واشنطن تطالب تركيا بوقف الهجوم على شمال سوريا وتحذرها من عواقب "وخيمة"

بوتين حذر من "إحياء خطر داعش" ومجلس الأمن يناقش بياناً يدعو إلى العودة للدبلوماسية

بعد انقضاء يومين على بدء الهجوم التركي ضدّ قوات سوريا الديمقراطية في شمال شرقي سوريا، عقب سحب واشنطن جنودها من المنطقة تاركةً حلفاءها الأكراد وحيدين أمام القوات التركية، أكّد وزير الدفاع الأميركي مار ك إسبر أن بلاده تشجّع أنقرة على "وقف" هجومها في سوريا.

وجاء في بيان نشره البنتاغون الجمعة، أن إسبر حذّر نظيره التركي خلوصي أكار، في اتصال هاتفي الخميس، من "عواقب وخيمة" محتملة على تركيا. 

ومع سقوط عشرات القتلى والجرحى جراء الاشتباكات الضارية بين القوات التركية وقوات سوريا الديمقراطية "قسد" في العديد من القرى السورية الحدودية التي تحاول أنقرة اقتحامها، انفجرت اليوم الجمعة سيارة ملغومة أمام مطعم في مدينة القامشلي الواقعة تحت سيطرة الأكراد، وفق ما أفاد مسؤول إعلامي في "قسد". ونقلت قناة "الإخبارية السورية" الرسمية عن مراسلها أن الانفجار تسبّب في سقوط قتلى وجرحى.

 

 

أمّا في الجانب التركي، فقُتل شخصان الجمعة في جنوب البلاد إثر سقوط قذائف مصدرها سوريا على منزل في منطقة سوروج، ما يرفع إلى ثمانية عدد المدنيين القتلى في البلاد منذ بدء الهجوم التركي. وتقع سوروج قبالة بلدة كوباني (عين العرب) التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردية في شمال شرقي سوريا. 

في الموازاة، تنديد عربي ودولي بالخطوة التركية ودعوات لوقف الأعمال الحربية الأحادية الجانب، في وقت يهدّد الأتراك بإرسال اللاجئين السوريين إلى دول أوروبا إذا عارض الأوروبيون أجندتها. وفي هذا الإطار، اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي وآخر لجامعة الدول العربية السبت 12 أكتوبر (تشرين الأول) للبحث في الهجوم التركي.  

 

 

الجمهوريون... وراية العقوبات

أميركياً، أعلن 29 من الجمهوريين في مجلس النواب الأميركي أنهم سيطرحون قراراً لفرض عقوبات على تركيا، الأمر الذي يسلّط الضوء على استياء المشرّعين من الهجوم على القوات الكردية في سوريا.

وغداة إعلان جمهوريين وديمقراطيين عن تشريع مماثل في مجلس الشيوخ، قال النواب وبينهم زعيم الجمهوريين كيفن مكارثي وويب ستيف سكاليسي إنهم يريدون رداً قوياً على عدوان أنقرة. وقالت النائبة الجمهورية ليز تشيني في بيان "يجب أن يواجه الرئيس (رجب طيب) أردوغان ونظامه عواقب وخيمة بسبب الهجوم بلا رحمة على حلفائنا الأكراد في شمال سوريا".

ولم يتضح بعد كيف سيبلي التشريع في مجلس النواب، الذي يسيطر عليه الديمقراطيون.  

 

تحذير تركيا من "عواقب"

وحذّرت الولايات المتحدة الحكومة التركية، عقب اجتماع مغلق لمجلس الأمن بشأن سوريا، من أنها ستواجه "عواقب" إن تجاهلت حماية السكان أو أخفقت في احتواء متشدّدي تنظيم داعش في هجومها على الفصائل الكردية.

