تونس... نجاح اليمين في الانتخابات التشريعية هل ينهي زمن حقوق المرأة؟

كيف سيكون دورها في البرلمان الجديد مع تراجع نسبة وجودها فيه؟

عضو البرلمان ليلى الحداد عن حركة الشعب تعترف بتراجع حضور المرأة في مجلس النواب الجديد (صفحتها الرسمية)

مفارقة غريبة حملتها نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة في تونس حيث تراجع حضور المرأة في مجلس النواب من 72 عضواً في المجلس المنتهية ولايته أي حوالى 33.2 في المئة من أعضائه، ليلامس في المجلس الجديد أقل من نصف هذا العدد، ما أثار مخاوف وتساؤلات حول ما يُقال عن دور المرأة وواقعها في الحياة السياسية في تونس.

هذا التراجع الكبير ترافق مع صعود للقوى المحافظة التي لها موقف سلبي من حقوق المرأة، وتحمّلها بشكل مباشر كامل المسؤولية عن الأوضاع الاجتماعية التي وصلت إليها البلاد، جراء ما تصفه بـ"الحقوق التي نالتها" والتي تخالف ما تعتقد أنه من الشريعة الإسلامية والموروث الاجتماعي التونسي. والسؤال: كيف سيكون دور المرأة في المجلس المقبل مع تراجع نسبة وجودها فيه، ومع حضور غالبية نسبية للنساء، أعضاء حركة النهضة في المجلس، مقارنة ببقية ممثلات الكتل السياسية الأخرى؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تراجع جسدته القوى التقدمية

ليلى الحداد، النائبة في البرلمان الجديد عن حركة الشعب ذات التوجه القومي الناصري، اعترفت بتراجع حضور المرأة في مجلس النواب الجديد، وقالت لـ "اندبندنت عربية" إنها الوحيدة من 15 نائباً في حزبها وصلوا إلى المجلس، معتبرةً أن ما قدمته نتائج الانتخابات لا يرتقي إلى المواثيق والمعاهدات الدولية التي صادقت عليها تونس والمكاسب التي تحققت للمرأة فيها منذ الاستقلال.

وأوضحت الحداد أن عمل الأحزاب  السياسية وتصرفاتها بقيت شعارات، والحديث عن المساواة في العمل السياسي ما زال بعيداً من الواقع، ولم نجد في كل القائمات التي ترشحت، إلاّ في ما ندر أن المرأة هي الأولى. وبعد ثماني سنوات من الثورة، لم ينضج بعد دور المرأة في الرؤية ذاتها مثل الرجل.

وعن كون الكتلة النسائية لحركة النهضة هي الكبرى في المجلس، قالت الحداد إن النهضة أوصلت عدداً من النساء فيها إلى المجلس نتيجة فوز قوائمها بأكثر من مقعد في بعض الولايات، وبحكم التناصف في اللوائح، تأتي المرأة دائماً في المركز الثاني، والقضية اليوم ليست بالعدد، بل بالقدرة على التصدي ومواجهة خطاب يميني محافظ، بدأ يطغى مع وصول هذه القوى مثل حزب الرحمة وائتلاف الكرامة إلى المجلس واحتمال تحالفهم مع حركة النهضة لتشكيل الحكومة المقبلة.

وشدّدت الحداد على أن هذه القوى ستكون مرحلية، وسيسقط خطابها المتشدد في مواجهة الواقع، وما تطرحه من شعارات لا علاقة لها بما تعيشه تونس، سيجعلها تندثر وتذهب مثل فقاقيع الهواء مع الوقت، وإنّ الشعب سيكتشف سريعاً حقيقتها مع أول تحديات ستواجه هذه القوى في العمل النيابي، خصوصاً أنّ للمجلس مسؤولية التشريع والتصديق والمحاسبة وهو ليس قاعة لإلقاء الخطابات الرنانة فقط. 

خدعة التناصف الكاذب

الناشطة في المجتمع المدني ابتسام جمعة اعتبرت في تصريح لـ "اندبندنت عربية" أن تراجع حضور المرأة في المشهد السياسي ليس وليد اليوم، بل منذ اندلاع أحداث 2011. وللأسف، حقوق المرأة ثمّنتها مجلة الأحوال الشخصية والدستور والتشريعات وكبّلها الواقع، والدستور ينص على المساواة التامة بين المواطنين والمواطنات في الحقوق والواجبات، إلاّ أنّ الانتخابات التشريعية وعلى الرغم من تناصف القائمات، فلا وجود لتناصف في رئاستها ويكاد يكون منعدماً، إذ إنّ بعض الأحزاب التقدمية من جملة 33 قائمة، تتراس المرأة بين ثلاث إلى أربع قائمات فقط، والأكيد من يترأس ستكون له حظوظ أوفر وهذا ما حصل للأسف.

