ملخص
يمكن أن يخرج ارتفاع معدل البطالة عن السيطرة بسرعة، إذ لا يزال المعدل البالغ 4.3 في المئة يقع ضمن نطاق التوظيف "الصحي" الكامل، ولكن إذا استمر في الصعود، فهذه مشكلة كبيرة.
لابعد أعوام من فرص العمل الوفيرة والزيادات الكبيرة في الرواتب والإنفاق المتسارع بسبب الجائحة، يواجه العمال الأميركيون الآن واقعاً اقتصادياً مؤلماً مع صعوبة العثور على عمل وتزايد عدد القطاعات التي تسرح عمالاً.
وأشار أحدث تقرير للوظائف إلى أن الاقتصاد الأميركي أضاف نحو 22 ألف وظيفة خلال أغسطس (آب) الماضي، وارتفع معدل البطالة إلى 4.3 في المئة، أعلى مستوى له منذ ما يقارب أربعة أعوام.
وقال المتخصص في الشأن الاقتصادي دانيال تشاو من "غلاس دور" إن "سوق العمل تتعثر وتتباطأ بسرعة خطرة، ونمو الوظائف شبه معدوم، وإذا كانت سوق العمل تظهر علامات ركود، فهذا لا يبشر بالخير للاقتصاد بصورة عامة".
سوق التوظيف تتحول إلى المنطقة السلبية
وخلال الشهر الماضي، لم يكُن نمو الوظائف ضعيفاً وحسب، بل تحول أخيراً إلى سلبي، فخلال الأشهر الثلاثة الماضية شهد الاقتصاد الأميركي زيادة صافية بلغت نحو 9 آلاف وظيفة شهرياً، وفقاً لبيانات مكتب إحصاءات العمل.
وباستثناء الانخفاض الهائل في التوظيف مع بداية الجائحة، يعد هذا أبطأ متوسط لثلاثة أشهر منذ صيف عام 2010، عندما كانت الولايات المتحدة لا تزال تشق طريقها للخروج من الركود الكبير.
وكان سبب انخفاض هذا المتوسط تقرير يونيو (حزيران) الماضي السلبي ويظهر التعديل الثاني لذلك الشهر (الذي يتضمن تقارير أكثر شمولاً من الشركات الأميركية) خسارة صافية قدرها 13 ألف وظيفة.
وفقدت الصناعات وظائف أكثر في أغسطس الماضي من الوظائف التي أضافتها، إذ يحوي تقرير الوظائف مؤشراً صغيراً معقداً ويقصد به إظهار نطاق تغييرات التوظيف عبر 250 قطاعاً من القطاع الخاص.
وإذا كان هذا المؤشر أعلى من 50 نقطة، فهذا يعني أن الصناعات أضافت وظائف أكثر من الوظائف التي فقدتها، وظل أقل من 50 نقطة منذ أبريل (نيسان) الماضي وبلغ 49.6 نقطة في أغسطس الماضي، ومع ذلك كانت غالبية هذه المكاسب ضئيلة.
وبالنسبة إلى أكثر القطاعات تضرراً، فهي تلك العاملة في قطاع السلع، إذ أوضح المتخصص في الشأن الاقتصادي الأميركي لدى شركة "آر أس أم" جو بروسويلاس أن "تأثير سياسة التعريفات الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب والطريقة المتذبذبة التي تطبق بها لا يمكن إنكاره في سوق الوظائف".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأضاف أن "شركات السلع سجلت أربعة أشهر متتالية من الانخفاض منذ مايو (أيار) الماضي، والتصنيع الذي كان من المفترض أن يستفيد من سياسات التجارة التقييدية تراجع بدلاً من ذلك مع تفاقم حال عدم اليقين في سلسلة التوريد".
وأشار إلى تقلص الفرص بصورة متزايدة، إذ كان قطاع الرعاية الصحية محركاً رئيساً لنمو الوظائف خلال الأعوام الأخيرة، وأصبح الآن عملياً الخيار الوحيد المتاح، فأضافت شركات الرعاية الصحية ما يقدر بـ46800 وظيفة الشهر الماضي.
ومع ذلك، لا يمثل هذا القطاع سوى 15 في المئة من إجمال الوظائف في الولايات المتحدة، وفقاً لبيانات مكتب إحصاءات العمل.
