Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مشروع توسعي يهدد ديموغرافية الشرق الأوسط

التغييرات تطاول دولاً عدة في المنطقة لا سيما فلسطين والأردن ومصر ولبنان وسوريا

وزير المالية الإسرائيلي بتسلإيل سموتريش يحمل خريطة لمخطط استيطاني في الضفة الغربية (أ ف ب)

ملخص

مشروع "إسرائيل الكبرى" يتجاوز التوسع الجغرافي ليشكل تهديداً ديموغرافياً واسعاً، عبر تهجير الفلسطينيين وتكثيف الاستيطان في الضفة وغزة، مع أخطار نزوح جماعي نحو الأردن ومصر ولبنان. هذه التحولات قد تعيد سيناريوهات النكبة والنكسة، وتضع المنطقة أمام أزمات سياسية واقتصادية عميقة، في ظل عجز أو تلكؤ دولي عن كبح المخطط الإسرائيلي.

في خضم حرب غزة والاستعدادات الإسرائيلية لاجتياح مدينة غزة والسيطرة عليها، بالتزامن مع مضي مخططات التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في 12 أغسطس (آب) الماضي، بتصريحات علنية صريحة يؤكد فيها ارتباطه بـ"رؤية إسرائيل الكبرى"، قائلاً إنه في "مهمة أجيال نيابة عن الشعب اليهودي". تصريحاته أثارت تنديداً ورفضاً عربياً واسعاً، ووضعت دول المنطقة أمام سيناريو خطير إذا مضت الحكومة الإسرائيلية في تنفيذ مخططاتها، من شأنه أن يتسبب بعاصفة ديموغرافية ستطاول تداعياتها الشرق الأوسط بأسره.

فماذا يعني مشروع إسرائيل الكبرى وما هي التغييرات الديمغرافية التي سيحملها في فلسطين والمنطقة العربية إذا ما تحقق؟ وهل نحن أمام موجات هجرة جماعية جديدة على غرار موجات النكبة والنكسة؟

إسرائيل الكبرى

لا تعريف محدداً أو واحداً لمشروع إسرائيل الكبرى، بل هي فكرة تعود إلى ما قبل قيام الدولة الإسرائيلية، وتحديداً إلى نقاشات وطروحات الحركة الصهيونية بشأن حدود الدولة الإسرائيلية المزمع إنشاؤها، وهي مسألة استمر التداول بشأنها حتى بعد إعلان قيام إسرائيل ومع توالي حروب وأحداث الصراع الفلسطيني– الإسرائيلي.

يعيد البعض حدود إسرائيل الكبرى إلى أرض الميعاد، أو ما يعرف بأرض إسرائيل الكاملة، التي وعد بها الله إبراهيم وفق ما جاء في سفر التكوين في التوراة، والممتدة "مِن وادي العريش إِلى النهر الكبير، نهر الفرات"، أي من النيل في مصر إلى الفرات في العراق. ووفق هذا التعريف، يشمل مشروع إسرائيل الكبرى أراضي في كل من فلسطين والأردن ولبنان وسوريا ومصر والعراق والسعودية.

طروحات أخرى للمشروع لا تذهب إلى هذا الحد من التوسع، بل تعتبر أن أراضي إسرائيل الكبرى تشمل كامل فلسطين، أو فلسطين والأردن، أو حتى الأراضي التي احتلتها قوات تل أبيب في عام 1967 والتي تشمل الضفة الغربية وغزة وصحراء سيناء ومرتفعات الجولان السورية.

 

هجرات النكبة والنكسة

مهما اختلفت التفسيرات، يبقى الأكيد أن مشروع إسرائيل الكبرى يشمل السيطرة على أراض فلسطينية خاضعة للاحتلال حالياً والتوسع في احتلال أراض إضافية في دول عربية مجاورة.