لكن السفيرة الأميركية في الأمم المتحدة كيلي كرافت لم تحدّد طبيعة تلك العواقب، واكتفت بالقول للصحافيين "ستكون هناك عواقب للتقاعس عن الالتزام بقواعد حماية المدنيين الضعفاء والتقاعس عن ضمان عدم استغلال داعش لهذه الأفعال للعودة".

الخطوط الحمر

وفي سياق متّصل، قال مسؤول كبير بوزارة الخارجية الأميركية إن الولايات المتحدة ستفرض إجراءً عقابياً على تركيا إذا تورّطت في أي تحركات "غير إنسانية وغير متناسبة" ضدّ المدنيين خلال توغلها في شمال شرقي سوريا. أضاف "هذا يشمل التطهير العرقي ويشمل القصف الجوي والمدفعي العشوائي وغيره من القصف الموجه على السكان المدنيين. هذا ما نتابعه الآن. لم نر أمثلة واضحة على ذلك حتى الآن".

تحذير أوروبي لتركيا

وفي تحذير أوروبي مماثل، أكّدت فرنسا أن احتمال فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على تركيا "مطروح". وقالت وزيرة الدولة الفرنسية للشؤون الأوروبية إميلي دو مونشالين إن مسالة فرض عقوبات على تركيا "ستُبحث في القمة الأوروبية الأسبوع المقبل".

وأضافت "لن نقف مكتوفي الأيدي في مواجهة موقف صادم بالنسبة للمدنيين ولقوات سوريا الديمقراطية ولاستقرار المنطقة".

كذلك قرّر البرلمان السويدي أن تمارس البلاد ضغوطاً خلال اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي يوم الاثنين المقبل كي يفرض التكتل حظراً على تصدير الأسلحة لتركيا، وفق ما قالت الإذاعة الرسمية. وأدانت وزيرة الخارجية آن لينده يوم الخميس التوغّل العسكري التركي في شمال شرقي سوريا، قائلةً على تويتر إنه "ينتهك القانون الدولي ويزعزع الوضع، وتخاطر (تركيا) بعواقب إنسانية كبيرة خاصة بالنسبة للأكراد".

 

 

بوتين يشكّك بالقدرات التركية

من ناحية أخرى، حذّر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اليوم الجمعة من أن الهجوم التركي ضدّ الأكراد في شمال شرقي سوريا قد يحيي خطر تنظيم "داعش" في المنطقة.

وقال بوتين خلال قمّة لدول الاتحاد السوفياتي سابقاً في عشق آباد عاصمة تركمانستان، إن "الآلاف من مقاتلي "داعش" المحتجزين في معتقلات تحت إشراف الأكراد قد يستعيدون حريّتهم"، مضيفاً أنه "تهديد حقيقي... فأين سيذهبون وكيف؟". وتعهّد بـ"تعبئة موارد الأجهزة الخاصة من أجل التصدي لتصاعد هذا الخطر الجديد".

وشكّك الرئيس الروسي بالقدرات التركية قائلاً "لست واثقاً أن بإمكان الجيش التركي السيطرة على الوضع أو السيطرة عليه بسرعة... الأكراد يتخلون عن المعسكرات حيث يعتقلون مسلحي داعش" الذين بات "بإمكانهم الفرار". 

كذلك ناشدت وزارة الخارجية الروسية، تركيا والأطراف الأخرى في شمال شرقي سوريا، أن تمارس ضبط النفس. وجاء في بيان لها أنه "من المهم عدم السماح بمزيد من زعزعة الوضع"، ووصفت ما يحدث بأنه مسألة "مثيرة لأقصى درجات القلق". ودعت الخارجية الروسية إلى إجراء محادثات بين الحكومة السورية والأكراد، معبرةً عن استعدادها للمساعدة في التوسط لإجراء هذا الحوار. 

 

 

مخاوف جدية

في المواقف أيضاً، أعرب الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ عن "مخاوف جدّية" بشأن العملية العسكرية التركية ضد الفصائل الكردية في سوريا، داعياً أنقرة إلى "ضبط النفس".

