Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إصابة ابنتي بجدري الماء كشفت لي أخطار تجاهل اللقاحات

سادت قناعة فيما سبق بأن التقاط عدوى جدري الماء في الطفولة لا تستدعي القلق

ابنة فيكتوريا كانت في عمر ثلاثة أعوام عندما ظهرت عليها بعض البقع خلال عطلة عائلية (فيكتوريا ريتشاردز)

ملخص

المعاناة التي واجهتها طفلة في الثالثة من عمرها بعد إصابتها بجدري الماء كشف لوالدتها أخطار تجاهل اللقاحات، وأظهرت كيف يمكن للمعلومات المضللة والتردد في التطعيم أن تعرض الأطفال لمضاعفات صحية خطرة، خلال وقت باتت فيه الوقاية متاحة ومجانية.

جميعنا يعرف "جدري الماء" chickenpox، فمعظمنا أصيب به خلال مرحلة الطفولة. لذا، حين ظهرت على بشرة ابنتي بعض البقع الحمراء خلال عطلتنا العائلية، لم أشعر بقلق يذكر، باعتباره "طقس عبور" لا بد منه. أليس كذلك؟

كنا في إجازة خارج البلاد لمدة أسبوعين كاملين، ولحسن الحظ، كنا نقيم عند أصدقاء في مكان دافئ نستمتع معهم تحت أشعة الشمس، بعد رحلة جوية شاقة استغرقت 18 ساعة متواصلة لنصل إلى جزيرة ناساو في جزر البهاماس.

ظهرت على الجزء الأوسط من جسد طفلتي بقع حمراء صغيرة تثير الحكة، وبدت كما لو أنها لدغات حشرات، ثم امتدت إلى وجهها. والداي من جيل طفرة المواليد [التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية] لم يعيرا المسألة اهتماماً كبيراً، فقد اعتادا خلال ثمانينيات القرن الـ20 اصطحابنا إلى ما يسمى "حفلات الجدري"، إذ يجلب الآباء والأمهات والمربون صغارهم إلى منزل طفل مصاب بجدري الماء. لم يكتفوا بالسماح لنا بالتواصل معه، بل كانوا يحثوننا على ذلك، رغبة منهم في أن نلتقط عدوى الفيروس سريعاً "وننتهي من هذه التجربة" خلال وقت مبكر من عمرنا، على حد تعبيرهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

آنذاك، سادت قناعة لدى الجميع بأن التقاط عدوى جدري الماء في الطفولة لا تستدعي القلق، في حين ترافق الإصابة به في سن متقدمة أعراض مؤلمة، وربما تشكل تهديداً حقيقياً للصحة. وكان كثر يؤمنون بأن هذا الداء لا يصيب الإنسان سوى مرة واحدة في الحياة، لذا رأوا أن التقاط العدوى في عمر مبكر جداً لا يسمح لك بأن تتذكرها حتى، خيار مجد يستحق المخاطرة. ولكن كم كانوا مخطئين.

عندما بدأت أعراض جدري الماء تظهر على ابنتي، تصاعدت حدتها وازداد ألمها بشدة، فلم يغمض لنا جفن طوال أسبوع كامل. كانت تبلغ من العمر آنذاك ثلاث سنوات فحسب، وغطت أكثر من 100 بقعة حمراء عينيها وفمها، إضافة إلى أذنيها من الداخل. كذلك انتشرت تلك البقع على قدميها وساقيها وجذعها وظهرها وذراعيها، حتى إنها ظهرت تحت إبطيها أيضاً.

ثم، عندما كان كل ما نتمناه أن نعود بها إلى المنزل، منعت من السفر بالطائرة (قرار محبط ولكنه مبرر) لمنع انتشار العدوى.