وجاءت حرب غزة والتطورات التي رافقتها لتعزز المخاوف من المساعي الإسرائيلية على هذا الصعيد. فتصريحات نتنياهو عن إسرائيل الكبرى لا تنفصل عما تشهده غزة من عمليات ترحيل ونزوح قسري للسكان والدعوات الإسرائيلية الرسمية للفلسطينيين لمغادرة القطاع طوعاً، فضلاً عن الأحاديث التي خرجت عن محادثات خلف الكواليس تجريها تل أبيب مع دول عدة لبحث إمكانية استقبالها وتوطينها للفلسطينيين في ظل الرفض العربي القاطع لتهجيرهم. أضف إلى ذلك تصاعد عمليات التهجير القسري التي تشهدها الضفة الغربية منذ اندلاع حرب غزة وتوسع العمليات الاستيطانية على رغم الرفض الدولي لهذه المخططات ومخالفتها للقانون الدولي.      

وكل ذلك يذكر بموجات الهجرة الجماعية التي عاشها الفلسطينيون في أعقاب نكبة عام 1948 ونكسة 1967، والتي أسفرت عن هجرة ملايين الفلسطينيين إلى الدول العربية المجاورة، لا سيما لبنان والأردن وسوريا. ولا يمكن الإغفال عن التداعيات الكارثية لهذه الهجرات على الشعب الفلسطيني من جهة والدول المستضيفة من جهة أخرى، بما فيها أحداث أيلول الأسود في الأردن عام 1970 وانخراط الفصائل الفلسطينية في الحرب اللبنانية التي امتدت من 1975 حتى 1990 بعدما شكلوا سبباً أساسياً لاندلاعها.

فما الذي يمكن أن يحمله مشروع إسرائيل الكبرى من تغييرات ديموغرافية في المنطقة إذا ما حصل؟

 

التوسع الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية

في الأراضي الفلسطينية، ستعمد إسرائيل إلى إفراغ القرى من سكانها الفلسطينيين وتهجيرهم قسراً مقابل تكثيف الاستيطان في الضفة الغربية والقدس، وهو مسعى نراه يتبلور فعلياً في الوقت الحالي. في غزة، يقول أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في باريس زياد ماجد، أنه "من الواضح أن الهدف الإسرائيلي إضافة إلى التدمير الكامل، هو طرد أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين"، مشيراً إلى تسريبات خرجت أخيراً تشير إلى "استمرار التشجيع على ما يسمى المغادرة الطوعية، بما في ذلك دفع بعض المبالغ من المال لإفراغ قطاع غزة من السكان، أو على الأقل من أكبر عدد ممكن من السكان". ويوضح ماجد أن "مدينة غزة هي ديموغرافياً أكبر مدينة في فلسطين التاريخية، بما يشمل إسرائيل والأراضي الفلسطينية، فهي الثقل الفلسطيني الديموغرافي الأهم، وكانت على الدوام هاجساً إسرائيلياً. لذلك، يشكل التعديل السكاني فيها واحداً من أهداف حرب الإبادة المستمرة". ويضيف أن تل أبيب تستفيد حالياً من "الموقف الأميركي في ظل إدارة دونالد ترمب وكل ما تسرب من أخبار عن مشاريع إعمارية لما بعد الحرب، والمشترك فيها هو عدم وجود غزاويين".

أما في الضفة الغربية، فالوضع أكثر صعوبة بالنسبة لإسرائيل وفق ما يقول ماجد، موضحاً أنها تركز جهودها لإحداث تعديل ديموغرافي في المنطقة "ج" وفق تقسيم اتفاقية أوسلو. ويضيف، "التركيز هو على ضم هذه المنطقة، وهي منطقة مساحتها 60 في المئة من مساحة الضفة، وعدد السكان الفلسطينيين فيها نحو 200 ألف، أي أنها ليست مأهولة على نحو كثيف، إضافة إلى أنها تضم الثقل الاستيطاني الإسرائيلي. وفي الأشهر الماضية، تم تهجير آلاف الفلسطينيين منها، وقد نشهد محاولات تهجير لسكان إضافيين كي تنفذ إسرائيل ما صوت عليه برلمانها وما نعرفه عن خطتها لضم الضفة الغربية"، في إشارة إلى موافقة الكنيست في نهاية يوليو (تموز) الماضي على إعلان يدعم ضم الضفة الغربية، وبذلك تسعى إسرائيل "لإنهاء ليس فقط الاستمرارية الترابية على صعيد الأراضي بين المناطق الفلسطينية، بل أيضاً لتنفيذ عهد قطعه اليمين المتطرف على نفسه منذ زمن، وهو بات في موقع القرار في ظل حكومات نتنياهو".