وفي مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو في اسطنبول، قال ستولتنبرغ للصحافيين "أعربت عن مخاوفي الجدّية بشأن هذه العملية الجارية وخطر (تسبّبها) بزعزعة الاستقرار بشكل إضافي في المنطقة"، مضيفاً "بينما لدى تركيا مخاوف أمنية جدّية، نتوقع منها التحلي بضبط النفس".

وشدّد ستولتنبرغ على أن تركيا تعدّ لاعباً مهماً في حلف شمال الأطلسي، لكنه أشار إلى ضرورة عدم تقويض العملية، التي بدأت الأربعاء في سوريا، المكاسب التي تم تحقيقها في إطار محاربة تنظيم داعش، وقال "يجب عدم تعريض هذه المكاسب للخطر"، منوهاً إلى أهمية "عدم السماح لسجناء داعش المحتجزين بالفرار".

في المقابل، أبلغ جاويش أوغلو ستولتنبرغ أن أنقرة تتوقّع أن يظهر الحلف تضامنه القوي معها في مواجهة التهديدات التي تحدق بأمنها.

 

 

"ابتزاز وليست في مكانها"

ومن قبرص، أعلن رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك أنّ تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بشأن اللاجئين "ابتزاز وليست في مكانها"، داعياً في الوقت نفسه إلى وقف العملية العسكرية التركية في الشمال السوري. وقال إنّ العملية العسكرية "الأحادية" في شمال سوريا "تثير قلقاً بالغاً ويجب أن تتوقف".

رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي حثّ بدوره الجمعة الاتحاد الأوروبي على عدم الخضوع للتهديدات التركية. وقال للصحافيين "الاتحاد الأوروبي لا يمكن أن يقبل هذا الابتزاز. المساعي التركية لاستقبال اللاجئين السوريين لا يمكن أن تصبح أداة ابتزاز من أجل بادرة عسكرية لا يمكننا قبولها ولا بد أن تتوقف فوراً".

العودة للديبلوماسية

وفي نيويورك، تناقش الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي، بمبادرة من الولايات المتحدة، بياناً يدعو تركيا إلى العودة للدبلوماسية، ويأتي هذا الإجراء بعدما عجز الأوروبيون، خلال جلسة طارئة لمجلس الأمن صباح الخميس، في دفع جميع أعضاء المجلس إلى تبني بيانٍ يعرب عن "القلق العميق" ويدعو أنقرة إلى "وقف" الهجوم على شمال سوريا.

وبحسب دبلوماسيين، شكلت روسيا العائق الأكبر أمام تبني موقف موحد في مجلس الأمن، واضطرت فرنسا وألمانيا وبلجيكا والمملكة المتحدة إلى تلاوة بيان بشكل منفرد، على غرار الولايات المتحدة التي صاغت أيضاً بياناً منفصلاً قالت فيه إنّها "لم تؤيد بأي شكل" العملية العسكرية التركية.

ولم يستبعد سفير روسيا لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا إمكانية الموافقة على نص بالإجماع في مجلس الأمن، وقال إن النص "يجب أن يأخذ في الاعتبار الجوانب الأخرى للأزمة السورية، وليس العملية التركية فحسب"، مشيراً إلى "الوجود العسكري غير الشرعي" للولايات المتحدة وفرنسا وللمملكة المتحدة في سوريا.

"قلق عميق"

وكرّر النص الذي اقترحته واشنطن في وقت لاحق الخميس عبارة "قلق عميق"، لكنه امتنع عن المطالبة "بوقف" الهجوم التركي، وطلب من أنقرة في المقابل أن تمرّ عبر القنوات الدبلوماسية "وليس العسكرية" لتحقيق أهدافها، بحسب دبلوماسيين. كما يطالب هذا النص بحماية المدنيين ويشدّد على أن أي عودة للاجئين يجب أن تتم على أساس طوعي.