وتعليقاً على ذلك، قال رئيس قسم الاقتصاد لدى "لينكد إن" للأميركتين كوري كانتينغا "بالنسبة إلى 85 في المئة من العاملين، لا يشهدون كثيراً من الوظائف المضافة".
الأزمة تنطلق من مناجم الفحم
ويبدو أن ناقوس الخطر بدأ يدق في منجم الفحم بعدما ارتفع معدل البطالة بين العمال السود في الولايات المتحدة مرة أخرى الشهر الماضي إلى 7.5 في المئة، وهو أعلى مستوى منذ أكتوبر (تشرين الأول) عام 2021.
وخلال الشهرين الماضيين، ارتفع معدل البطالة بين العمال السود بصورة ملحوظة، إذ قفز من ستة إلى 6.8 في المئة في يونيو الماضي، ثم زاد إلى 7.2 في المئة خلال يوليو (تموز) الماضي.
وضمن مذكرة بحثية حديثة، قال المتخصص في الشأن الاقتصادي دين بيكر "عادة ما يرتفع معدل البطالة بين العمال السود أكثر من العمال البيض عندما تضعف سوق العمل، لكنهما عادة ما يتحركان في الاتجاه نفسه".
وبالمقارنة، انخفض معدل البطالة بين العمال البيض بمقدار 0.1 نقطة مئوية، ليصل إلى 3.7 في المئة، وغالباً ما يعتبر ارتفاع معدل البطالة بين السود بمثابة "مؤشر إنذار مبكر"، إذ يحذر من تباطؤ أوسع نطاقاً في سوق العمل.
ويعمل العمال السود بصورة غير متناسبة في القطاعات ذات الأجور المنخفضة والقطاعات ذات الأولوية، إضافة إلى القوى العاملة الحكومية، وقد حذر خبراء اقتصاديون في وقت سابق من هذا العام من أن التغييرات الجذرية التي أدخلها ترمب على سياساته المتعلقة بالتجارة والهجرة وخفوض التوظيف الفيدرالي، فضلاً عن حملة قمع جهود التنوع والمساواة والشمول، قد تعيد بعض المكاسب التاريخية في التوظيف التي حققتها أخيراً النساء والعمال السود واللاتينيون وغيرهم من الأميركيين غير الممثلين تمثيلاً كافياً.
هل تتجه الأمور نحو الأسوأ؟
وتعوق الرياح الاقتصادية المعاكسة وعدم اليقين سوق التوظيف، إذ يشير دانيال تشاو إلى أنه لا يوجد سبب واحد لتباطؤ سوق العمل، ولكن عدم اليقين لم يساعد بالتأكيد، قائلاً "حتى قبل هذا العام، كانت سوق العمل في اتجاه تباطؤ، وكانت أسعار الفائدة مرتفعة نسبياً"، مستدركاً "لكننا نرى من خلال بيانات الأشهر الأخيرة أن بعض هذه القطاعات الحساسة للرسوم الجمركية مثل التصنيع أو البناء تباطأت بل بدأت في الواقع تفقد وظائف".
وأضاف "يبدو أن هناك بعض التأثير الناجم عن التعريفات الجمركية وعدم اليقين المرتبط بها"، لافتاً إلى أن الأمر لا يقتصر على فرض هذه التعريفات، بل إن عدم اليقين السياسي يصعب على الشركات التزام خطط التوظيف".
ويمكن أن يخرج ارتفاع البطالة عن السيطرة بسرعة، إذ لا يزال المعدل البالغ 4.3 في المئة يقع ضمن نطاق التوظيف "الصحي" الكامل، ولكن إذا استمر في الارتفاع، فهذه مشكلة كبيرة.
وظلت البطالة منخفضة نسبياً، ويعود ذلك جزئياً لتراجع الطلب على العمالة، إضافة إلى تدني العرض (خروج الأشخاص من القوى العاملة مع تقدمهم في السن، فضلاً عن انخفاض أعداد العمال المهاجرين).
وقال تشاو "لكن مع بدء ارتفاع البطالة، فإن ذلك يشير إلى أن هذا ليس فقط بسبب التحولات في جانب عرض العمالة، عندما تبدأ البطالة بالارتفاع، يمكن أن تتراكم هذه الآثار بسرعة كبيرة وبصورة غير متوقعة".