ملخص
يُنظر إلى الصراع المستمر في جنوب السودان على أنه مجرد تنافس على السلطة بين الرئيس سلفا كير ونائبه السابق رياك مشار، لكن الواقع أنها أزمة متجذّرة بعمق، تغذيها شبكة معقدة من تسليح الهويات الإثنية، وصراع عنيف على شبكات المصالح القائمة على النفط، وأيضاً أجندات لبعض القوى الإقليمية
تشكّل الصراعات القائمة في جنوب السودان أحد المعطيات الرئيسة في التقدير الدولي الراهن بأن تقسيم الدول على أسس عرقية لا يُنتج بالضرورة دولاً قادرة على إنهاء دائرة الصراعات الداخلية المسلحة، أو تخفيض مستوى التهديدات الأمنية على المستوى الإقليمي وربما الدولي، كذلك القيام بوظيفتها الأساسية وهي رفع مستوى جودة الحياة لمواطنيها، إذ تظل الديناميات الداخلية المرتبطة بالموارد، والصراع على السلطة من العوامل الرئيسة لعودة متوالية الصراع الداخلي.
في هذا السياق، فشلت كل المبادرات الدولية والإقليمية بشأن تهدئة الصراع في جنوب السودان منذ عام 2013 وحتى اللحظة الراهنة بما فيها اتفاقية السلام المنشط عام 2018، ولعل آخر هذه المبادرات التي أعلن عن توقفها أخيراً من جانب الرئيس سلفا كير هي مبادرة توماني، التي تقودها كينيا منذ عام 2023، وذلك بعد فشل محادثات سانت إيجيديو في إيطاليا، تحت وطأة التجاذبات السياسية المتنافسة والشكوك المتبادلة، إذ اعتبرت جنوب السودان أن بتشكيل جناح عسكري على الأراضي الكينية هي تحالف الشعب المتحد بقيادة الجنرال ستيفن بواي رولنيانق سبباً لوقف دور كينيا في رأب الصدع الجنوب سوداني، وطالبت جوبا نيروبي بتقديم تفسير عن سماحها بتكوين جماعة معارضة على أراضيها للسلطة في جنوب السودان.
أبعد من التنافس على السلطة
قد يكون السؤال المطروح بمناسبة هذا التطور هو هل المعالجات المطروحة للأزمة الممتدة في جنوب السودان تملك فهماً صحيحاً للأزمة وامتلاكاً للآليات المناسبة، أم أنها تتعامل فقط مع قشور الأزمة من دون التعامل مع مسبباتها الواقعية؟ إذ يجري النظر إلى الصراع المستمر في جنوب السودان على أنه مجرد تنافس على السلطة بين الرئيس سلفا كير ونائبه السابق رياك مشار، لكن الواقع هو أنها أزمة متجذرة بعمق، تغذيها شبكة معقدة من تسليح الهويات الإثنية، وصراع عنيف على شبكات المصالح القائمة على النفط، وأيضاً أجندات لبعض القوى الإقليمية.
طبقاً لهذه المعطيات نشير إلى أن الانقسام الرئيس هو بين قبيلتي الدينكا والنوير، لكن ديناميكية الانقسام قد ذهبت حالياً إلى أبعد من محور القبيلتين، أي الرئيس سلفا كير ونائبه رياك مشار، إذ اتسعت لتشمل مناطق مثل الاستوائية وأعالي النيل، ويستغل الفاعلون السياسيون المظالم المحلية بشأن الأراضي والمياه والماشية، لدمجها في صراع السلطة على المستوى الوطني، ما خلق صراعاً متعدد المستويات لا يمكن حله بمجرد المصالحة بين زعيمين في القمة، بينما هناك ديناميات منظمة تقوم بتمزيق النسيج الاجتماعي للبلاد، مطلقة العنان لدوامات من القتل الانتقامي الوحشي، والنزوح الجماعي، وانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان.
وبطبيعة الحال، لعب مورد النفط الذي هو مصدر الموازنة العامة الوحيد في جنوب السودان دوراً مركزياً في هذا الصراع، إذ إن السيطرة على السلطة تعني السيطرة على الموارد النفطية، بالتالي استمرار القدرة على حماية نظام الحكم، وكانت هذه الديناميكية القائمة على مبدأ "الرابح يحصل على كل شيء" دافعاً رئيساً في اندلاع الحرب الأهلية بجنوب السودان عام 2013، حيث لجأت الفصائل المستبعدة من نظام الموالاة إلى السلاح، للمطالبة بحصتها في مورد النفط.
