النظام الجزائري يروض إعلام ما بعد بوتفليقة؟

قيادة المؤسسة العسكرية دعت الى التصدي لأساليب الكذب والاثارة والتهويل

كان الإعلام الجزائري صوت الشعب يرافق الحراك في كل كبيرة وصغيرة (اندبندنت عربية)

عاد الحديث مجدداً حول الإعلام والأزمة السياسية التي تعيشها الجزائر، فبعد تحذيرات قائد الأركان أحمد قايد صالح من السقوط في فخ العصابة وعملائها من الإعلاميين، جاء الدور على سلطة ضبط السمعي البصري التي طالبت مختلف وسائل الإعلام بضرورة توخي الحذر في التعاطي مع الأحداث و"التسريبات المشبوهة."

الإعلام... تقليم الأظافر

وبعد تقليم أظافر القنوات الخاصة وبعض الجرائد في ما يتعلق بالتعاطي مع الحراك ومسيرات الجمعة، وقد أصبحت تتجاهل نقل مجرياته، انتقل الأمر إلى الحدث الأبرز الذي ينتظر الجزائر والمتمثل في الانتخابات الرئاسية المقررة في 12 ديسمبر (كانون الأول). وبغية إدخال الإعلام إلى بيت الطاعة، دعت سلطة ضبط السمعي البصري جميع القنوات التلفزيونية الخاصة، إلى تغطية الموعد الانتخابي المقبل، بكل موضوعية وتجرد ونبذ للإثارة والتهويل، في ظل الأوضاع الحساسة التي تمر بها البلاد، قائلةً "إنها على ثقة أنّ مختلف وسائل الإعلام السمعية البصرية العمومية والخاصة، ستكون على الموعد بما تتّسم به الرسالة الإعلامية من موضوعية وتجرد ونبذ للإثارة والتهويل"، ومطالبة "القنوات بأن تكون على مستوى الحدث".

بين الضمير المهني والربح المادي

لقد وجد الإعلام الجزائري نفسه تحت ضغط رهيب بعد تصويب الحراك والنظام المؤقت السهام إليه، ويتعرض للابتزاز تارة، وللانتقادات تارة أخرى. فهل سيواجه السهام بالمهنية والاحترافية، استجابةً للمبادئ والضمير؟ أم يفضل الأمور المادية لضمان ديمومته بعيداً من الخدمة الوطنية مستعملاً في ذلك غطاء "حماية البلاد من الضياع"؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى الرغم من أن الواقع كشف عن وجهة الإعلام، إلاّ أنّ أمل فئة من المهنيين بحدوث تغيير قريب في قطاعهم لا يزال قائماً. وتعتبر الإعلامية أسماء صبرينة في حديث لـ "اندبندنت عربية" أن النظام المؤقت التفت إلى الإعلام بعد تجاهل "مؤقت" مع بداية الأزمة في 22 فبراير (شباط) الماضي، مفضلاً الاهتمام بالأولويات المتمثلة في قطع دابر "العصابة" وأذنابها وشبكتها المالية والاقتصادية، لتصل الحملة إلى قطاع الإعلام. وقالت إن النظام المؤقت آثر التعامل مع الإعلام بذكاء على اعتبار أن القائمين على المؤسسات الإعلامية الخاصة هم تجار لا يهمهم سوى المال، إذ لجأ النظام إلى استعمال لغة الربح والخسارة، وهو المناخ ذاته الذي كان يعمل فيه الإعلام أثناء فترة حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة.

إعلام يعمل تحت الضغط والتهديد

وتابعت صبرينة أن قاعات تحرير معظم المؤسسات الإعلامية، تعيش تحت الضغط بعدما وجد الصحافي "المحترف" نفسه بين مطرقة أوامر مسؤولي التحرير، وسندان الضمير المهني وغضب الشارع الذي يوجه اتهامات للصحافيين بالخيانة والانبطاح للسلطة، مشددةً على أن كثيرين من الصحافيين والإعلاميين يعيشون حالة نفسية حرجة، نتيجة عدم سماح مؤسساتهم بتغطية الحراك بمهنية ونقل الصورة الحقيقية للبلاد. وأضافت "الإعلام ظهر هذه المرة في أدنى صورة، وكشف عن حقيقته في الجزائر، وإن الأمر يتعلق بتجارة مربحة يشرف عليها مديرو مؤسسات إعلامية لا علاقة لهم بالإعلام والصحافة وهم مجرد رجال أعمال بمستوى دراسي ضعيف".

إنّ ما يحدث اعلامياً مع الحراك يُعتبر جريمة ضد المهنية، ما عدا بعض المؤسسات التي استجابت إلى الضمير المهني وتمسكت بالاحترافية على الرغم من أن الخطوة ستضعها في مواجهة مفتوحة مع النظام المؤقت الذي يلوّح في كل مرة، براية الإشهار والإعلانات، تقول صبرينة، موضحةً أن الدعوة الأخيرة لسلطة ضبط السمعي البصري تُعتبر تنبيهاً من النظام المؤقت بعد انتقادات سابقة لقائد الأركان لجهات إعلامية تعمل لصالح "العصابة" وتدافع عن توجهاتها.

الجيش يحذر

ودعت قيادة المؤسسة العسكرية الإعلام إلى التصدي لأساليب الكذب والإثارة والتهويل، قائلةً إن مرتزقة يديرون الإعلام المأجور، ملأوا الدنيا طنيناً كالذباب، وقد باعوا الأرض والعرض. وحذّرت من تشويه أو تزييف أو استغلال أو تسخير عملها لأغراض أخرى غير خدمة الوطن، مضيفةً أن الوضع العام في البلاد يفرض أن يتجند الجميع كل في مجال عمله ونطاق مسؤولياته، لا سيما قطاع الإعلام بكل تفرعاته لخدمة الجزائر، وأن يكون مرآة تعكس المطالب الفعلية والحقيقية للشعب الجزائري، مشدّدةً على أن النوايا انكشفت وكذلك المخططات الماكرة والتجاوزات الخطيرة لبعض الأطراف التي تسعى وفق منطق العصابة، إلى تضليل الرأي العام بانتهاجها منحى التيئيس والتشكيك. وخلصت إلى أن تلك المخططات يجري تنفيذها باستغلال غير أخلاقي لأدوات الاتصال والإعلام من صحف وقنوات، ومن خلال نسج سيناريوهات واهية وبث أكاذيب مسمومة ومعلومات مغلوطة وأخبار مزيفة، هدفها الإبقاء على الوضع القائم، بل تأزيمه.

تعنيف صحافي مراسل؟

وفي سياق معاناة الصحافيين، اعتقلت مصالح الأمن الجزائرية مراسل إحدى القنوات الأجنبية خلال تغطية مسيرات الطلبة التي تُنظّم كل يوم ثلاثاء وسط الجزائر العاصمة، وعلى الرغم من الإفراج عنه لاحقاً، إلاّ أنّ ما تعرّض له الصحافي يؤشر إلى أيام عصيبة تواجه الإعلام الجزائري في حال "رفض الدخول إلى بيت الطاعة". وقال المراسل "تعرّضت للتعنيف الجسدي وضُربتُ من قبل قوات الأمن، ما أدى إلى إصابتي بجروح في اليد اليسرى، كما تعرّضتُ للتعنيف اللّفظي بكلام بذيء على الرغم من تأكيدي مراراً أنني مراسل صحافي".