الهجرة والمراقبة الجمركية الأميركية (ICE) اسمه بعد اتهامه بـ’الاتجار الدولي بالمخدرات‘". وكانت السلطات الفنزويلية أعلنت اعتقال العيسمي في إطار التحقيق بقضية فساد في "شركة النفط الوطنية الفنزويلية" المملوكة للدولة، خلال أبريل (نيسان) 2024.
وتقول واشنطن إن "حزب الله" يملك شبكات مالية ولوجيستية داخل أميركا اللاتينية، خصوصاً في "المثلث الحدودي" بين باراغواي والبرازيل والأرجنتين. وتتهم أميركا فنزويلا بالسماح لـ"حزب الله" باستخدام أراضيها كمنصة، ومنحت جوازات سفر لعناصر مرتبطة بالحزب، ووفرت بيئة آمنة لغسل الأموال عبر الذهب والنفط والمخدرات، وصفقات تهريب تستخدم لتمويل الحزب.
لماذا هذا الجمع بين المخدرات والإرهاب؟
من الناحية الدعائية، هذا الجمع بين المخدرات والإرهاب يسهل وضع فنزويلا في خانة "التهديد المركب"، كدولة تدعم المخدرات، وتؤوي أو تدعم منظمة تعدها واشنطن إرهابية. ومن الناحية القانونية، هذا يعطي الولايات المتحدة أساساً لتطبيق قوانين "مكافحة الإرهاب" وليس فقط قوانين العقوبات الاقتصادية.
أما من الناحية الجيوسياسية، فقد تربط ملف فنزويلا مباشرة بالصراعات الأميركية داخل الشرق الأوسط، ضد "حزب الله" وإيران، وفي الداخل الأميركي ضد تجارة المخدرات.
فاتهام أميركا لفنزويلا بأنها تؤوي كارتلات المخدرات وتدعم "حزب الله" ليس مجرد اتهام جنائي، بل أداة استراتيجية لتبرير تشديد العقوبات، ولربط فنزويلا بمحور إيران – "حزب الله" – روسيا، ولإقناع الرأي العام الأميركي أن الخطر الآتي من كراكاس ليس بعيداً، بل يصل إلى شوارع ميامي ونيويورك عبر المخدرات والإرهاب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
50 مليون دولار مقابل معلومات عن مادورو
راهناً تتهم واشنطن نظام مادورو بقيادة كارتيل المخدرات "كارتيل دي لوس سولس" (كارتل الشمس)، وهي شبكة غير تقليدية يقال إنها تضم مسؤولين عسكريين ومدنيين داخل الدولة، متورطين في تهريب المخدرات. وأُدرجت الشبكة خلال يوليو (تموز) الماضي على قائمة الإرهاب الأميركية، إلى جانب جماعات مثل "ترين دي أراغوا" و"سينالوا" و"أم أس - 13". ورصدت واشنطن مكافأة قدرها 50 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تفضي إلى اعتقال مادورو.
وجاء رد مادورو عبر تعبئة 4.5 مليون عنصر من "الميليشيات البوليفارية"، وأطلق حملة تجنيد واسعة وتحريكاً للقوات نحو الحدود مع كولومبيا، خشية أن تشكل خاصرة رخوة لمن تدعمهم واشنطن واستخباراتها. وأرسلت فنزويلا سفناً حربية إلى الكاريبي. وأمام عناصر الميليشيات قال مادورو "لا شك في أن فنزويلا ستنتصر مجدداً في مواجهة التهديد الإجرامي للإمبريالية الأميركية. هناك إمبريالية بتهديداتها وصرخاتها وحربها النفسية ونحن هنا بقوتنا وسلطتنا وحقنا في السلام". وأكد ضرورة "الدفاع عن الحق التاريخي في بناء نموذجنا الاقتصادي والسياسي والثقافي والاجتماعي والعسكري"، وحق أميركا اللاتينية "في الاستقلال والسيادة".
هل تستعد الولايات المتحدة لقرار هجومي؟
تتصاعد التقديرات بأن الولايات المتحدة تستعد لخيار هجومي، سياسي أو حتى عسكري، تجاه كراكاس، ليس بالضرورة بهدف إسقاط النظام فوراً بل لإعادة رسم قواعد الاشتباك. وبالنسبة إلى واشنطن، المعركة لم تعد حول نظام مادورو فحسب، بل حول هوية النفوذ في أميركا اللاتينية، هل تبقى ساحة نفوذ أميركي تقليدي، أم تتحول إلى معقل استراتيجي لخصومها العالميين؟
وقد لا تسعى أميركا بالضرورة إلى إسقاط مادورو بالقوة كما حاولت عندما دعمت المعارض خوان غوايدو، فالتجربة أثبتت فشلها. ومع أنها تستضيف معارضين فنزويليين من شخصيات سياسية وناشطين وإعلاميين، كورقة ضغط دائمة على نظام مادورو، ولكن وجود هذه المعارضة داخل واشنطن يسهل توظيفها عند الحاجة كورقة تفاوض أو تهديد.
من هنا قد يكون هناك ميل إلى مقاربة تدريجية، ففنزويلا عنصر غير مستقر في أميركا الجنوبية، ناهيك بالهجرة الضخمة من أراضيها، إذ تشير التقديرات إلى أن المغادرين تخطوا 7 ملايين فنزويلي، وهذه الهجرة تضغط على كولومبيا والبرازيل وتشيلي.
إدارة النظام وليس إسقاطه
من هنا ترى واشنطن أن معالجة الملف الفنزويلي تشكل وسيلة لاستقرار أميركا اللاتينية ككل. بالتالي، ما تريده من فنزويلا قد يكون "التحكم لا التغيير"، وهذا يضمن تدفق النفط عند الحاجة، وذلك يبقي على قدرة أميركا على التأثير في حركة أسعار النفط عبر التحكم بجزء من العرض، ومنع أن يتحول النفط الفنزويلي إلى ورقة حصرية بيد الصين أو روسيا.
وتريد واشنطن إبعاد كراكاس عن موسكو وبكين وطهران، إضافة إلى إدارة أزمة الهجرة إقليمياً. ومادورو بالنسبة إليهم ليس شخصاً لا يمكن التعامل معه، بل ورقة تفاوض قابلة للاستثمار، ما دام بالإمكان مقايضته عبر فتح قنوات تفاوض مشروطة مثل منح تسهيلات نفطية مقابل إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية شفافة، أو السماح بمراقبة دولية عليها والسماح للمعارضة بالمشاركة الفعلية.
ومن الممكن التوصل إلى فتح جزئي لقطاع النفط الفنزويلي أمام الشركات الأميركية، والتعاون في ملف مكافحة تهريب وتجارة المخدرات وغسل الأموال، مع الإبقاء على ورقة الضغط عبر العقوبات كأداة تذكير دائمة، فالأميركيون سيختارون الاحتواء بدل المواجهة.
في المحصلة، قد لا تضع واشنطن الهجوم العسكري المباشر كخيار أول، بل تلوح به كأداة ردع، فيما تتحرك جدياً على مسارات العقوبات والضغط السياسي والاستخباراتي. ما يحدد أي سيناريو سيتقدم هو حجم التداخل الروسي – الصيني – الإيراني في كراكاس، ومدى قدرة فنزويلا على استخدام نفطها كسلاح سياسي مضاد.