أي تأثير للأدوار الإقليمية في الأزمة؟
في هذا السياق، فإن هناك أدواراً إقليمية متنوعة الأوزان، لها تأثير في الصراع الجنوب سوداني أهمها أوغندا التي تتدخل حالياً لحماية نظام الرئيس سلفا كير بقوات عسكرية على الأراضي الجنوب سودانية، لكن جرى استغلال هذه الوضعية لمصلحة مطالبات حدودية أوغندية في منطقة مقاطعة كاجو كيجي، إذ جرت مواجهات مسلحة في نهاية يوليو (تموز) الماضي بين الجانبين الأوغندي والجنوب سوداني أسفرت عن وقوع خمسة قتلى من الجيش الجنوب سوداني.
أمّا على صعيد كل من كينيا وإثيوبيا فإن لهما أدواراً في الصراع الجنوب سوداني بصفتهما عضوين رئيسيين في الهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد)، إذ تقودان تقليدياً جهود الوساطة في الصراع الجنوب سوداني. ومع ذلك، فإن تنافسهما الاقتصادي والجيوسياسي يؤدي أحياناً إلى مواقف غير منسقة أو متعارضة، مما يضعف الموقف الإقليمي الموحد، كما يملك السودان تأثيراً كبيراً في مجريات الصراع الجنوب سوداني، باعتبار أن النفط الجنوب سوداني يجري تصديره من موانئها، وأيضاً بسبب مجريات الصراع مع قوات "الدعم السريع" في دارفور وكردفان وتأثيره في خرائط التحالفات مع أطراف الصراع الجنوب سوداني، خصوصاً في ضوء الدور النشط لدولة الإمارات وتأثيرها في رقعة السودان الكبير.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولعل ما يجعل الصراع الجنوب سوداني مرشحاً للاستمرار بما يملكه من تهديدات داخلية وإقليمية هو أمران، المعالجات الفوقية للصراع وحصره في إطار نخب سياسية محدودة، والثاني عدم وجود زخم دولي مناسب لتنفيذ بنود اتفاقات السلام، إذ إن اتفاقية السلام المنشط لعام 2018 اهتمت بفكرة المحاصصة في الوزارات والمناصب الحكومية بين الفصائل المتحاربة، لكنها تجاهلت إلى حد كبير الأسباب الجذرية للصراع وحتى وقتنا الراهن المكونات الرئيسة للاتفاقية إما غير منفذة أو سيئة التنفيذ، وذلك طبقاً لعدد من العوامل منها مثلاً في مسألة الإصلاح الأمني، الذي لم يُركز فيه على مسألة تكوين جيش موحد، لكن جرى التركيز على عملية إدماج لفصائل المعارضة في الجيش، مع الحفاظ على هياكل القيادة للأطراف المتحاربة من دون تمهيد مناسب، كما لم يكن هناك ضغط دولي ولا إقليمي مناسب لتفعيل آيات عدم الإفلات من العدالة، ما شجّع على ممارسة مزيد من الانتهاكات، كما لم تنتبه الاتفاقية بشكل كافٍ للنزاعات المحلية حول الأراضي والموارد، التي لا تزال تغذي العنف على المستوى المجتمعي.
كيف يمكن اختراق الأزمة مجدداً؟
في هذا السياق، فإن اختراق المشكل الجنوب سوداني يتطلب مداخل جديدة تركز على التعامل مع الفاعلين المحليين في مستواهم الأدنى، حتى يجري تجريد النخب من قواعد موالية لهم على أسس التحريض القبلي والهوياتي، ولعل هذا المدخل يقود إلى تحجيم فرص فصائل النخب ورموزها السياسية في الحصول على مواقع متقدمة في التحالفات الإقليمية، أو أوزان في المجهودات الدولية، كما أن هذا النوع من المداخل يقطع الطريق أمام الأدوار الإٍقليمية الضارة بعملية السلام بجنوب السودان.
هذه المداخل تواجه تحدياً رئيساً هو آليات النفاذ إلى المجتمعات المحلية، وآليات تطوير إدراكها لتجاوز انحيازاتها العرقية والقبلية، وكذلك مناهج التفاهم معها، للوصول إلى أهداف هندسة اتفاقات من شأنها تدشين فرص لوقف الصراعات المسلحة، ولعل هذه التحديات هي ما تدفع المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إلى إنشاء إدارة انتقالية دولية بقيادة مشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، بمدة تنفيذية تمتد عقداً أو عقداً ونصف من الزمن بهدف استعادة السيادة، وتقديم الخدمات، بما فيها بناء مؤسسات الدولة، والتحضير لنقل دائم للسلطة، لكن هذا المشروع الضخم يتطلب إرادة دولية لا تبدو مهتمة في الوقت الراهن بأزمة جنوب السودان وسط دوامة الأزمات الراهنة على مستوى العالم .