"يا لحظكم السيئ أيها المساكين. أنتم عالقون في جزر البهاماس لأسبوع آخر!"، كانت هذه التعليقات تتوالي ممزوجة بالسخرية والغمز [كما لو أننا في إجازة ممتدة وليس معاناة حقيقية]. صحيح أننا بقينا في جزر البهاماس، ولكننا أيضاً لم نستطع الخروج من المنزل، لأن الشمس كانت تزيد من حدة الألم الذي تكابده ابنتي في بشرتها. مكثنا في غرفة مظلمة، خوفاً من تفشي العدوى أكثر. كذلك عجزت صغيرتي عن النوم، ولم تتوقف عن البكاء، وأصيبت بحمى، إضافة إلى بعض البقع التي حكتها بأظفارها علها تخفف ألمها، لكنها أصيبت بالالتهاب وبدأ القيح يخرج منها. وحتى بعد مرور عقد من الزمن، ما زالت آثار الندوب ظاهرة على بشرتها.

وبعد يأس شديد في العثور على أي علاج يخفف عنها وطأة الألم، ربما كريم "الكالامين" calamine المهدئ لتخفيف الحكة، وجدنا أخيراً طبيباً أميركياً من فلوريدا. ما إن رأى حالتها حتى عقد حاجبيه عندما أخبرناه بأنها لم تتلق اللقاح المضاد لجدري الماء. قال بنبرة استغراب واضحة: "ألا تقدم المملكة المتحدة تطعيمات ضد هذا المرض؟".

أدرجت الولايات المتحدة لقاح جدري الماء ضمن جدول التطعيمات الأساس التي تعطى للأطفال منذ عام 1995. أما في المملكة المتحدة، وحتى وقت قريب، كان الحصول على الجرعتين غير ممكن إلا عبر القطاع الخاص، وبكلفة تقارب 200 جنيه استرليني. ولكن لحسن الحظ، سيتغير هذا الوضع قريباً.

فقد أعلنت السلطات الصحية داخل المملكة المتحدة أن جميع الأطفال في إنجلترا وويلز سيحصلون على لقاح جدري الماء مجاناً عبر "هيئة خدمات الصحية الوطنية"، ابتداء من يناير (كانون الثاني) المقبل. يبعث هذا القرار على الارتياح، إذ لن تضطر العائلات الأخرى إلى خوض التجربة نفسها التي مررنا بها.

بناء عليه، سيحصل الأطفال على جرعتين الأولى في عمر 12 شهراً والثانية في عمر 18 شهراً، كجزء من اللقاح "أم أم آر"MMR  المعتمد حالياً (والذي يوفر الحماية من الحصبة measles والنكاف mumps  والحصبة الألمانية rubella)، على أن تنظم الجهات المعنية حملة لتطعيم الأولاد الأكبر سناً لاحقاً.

في الحقيقة، لقد تأخرنا كثيراً في بريطانيا عن اتخاذ هذه الخطوة. تجاهلنا الخطر وتهاونا معه لعقود طويلة. ولا عجب في أن حفلات العدوى المقصودة بـ"جدري الماء"، التي كانت رائجة خلال ثمانينيات القرن الـ20 وتسعينياته، انقلبت وبالاً على أصحابها. عمي، البالغ من العمر 76 سنة، يعاني اليوم "القوباء المنطقية" [المعروفة أيضاً بـ"الهربس النطاقي"، عدوى فيروسية تسبب طفحاً جلدياً مؤلماً على صورة بثور] بعد أعوام طويلة من حضوره تلك الحفلات، ذلك أن فيروس النطاقي الحماقي "(فاريسيلا-زوستر أو "في زج في" VZV اختصاراً)، المسبب لجدري الماء، لا يزول من الجسم، بل يبقى كامناً في الخلايا العصبية، وقد يعاود نشاطه بعد مرور عقود من الزمن، خصوصاً في سن الشيخوخة. وحينها، يشكل خطراً حقيقياً على المرضى، لا سيما من يملكون جهاز مناعة ضعيفاً.