وحذرت جمعة من أن صعود أطراف يمينية ليست محافظة بل متطرفة، سيهدد مكاسب المرأة، لكن لن يثني عزيمة نساء تونس عن التصدي لمثل هذه التيارات بحزم، منبّهة أنه في حال مسّوا أي مكسب، سيكون شعارنا "تنتهي شرعيتكم عندما تبدأون العبث بحقوقنا".

التهديد قد يعصف بمكاسب المرأة في تونس

الأستاذة الجامعية خديجة بن حسين اعتبرت أن نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة تشكل تهديداً جدياً لمكاسب المرأة، خصوصاً بعدما ثبت بالبرهان أن كل ما جاء في دستور 2014 بخصوص المساواة بين المواطنين، لا يطبّق ولا قيمة حقيقية له في الواقع.

وأضافت أن المجلس المقبل الذي تسيطر عليه قوى يمينية محافظة ومتطرفة، ستحاول استعمال الفصل الأول من الدستور الذي يقول إن الدين في تونس هو الإسلام، لتجاوز بقية الفصول التي تتحدث عن المساواة بين المواطنين والحقوق المدنية والاجتماعية، وإن عدداً كبيراً من القوانين التي أُقرت ولم تصدر لها نصوص تطبيقية بخصوص حقوق المرأة، ستبقى حبراً على ورق.

وقالت إن أكبر كتلة نسائية في المجلس ستكون لحركة النهضة وليس لهنّ موقف يدافع عن حقوق المرأة خارج إطار الالتزام الحزبي، الذي كان واضحاً بمعارضتهن الكبيرة ورفضهن مشروع قانون المساواة في الإرث، وتبيّن أنهن لم يدافعن عن حقوقهن، بل كان التزامهن السياسي على حساب حقوقهن كنساء.

أحزاب تقدمية تحكمها العقلية الذكورية

هاله عمران، النائب السابق في مجلس النواب عن حزب "تحيا تونس" وصفت تراجع عدد النساء في المجلس الجديد بأنه "نتاج طبيعي لممارسات الأحزاب التي وصفت نفسها بالوسطية والبورقيبية والحداثية"، والتي استعملت المرأة كشعارات لم تتجاوز الحبر على الورق وباتت عاجزة عن تطبيقها، وظهر ذلك خلال الأعداد للحملات والقوائم الانتخابية.

وهذه الأحزاب التي تدّعي الحفاظ على مكاسب المرأة، تجاهلت تماماً أن تكون النساء في رئاسة القوائم الانتخابية لها، وكان حضورها شبه معدوم، وهذا يعكس أن المرأة ليست أكثر من أداة انتخابية والطبقة السياسية ليست واعية أن واجبها الخروج مما هو منصوص عليه في القوانين وتطبيقه.

وأضافت عمران أن هذه الأحزاب، ومنها حزبها "تحيا تونس" لم تحاول الحفاظ على كفاءات النساء وتطويرها، بل بقيت نسبة حضورهن في القيادة ومراكز صنع القرار ضعيفة وشبه معدومة، وما زلنا في مجتمع ذكوري بامتياز، وهذا الوضع وما نتج منه لجهة مجلس نواب جديد، يعكس العقلية الذكورية، إذ إن المرأة لا يمكن أن تكون في مراكز صنع القرار ولا تمثل الشعب، بل هي ماكينة انتخابية وجميع الأحزاب وحتى القوائم المستقلة، استعملت النساء لأنها تعلم أن أصواتهن ستمنحها الفوز في الانتخابات.

وحذرت من تغوّل فكر متطرف في مجلس النواب المقبل كان يهاجم النساء ومواقفهن في المجلس النيابي السابق، وهذا يشكل تهديداً جدياً وخطيراً لمكاسب المرأة، وما نستمع إليه من تصريحات تعود بنا إلى الوراء لقرون عدّة، عندما كانت المرأة تُعتبر ماكينة جنسية وجسداً، وهذا ينبئ بالخطر، والمرحلة المقبلة صعبة جداً ليس على مكاسب المرأة فقط، بل على مكاسب المجتمع ككل. وهناك مخاطر ستمس موضوع الهوية وقد تعيدنا مجدداً إلى نقطة الصفر والدخول في معركة جديدة للحفاظ عليها.