يأتي ذلك في وقت قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن وساطة أميركية بين أنقرة والأكراد هي واحدة من ثلاثة خيارات أمام الولايات المتحدة. وكتب على تويتر "لدينا واحد من ثلاثة خيارات: إرسال آلاف القوات وتحقيق نصر عسكري، وتوجيه ضربة مالية شديدة لتركيا وعبر (فرض) عقوبات، أو التوسط لإيجاد اتفاق بين تركيا والأكراد".

نزوح ومعارك

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ميدانياً، قصفت الطائرات الحربية والمدفعية التركية أهدافاً تابعة للمقاتلين الأكراد في شمال شرقي سوريا لليوم الثالث في هجوم أسفر عن مقتل المئات وأجبر عشرات الآلاف على الفرار.

وسيطرت القوات التركية وفصائل سورية موالية لها، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، على 11 قرية حدودية، معظمها قرب بلدة تل أبيض، وسط قصف مدفعي كثيف، كما شنّت طائرات تركية غارات على المنطقة الممتدة بين تل أبيض ورأس العين. وأعلنت قوات سوريا الديمقراطية في بيان مقتل 22 من عناصرها يومي الأربعاء والخميس خلال الحملة التي تشنها تركيا وحلفاؤها من مقاتلي المعارضة السورية.

وأفادت الإدارة الذاتية الكردية، في بيان الجمعة، بتعرّض مخيم المبروكة الواقع على بعد 12 كيلومتراً عن الحدود التركية "لسقوط قذائف مدفعية، ما شكّل خطراً مباشراً على حياة أكثر من 7000 آلاف نازح" من قاطنيه. وأضاف البيان أن القذائف طالت كذلك مخيم عين عيسى، الذي يقطنه 13000 نازحاً "بينهم 785 شخصاً من عائلات مقاتلي داعش و479 لاجئاً عراقياً".

وفي ضوء القصف التركي، أعلنت الإدارة الذاتية أنها ستبدأ "على الفور بعملية إخلاء مخيم المبروكة ونقل سكانه إلى مخيم العريشة جنوب مدينة الحسكة"، بينما "النقاش مستمرّ مع الجهات والمنظّمات المعنية لإيجاد حل أو موقع بديل" عن مخيم عين عيسى. كما حمّلت الإدارة الذاتية في بيانها الأمم المتحدة والتحالف الدولي ضدّ داعش مسؤولية أمن وسلامة النازحين.

وأشارت الأمم المتحدة إلى أن 70 ألف شخص نزحوا أخيراً جراء تصاعد العنف في البلدات السورية الحدودية باتجاه مدن الحسكة والرقة ومحيطهما.

أنقرة تعلن مقتل أول جندي

وفي الجانب التركي، أعلنت وزارة الدفاع التركية، في بيان نشرته فجر الجمعة، مقتل جندي وإصابة ثلاثة آخرين في اشتباكات مع قوات سوريا الديمقراطية في منطقة شرق الفرات شمال سوريا. وكان أُعلن مقتل ستة مدنيين، بينهم رضيع سوري وطفلة في قذائف اتهمت السلطات مقاتلين أكراد بإطلاقها.

وحذرت 14 منظمة إنسانية وإغاثية في بيان مشترك من حدوث أزمة إنسانية جديدة في شمال شرقي سوريا.

"منطقة آمنة"

وتهدف أنقرة من الهجوم، إلى إقامة "منطقة آمنة" بعمق 30 كيلومتراً، تبعد عنها المقاتلين الأكراد وتعيد إليها قسماً كبيراً من النازحين السوريين الذين لجأوا إلى أراضيها. وهذا ثالث هجوم تشنّه تركيا مع فصائل سورية موالية لها في شمال سوريا، بعد هجوم أول عام 2016 سيطرت بموجبه على مدن حدودية عدة، وثان عام 2018 سيطرت خلاله على منطقة عفرين الكردية.

 

المزيد من العالم العربي