ولكن جدري الماء كان خطراً آنذاك أيضاً، حتى بالنسبة إلى الأطفال. من مضاعفاته مثلاً الالتهاب الرئوي، والتهاب الدماغ (التهاب المخ)، و"متلازمة راي" [حالة مرضية خطرة تسبب التورم في الكبد والدماغ]. أضف إلى ذلك أن الإصابة به أثناء الحمل تفاقم خطر التعرض لأمراض خطرة، أو تشوهات خلقية للجنين، أو حتى ولادة مبكرة.

نتيجة تلك التجربة المرعبة مع جدري الماء (ولست أستخدم كلمة "مرعبة" باستخفاف، فقد أمضيت أسابيع في المستشفى إلى جانب ابنتي حين كانت صغيرة وتعاني حالة صحية خطرة، وأنا أعلم تماماً ما معنى أن تكون التجربة "مرعبة")، قطعت عهداً على نفسي، عندما رزقت بطفلي الثاني، أن أعطيه اللقاح المضاد ضد المرض في أقرب فرصة ممكنة. ودفعت ثمن الجرعة من جيبي بكل سرور.

وآمل أن يقبل الآباء والأمهات الآخرون على هذه الفرصة بتفكير سليم. ولكني أخشى أن كثراً لن يقدموا على ذلك.

للأسف، نعيش في زمن يسوده التشكيك في "الخبراء" نتيجة حملات التخويف التي يروج لها أشخاص من أمثال وزير الصحة الأميركي روبرت ف. كينيدي الابن. لقد شهدنا ذلك خلال جائحة "كورونا"، إذ سمعنا دعوات من الرئيس دونالد ترمب تحث الناس على "شرب مواد تنظيف مطهرة" للقضاء على الفيروس. كذلك تابعنا أخيراً حملة شنتها الإدارة الأميركية ضد اللقاحات الروتينية المضادة، على رغم التحذيرات الطبية الصريحة.

حتى في المملكة المتحدة، يشكك بعض في خطورة "كوفيد-19"، ويصرح هؤلاء بفخر بأنهم "ضد اللقاحات"، ويجاهرون بذلك كما لو أنه موقف بطولي، علماً أنه في الحقيقة سلوك معيب وخطر. لقد شاهدنا الخرافات الهيستيرية التي يروج لها أصحاب نظرية المؤامرة على الإنترنت. وندرك أن المعلومات المضللة، إلى جانب التأثير السيئ لهؤلاء المعارضين للقاحات، فضلاً عن الخفوض القاسية في موازنات الرعاية الصحية، أدت إلى تراجع عدد الأهالي الذين يحرصون على حماية أطفالهم من أمراض مميتة من قبيل الحصبة. والنتيجة المباشرة: وفاة أعداد أكبر من الأولاد.

يقول متخصصون اليوم إن عدداً كبيراً جداً من الصغار يدخلون المرحلة الابتدائية من دون أن يتلقوا اللقاحات الروتينية المعتمدة، مما يعرض حياتهم وحياة المحيطين بهم للخطر. وأخيراً، تبين أن المملكة المتحدة تحتل المرتبة الأسوأ أداء بين دول "مجموعة السبع" في ما يخص لقاح الحصبة، في حين أظهرت بيانات نشرت الأسبوع الجاري أن معدل التطعيم باللقاح "أم أم آر" في لندن انخفض إلى ما دون الحد الذي حددته "منظمة الصحة العالمية" لتحقيق المناعة الجماعية. كذلك حذر أحد كبار خبراء الأمراض من أن مئات الأشخاص قد يلقون حتفهم في حالات تفشٍ مستقبلية للحصبة خلال الـ20 عاماً المقبلة، ما لم ترتفع معدلات التطعيم بصورة كبيرة.

يبقى أن الوضع الصحي داخل المملكة المتحدة مقلق جداً، وصدقوني "جدري الماء" (إذا ابتلي طفلكم بالإصابة به) ليس بالمرض الهين. ولكن لحسن الحظ صار في وسعنا جميعاً مواجهته: أن نعطي أطفالنا اللقاحات. فمن أين إذاً ينبع الخوف هذا عند الأهل؟

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من صحة