موجات نزوح جديدة وطويلة

إذا ما تمكن الإسرائيليون من المضي في مخططاتهم، فإننا سنشهد وفق أستاذ العلوم السياسية موجات نزوح فلسطيني جديدة نحو خارج فلسطين وحتى داخل الضفة الغربية من منطقة إلى أخرى. ويوضح أنه في غزة، "قد يكون هناك تهجير داخلي لفترة طويلة ليس بسبب التدمير فحسب، بل أيضاً بسبب إجراءات قد تؤخذ لمنع العودة ضمن القطاع ذاته. ويعني ذلك أنه كلما زادت الكثافة في منطقة ما، ستصبح ظروف الحياة فيها أصعب، مما يسهل على إسرائيل الهدف وهو طرد السكان".

وإذا كانت إسرائيل تعتمد "القصف والتدمير والإبادة والقضاء على مقومات الحياة" في غزة لتنفيذ أهدافها، فهي تستخدم أساليب متنوعة لتهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية، تشمل بحسب ماجد "جرف المنازل وقطع الأشجار وسرقة المواسم الزراعية وقطعان الغنم والماشية، إضافة إلى الهجمات التي يشنها المستوطنون على المناطق الفلسطينية تحت غطاء الجيش"، وكل ذلك يجري "في ظل دعم أميركي وصمت وعجز أو حتى تواطؤ أحياناً أوروبي وعربي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الأردن ومصر

أما في ما يتعلق بالتداعيات الديموغرافية لمشروع "إسرائيل الكبرى" على الأردن ومصر ولبنان وسوريا، فالأمر أكثر تعقيداً. فإضافة إلى طموحات بعض الإسرائيليين بضم أجزاء من هذه الدول وما قد يترتب عن ذلك من صراعات جديدة في المنطقة ومن ضغوط وأزمات اجتماعية واقتصادية في هذه البلدان، تخشى مصر والأردن من أي طرد للفلسطينيين من الضفة الغربية وغزة نحو أراضيهما وتأخذان إجراءات لمنع حدوث ذلك، وقد تبلور موقفاهما في الرفض القاطع لدعوات ترمب لهما لاستقبال سكان غزة وتمسكهما بالإقفال التام للحدود. الأردن من جهته لديه اعتبارات ترتبط بتركيبته السكانية والخشية من أن يؤدي أي تدفق للاجئين الفلسطينيين إلى تغييرها بشكل كبير، ما يهدد بجعله ساحة مواجهة جديدة للصراع الفلسطيني– الإسرائيلي ما يقوّض الهوية الوطنية الأردنية ويضعف الدولة المركزية فيها. مصر من جهتها تخشى من تحميلها مسؤولية أي تهجير لفلسطينيي غزة، بحسب ماجد.

 

لبنان وسوريا

في لبنان أيضاً مخاوف من تدفق اللاجئين الفلسطينيين إذا ما تعرضوا لموجة تهجير جماعية جديدة، لما لذلك من تأثيرات ديموغرافية كبيرة على تركيبته السكانية الحساسة في بلد تشكل الطائفية فيه أساساً للنظام السياسي وتوزيع النفوذ والقوة فيه. فضلاً عن ذلك، فإن الأراضي اللبنانية نفسها تعاني من تداعيات المشروع التوسعي الإسرائيلي، فوفق الظروف الراهنة يقول ماجد إن "هناك تهجيراً لعدد من أبناء القرى الجنوبية اللبنانية مع رفض إسرائيلي لعودتهم حتى بعد وقف إطلاق النار، ولذلك جاء مشروع ترمب حول ما يسمى بالمنطقة الاقتصادية العازلة"، في إشارة إلى ما ذكره موقع "أكسيوس" الأميركي عن خطة لإقامة منطقة اقتصادية في جنوب لبنان تقوم على تحويل القرى والبلدات الحدودية إلى منصة اقتصادية عبر إنشاء مشاريع استثمارية وصناعية وخدماتية فيها تضعها خارج مجال المواجهة العسكرية بين البلدين. ويوضح أستاذ العلوم السياسية أن "التبديل الديموغرافي القسري حصل ولو كان موقتاً، فآلاف اللبنانيين فقدوا منازلهم أو القدرة على السكن في عدد من القرى الحدودية وهذا بذاته يترك تأثيراً أساسياً في الوضع اللبناني ووضع الحدود بشكل عام"، وعلى رغم ذلك يبقى الوضع في لبنان "معلقاً ولا يوجد أمر حاسم فيه حتى الآن".

في سوريا كذلك اتخذت إسرائيل خطوات من شأنها دعم مشاريعها التوسعية. يقول ماجد، "المنطقة العازلة في سوريا التي كانت تصنف هكذا بعد حرب الـ 1973 ووقف إطلاق النار في الـ 1974، أصبحت الآن تحت الاحتلال الإسرائيلي، وستفاوض إسرائيل عليها إضافة إلى مفاوضتها على المسألة الدرزية واستخدام هذه المسألة لإبقاء الجنوب السوري إما تحت وصايتها أو ببعض أجزائه تحت احتلالها في ظل عجز حكومة دمشق عن الرد سياسياً أو عسكرياً بسبب وضع سوريا الحالي والحالة الاقتصادية والحاجة لمساعدات دولية، فيما ستشترط أميركا حكماً تفاهمات مع إسرائيل قبل تلبيتها أي حاجات سورية. لكن أيضاً تبقى الأمور الآن معلقة من دون حسم ومن دون مسار واضح".

وفي ما يتعلق بالتداعيات المحتملة لمشروع إسرائيل الكبرى على دول أخرى في المنطقة، فيشير ماجد إلى أن "مشاريع طرد سكان غزة هي مشاريع تريد إبعادهم عن المنطقة قدر المستطاع، وفي هذا السياق جرى ذكر ليبيا، وجنوب السودان، وكينيا وأخيراً ذكرت إندونيسيا إضافةً إلى بعض الدول الغربية، لكن المسألة أكثر تعقيداً من ذلك".

معركة طويلة

أمام كل ما يحدث، يقف المجتمع الدولي عاجزاً عن وقف انتهاكات إسرائيل للقوانين الدولية، حتى بعدما وصلت غزة إلى المجاعة. لذلك، يرى ماجد أن "هذه معركة طويلة الأمد، لا يعول فيها على الحكومات الغربية إلا باستثناءات قليلة مثل إيرلندا وإسبانيا، إلى حد ما بلجيكا والدنمارك وهولندا، وربما دول أخرى مثل النرويج أو حتى السويد. لكن لا يعول كثيراً على الحكومات بقدر ما يعول على بعض دول الجنوب مثل جنوب أفريقيا أو البرازيل، وعلى المنظمات الحقوقية الكبرى وعلى ما نراه من تحركات مواطنية، أي تحركات المجتمعات المدنية في الكثير من الدول، وعلى حقوقيين يريدون مواصلة المعركة مع إسرائيل في المجالات الحقوقية، وعلى طلاب الجامعات والأكاديميين، لكن كل هذا يأخذ وقتاً وقد تأتي نتائجه متأخرة في ما يتعلق بالكارثة والإبادة في غزة وفي فلسطين عامة". ويوضح ماجد أن "المعركة الحقوقية والثقافية والسياسية مهمة طبعاً للتأثير في الرأي العام وهي أولوية بالنسبة لكثر اليوم، وكلما تطورت وكان لها تأثير على القرارات كان ذلك أفضل للفلسطينيين، لكنها نتائجها قد تأتي متأخرة لأن الأمور على الأرض تسير بسرعة وحرب الإبادة تتسارع".

في المحصلة، مشروع "إسرائيل الكبرى" ليس مجرد توسع جغرافي، بل إعادة تشكيل للهوية السكانية والسياسية في المنطقة. فهل يمكن للدول العربية وضع استراتيجية لمواجهة هذا السيناريو؟

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير