التّدخين الإلكتروني بات متوفراً في كلّ زاوية وشارع.. فهل هو آمن؟

لمّا أبصرت السّجائر الإلكترونية الأولى النّور، كان المقصود منها أن تكون بديلاً أقل خطر على الصحة من السّجائر التّقليدية، لكن بعد سلسلة من الوفيات النّاجمة عن أمراض مرتبطة بالتّبخير الإلكتروني. سام هانكوك يتساءل فيما يلي كيف انتشرت السّجائر الإلكترونية بشك

الكثير من المدخنين يتحولون إلى استخدام السجائر الالكترونية تميهدا للاقلاع عن التدخين (غيتي)

حين برزت فكرة السّجائر الإلكترونية للعلن عام 1927 وأُنتجت أوّل سيجارة من دون تبغ ودخان عام 1963، لم يخطر ببال أحد أنّ تساؤلات ستُطرح عمّا إذا كانت هذه الأخيرة أقلّ خطورة من السّجائر العادية بعد نحو 56 عاماً فقط. ولكن ها نحن نفعل ذلك في عام 2019، ضاربين عرض الحائط بآمال هربرت غيلبرت مخترع سيجارة سّتينيات القرن الماضي الذي توقع وصول اختراعه إلى معظم سكان المملكة المتحدة وتحقيقه نجاحاً استثنائياً على حساب السجائر التقليدية التي ظنّ أنها ستنقرض بحلول هذا الوقت. لكن مع انتشار نبأ وفاة تاسع شخص أميركي جرّاء المضاعفات الصّحية للتبخير الإلكتروني، تسمّرت أنظار المدخّنين على شاشات التلفزيون  بانتظار أن تأتيهم نشرات الأخبار بالمزيد من التفاصيل عن مخاطر السيجارة الإلكترونية التي قد تُوقع ضحايا آخرين.  

في البدء، كانت الفكرة بسيطة جداً: ابتكار سيجارة "آمنة" تخلو من التّبغ، لكن ليس من النّيكوتين، وهذه السيجارة تتوفر اليوم بنكهات مختلفة، من النّعناع إلى الفريز وكثير غيرهما. وعندما سجّل هربرت السيجارة الإلكترونية رسمياً ونال عليها براءة اختراع، لم يكن يتوقّع أن ابتكاره  سيصبح موضع اهتمام يصل حدّ الهوس بين مدخنيها في أواسط العقد الأول من الألفية الجديدة. أما مصطلح "التبخير الإلكتروني" وأدوات التبخير الإلكترونية التي نعرفها  اليوم، والمستوحاة من مرذاذ المياه أو البخاخ،  فلم تكن معروفة قبل ثمانينيات القرن الماضي إذ سُنّت هذه الكلمات عندما زار المدعو فيل راي طبيبه الدّكتور نورمان جاكوبسون حينذاك.

وفي مقابلةٍ له مع مدونة "آشتراي" الإلكترونية عام 2014، أشار الدكتور جاكوبسون المقيم في تكساس  إلى أنّه استوحى فكرته اللافتة من راي الذي كان يبحث عن طريقة "يستنشق بها النّيكوتين الصّافي" من دون أن يدخّن سيجارة فعليّة. وقال إن النّموذج التطبيقي الأول كان من البلاستيك  "ويقوم على مبدأ استخدام ورق خاص لامتصاص النيكوتين السّائل قبل استنشاقه". وعلى الرّغم  من إدراك جاكوبسون وفريق عمله أن هناك مواداً سامة في النيكوتين، لم يترددوا في اعتبار السيجارة الجديدة "أقل خطراً" من العادية بحجة "احتواء أوراق التبغ على مواد مسرطنة تُنقل أو تتعدّل تحت وطأة الحرارة والدخان".

أَيُعقل أنّ قطعة بلاستيك كهذه، تبدو كالسّيجارة وتؤدّي عمل السيجارة وتُشبه السيجارة في كلّ شيء إلا  في مضارّها الصحية الشديدة؟ لا شك أنّ دعوات المدخّنين قد استُجيبت أخيراً. لكن، في عصر احتكار شركة "جول" (Juul) لملايين الجنيهات في قطاع التّبخير الإلكتروني المربح حالياً، الظّاهر أنّ خطأً جسيماً ما قد وقع.

 في هذا السياق، أكّد جوناثان وايتسون، المدير الطبي للتأهيل القلبي والرئوي في مركز "راسك لإعادة التأهيل" (Rusk Rehabilitation) في نيويورك، أنّه ما من دليل طويل الأمد على أنّ التبخير الإلكتروني بديل صحي عن التدخين. وقال "إنها مزاعم ترويجية لا أساس لها. فاستنشاق التبغ غاية في الخطورة والأرجح أن يُصيب مستخدميه بالسرطان أو بأمراض قلبيّة ورئوية مميتة. وبالتّالي مجرّد التفكير في  أنّ التبخير ‘أكثر أماناً ‘من هذه العادة المميتة لا يعني الشيء الكثير".

لكن هل يعني خلو السّيجارة الإلكترونية من التبغ والقطران بالضّرورة أنها أقل ضرراً؟  يبدو أن وايتسون غير متأكد من الإجابة الصحيحة، إذ يقول "قد تكون أقلّ خطورة بقليل من سيجارة التبغ، لكنّ هذا لم يُثبَت علمياً حتى الآن. دعنا نتأمل ما يلي: من أجل إطلاق دواء جديد في السّوق لا بد من إجراء تجارب تطويرية وسريرية لفهم طبيعة أضراره ومنافعه.. لا بد من إخضاع كلّ دواء جديد لدراسات علمية ذات معايير صارمة من شأنها أن تفتح له باب الدخول إلى السوق إذ أثبتت أنه سليم تماماً. وفي حالة السّجائر الإلكترونية، فإن مسؤولية إثبات سلامتها تقع على عاتق قطاع التبخير الإلكتروني الذي ينبغي أن يتأكد من عدم خطورة منتجاته قبل وضعها في متناول الحشود. ولا علاقة للمجتمع الطّبي بدراسة التّأثيرات الجانبيّة للتبخير الإلكتروني والتّحقّق من مدى سلامته".

أفيد قبل أيام أن رجلاً في الخمسينات من عمره قد توفي جرّاء إفراطه في التدخين بالتبخير في كنساس. وهذا  هو الضحية الثانية في الولاية والتاسعة على مستوى البلاد، ممن لم يلبثوا أن ماتوا بُعيد إدخالهم المستشفى لمعالجة حالات طارئة تسببت بها السيجارة الإلكترونية. وفي وقت لاحق، أعلنت حاكمة كنساس لورا كيلي في بيان رسمي لها "نحن نعمل بلا كلل وبالتّعاون مع الولايات والمنظمات الأخرى لجمع المعلومات والحقائق المتوفرة حول السّجائر الإلكترونية وأضرارها. ونحن نعمل كذلك على إرساء استجابة فاعلة لمحاربة هذه الآفة وتوعية الأسر على كيفية تحاشي مثل هذه النتائج المأساوية". صحيح أنّ الضّحيتين في كنساس كانتا تعانيان من مشاكل صحية سابقة، لكنّ ذلك لا ينطبق على كل حالات الوفاة التي وقعت في الأسابيع الأخيرة.

وأُفيد في يوم الجمعة المصادف 20 سبتمبر (أيلول) الماضي، أن رجلاً  أربعينياً قد لقي حتفه في ميسوري جرّاء ‘متلازمة ضيق النّفس الحاد النّاتجة عن  عجز الرئتين عن الامتلاء بالهواء وتسببهما بفشل في القلب فسكتة قلبية‘، مع أنه لم يكن يعاني من أيّ مرضٍ رئويٍّ سابق". وغداة هذا الخبر، أصدرت "مراكز مكافحة الأمراض واتقائها" (CDC) بياناً جاء فيه "شهدت الولايات المتحدة لغاية اليوم 8 حالات وفاة و530 حالة مرضيّة في الرئة تسببت بها السيجارة الإلكترونية بشكل أكيد ومرجّح.. فضلاً عن حالات مرضيّة أخرى ناتجة عن التبخير الإلكتروني في 38 ولاية وإقليم أميركي واحد".

إلى ذلك، قالت الدكتورة آنا شوشات، نائبة المدير الرئيسي لـ"مراكز مكافحة الأمراض واتقائها"  "أتمنى لو كانت لدينا المزيد من الأجوبة"، مشددة على أنّ الادعاءات باقتصار الحالات المرضيّة المبلّغ عنها على التدخين بتبخير السوائل التي تحتوي على مادة الرباعي هيدرو كانابينول (THC) ذات التأثير النفساني دون سواه، هي مزاعم عارية تماماً عن الصحة. وأضافت أنّ المشكلة في الحقيقة أكثر تعقيداً بكثير، ذلك أنّ "الأمراض الرئوية الحادة" التي يتعامل معها الأطباء اليوم مستحدثة ولم تكن معروفة من قبل، نذكر منها على سبيل المثال: تراكم "مواد زيتية غير معروفة".

فبعد سلسلة من الفحوصات والاختبارات الموثّقة على أجهزة التبخير الإلكترونية، كشفت "مراكز مكافحة الأمراض واتقائها" و"إدارة الغذاء والدواء الأميركية" عن العديد من المكونات، بما فيها أسيتات الفيتامين إي و"خليط من النتائج" يصعب بوجوده تحديد المادة المسؤولة عن التراكمات تحديداً دقيقاً.

وبالعودة إلى العام 1987، فرضت "إدارة الغذاء والدواء الأميركية" حظراً على استخدام سيجارة "فايفور" (Favor) من إنتاج شركة "أدفانسد توباكو برودكتس" (Advanced Tobacco Products) لجاكوبسون وراي، على أساس أنها نوع من أنواع المخدرات. وبعد ذلك بفترة، صرّح جاكوبسون أنّ الأعراض التي أقلقت الإدارة وأثارت حذرها، على غرار الحازوقة المفرطة هي بكل بساطة "تأثيرات جانبية للتدخين".

وفي رسالة وجّهتها "إدارة الغذاء والدواء" إلى جاكوبسون، أكّدت أنّها وعلى الرّغم من أخذها في الحسبان "إصراره المتكرر على عدم اعتبار النيكوتين العنصر الشّرير في السّجائر".. إلا أنّها لم تستطع التّغاضي عمّا ورد على لسان " الدّكتور لوك بورشارد، رئيس "مجلس إيلانوي للوكالات" (Illinois Interagency Council) آنذاك، بأنّ النيكوتين يُسبّب إدماناً على السّجائر وارتفاعاً في ضغط الدم وضائقةً جنينية لدى المرأة الحامل المدخّنة، كما قد يؤدي إلى الإصابة بقرحة عن طريق زيادة إنتاج الحمض في المعدة".

بالنّسبة إلى زوي، وهي كاتبة مستقلة انتقلت من نيويورك للعيش في جنوب شرق لندن، فقد بدأت بتدخين السجائر الإلكترونية في سنّ الحادية والعشرين. وعلى الرّغم من عدم معاناتها من أيّ نوبات مرضيّة خطيرة بسببها، تذكر زوي أنّ خطورة هذه الأجهزة تكمن في كونها تُسبب الإدمان. وتقول "بدأتُ أُدخّن سيجارة ‘جول ‘منذ إطلاقها للمرة الأولى في الولايات المتحدة. كنتُ أعلم أنّ النّيكوتين الموجود في عبوةٍ واحدة منها يوازي كمية النيكوتين الموجودة في علبة سجائر عادية كاملة، ومع ذلك غامرتُ بتجربتها وكان تأثيرها على عقلي وتفكيري شديداً في كلّ مرة" لدرجة أنني كنتُ أشعر بالقلق لمجرد معرفتي بأنها ليست في جيبي أو بالتوتر متى نفذَت مني البطارية أو المحاليل".

وتروي زوي أنّها لم تقوَ على الإقلاع عن السّجائر الإلكترونية إلا بعد مغادرتها الولايات المتحدة وإقامتها في برشلونة العام الماضي قبل أن تأتي إلى لندن. وتضيف "كنتُ أعلم أنني لن أستطيع شراء العبوات في أوروبا لأنّها لم تكن متوافرة فيها آنذاك، وأعتقد بصراحة أنّ تلك كانت الطريقة المثالية للكفّ عن استخدام تلك السيجارة. عندما غادرتُ الولايات المتحدة وتوقفتُ عن التبخير الإلكتروني، اكتشفت مدى إدماني عليها". وفي الختام، تُخبرني زوي إنها اختارت العودة إلى السّجائر التقليدية "لأنني أردت الاستمرار في التدخين ولكن شعرت بارتياحٍ أكبر بنفث سيجارة أو اثنتين في اليوم بدلاً من التبخير بلا انقطاع".

ومن المسلّم به على نطاقٍ واسع أنّ الوفيات الناتجة عن التّدخين التّقليدي أعلى بكثير من تلك التي يسبّبها التّبخير الإلكتروني. ففي عام 2017 وحده، سجّلت "خدمة الصّحة الوطنيّة" البريطانية (NHS) حوالي 80 ألف حالة وفاة بسبب التدخين؛ لكن أليست هذه الأرقام جزءاً من المشكلة؟

القرار الصّادر عن الحكومة البريطانية عام 2016 والقاضي بإزالة العلامات التجارية عن علب السجائر، فتّح أعين معظم المدخّنين على خطورة ما يفعلونه. فكلّ مَن يشتري علبة 30غ من "غولدن فرجينيا" في المملكة المتحدة يجد نفسه مضطراً لمواجهة التأثيرات الجانبية للتدخين مع  لفّ كل سيجارة، سواء من خلال صورة طفلة صغيرة تنظر إلى والدها المُلقى في المستشفى بين الحياة والموت أو لقطة لرجل متقوقع على نفسه كالجنين لشعوره الكبير بالعجز الجنسي بسبب التدخين.

ومع هذا كلّه، أكثر من 15% من البريطانيين فوق سنّ الثامنة عشر يُدخّنون اليوم  السيجارة التقليدية، و5.5% منهم فقط يُدخنون بالتبخير. من الواضح أنّ سوق التدخين لا يزال واسعاً  إذا يُقبل كثيرون على السيجارة التقليدية بالرّغم من أضرارها المعروفة. فهل يمكن لمستخدمي السجائر الإلكترونية أن يتحلّوا بالثقة نفسها إزاء ما يستنشقون؟

تقول لي ريتشل هودجز، وهي كبيرة موظّفي الشؤون السّياسية في "مؤسسة الرّئة البريطانية" (British Lung Foundation)  " تخضع السّجائر والسّوائل الإلكترونية في المملكة المتحدة لأنظمة مشدّدة وهذا يعني أنّ الوضع هنا يختلف كليّاً عنه في السّوق الأمريكي.. في المملكة المتّحدة، ثمة قيود على أحجام العبوات الخاصة بالسّجائر الإلكترونية وحدّ أقصى لقوّة النيكوتين عند 20 ملغ/ ملل2. وثمة قوانين تفرض إبلاغ الوكالة التنظيمية للأدوية ومنتجات الرّعاية الصحية (MHRA) بشأن أيّ منتج ومكوّناته قبل طرحه للبيع".

وتُضيف هودجز أنّ "الارتفاع الحاد في نسبة المدخنين بالتبخير في أوساط الشباب الأميركي المذكور في تقارير شتى لا يُقابله ارتفاع لمن يزاولون هذه العادة بين الشّباب البريطاني إذ لا تزال نسبة هؤلاء دون الـ2% منذ العام 2014، وفقاً للبيانات الرقمية الصّادرة عن خدمة الصحة الوطنية. وزادت أنه لأجل إبقاء الوضع على ما هو عليه "ينبغي بنا الاستمرار في مراقبة الشّباب والشابات ممن بدأوا للتو يدخنون بالتّبخير بشكلٍ منتظم".

ومع أنّ الفارق شاسع بين التّبخير الإلكتروني في الولايات المتحدة وفي المملكة المتحدة، أعلنت "الوكالة التنظيمية للأدوية ومنتجات الرّعاية الصحية" قبل أيام عن تلقّيها "62 تقريراً من مختلف أنحاء المملكة المتحدة بشأن المضاعفات الضارّة للسجائر الإلكترونية التي تحتوي على النيكوتين، وذلك خلال الفترة الممتدة بين 20 مايو (أيار) 2016 و6 سبتمبر 2019". ومع أن الوكالة تؤكد أنّ التقارير "هي مجرد شكوك تُساور أصحابها حول إمكانية تسبّب السجائر الإلكترونية بأضرارٍ صحية" وهذا لا ينطبق بالضرورة على الأمثلة الـ 62 كلها. لكنّ تأكيدها لا ينفي أبداً أن التدخين بالتبخير هو عادة ممارستها مرشحة بامتياز للتزايد. تذكّروا أنّ عملية بحث واحدة في "غوغل كفيلة بإنعاش ذاكرتنا بشأن أزمة التّوابل التي اجتاحت المدن البريطانية عموماً ونيوكاسل خصوصاً عام 2017. وإن كان سوق التبخير الإلكتروني الأسود يكتسح الولايات المتحدة حالياً، كونوا أكيدين أنّ الأمر لن يطول قبل أن يمدّ براثنه إلى المملكة المتحدة.

ومن وجهة نظر فيل بويل، المدير الإداري لشركة "فامباير فايب" (Vampire Vape) في المملكة المتّحدة، لا يزال الوقت مبكراً جداً لفهم السّبب الكامن وراء المشاكل التي تواجه المدخنين بالتبخير مع أنّ المعلومات الأخيرة "تشير إلى أنّها تُعزى إلى إضافة مادتي الرّباعي هيدرو كانابينول وأسيتات فيتامين إي إلى منتجات التبخير التي تُباع في الشوارع بطرق غير شرعية، من دون حسيب ولا رقيب. في أوروبا، تخضع المواد التي تحتوي على النّيكوتين لأنظمة مشدّدة وفحوص مكثّفة قبل عرضها للبيع، ولذلك لم تُسجّل لغاية اليوم أي حالات مشابهة في المملكة المتحدة أو أوروبا". وأضاف "ليس من قبيل المصادفة أن تحدث هذه الحالات في غضون فترة زمنيّة قصيرة. فأعداد الذين يُدخّنون السجائر الإلكترونية في أمانٍ نسبي منذ أكثر من 10 سنوات، كبير جداً. نصيحتنا لكم هي نفس نصيحة دوائر الصّحة العامة في إنجلترا: "التّبخير الإلكتروني لا يخلو تماماً من المخاطر ولكنّه أقلّ خطورة بكثير من تدخين التّبغ".

وماذا عن الناس الذين يستمتعون بتدخين هذه الأجهزة العصرية؟ جو إدواردز، 26 عاماَ، مدير مبيعات من لندن يستخدم السّجائر الإلكترونية منذ حوالي السنة، وهو كان قد لجأ إليها "سعياً للإقلاع عن التّدخين والابتعاد عن السّجائر بنوعيها للأبد، كنتُ أظنّ أنها أهون الشّرين وأخفّ المفسدتين"، كما يقول متأثراً بهول الأخبار الراهنة التي استوقفته وجعلته يُفكّر في البخار الذي يستنشقه. وبما أن التبخير الإلكتروني لم يُسبب له أية أمراض ما خلا " بعض التهابات الحلق"، فهو يواصل تأييده لها باعتبارها "بديلاً أقل ضرراً وأخفّ رائحة وأقلّ كلفة وأكثر سهولة من التدخين التقليدي، بمعنى آخر، يُمكنني أخذ نفسٍ سريع فيما أتنقّل من مكانٍ إلى آخر ومن مهمة إلى مهمة ثانية، دونما حاجة إلى التوقف وتدخين سيجارة كاملة".

وأكثر ما يثير القلق هو إقرار إدواردز "لم أعرف حقاً مّا إذا كان التدخين بالتبخير أقل خطورة من التّدخين العادي، إنّما أفترضت ذلك ليس إلا". ويبرّر فعلته قائلاً "أنا أقتنع بالأمور التي ينصحني بها طرفٌ ثالث موثوق ومتعلّم، على غرار خدمة الصحة الوطنية والأطباء والعاملين في قطاع الصحة الذين أشرفوا على إختبارات السلامة واطلعوا على نتائجها الطويلة الأجل.. لقد أُوحي لي أنّ مرذاذ المياه لا يؤذي الرئتين وأنّ السجائر الإلكترونية لا تحتوي على المواد الكيمائية المضرّة الموجودة في السّجائر التقليدية، وعددها 7 آلاف. لم أُدرك أنّهم، وبكل بساطة، استبدلوا بهذه المواد الكيمائية مركبات أخرى شبيهة بعناصر كيميائية غير مؤذية للإفلات من مجهر الاختبار".

والسّؤال الذي يطرح نفسه الآن هو هل سيُقلع إدواردز عن التدخين بالتّبخير بعد اطلاعه على التقارير الإخبارية الأخيرة؟ يجيب الشاب الحقيقة "أنني كنتُ أنوي الإقلاع عنها في كلّ الأحوال.. لذا أتوقّع لهذه التأثيرات السّلبية أن تكون خير محفّزٍ لي.. ولو صحّ  ما أُشيع عن التّبخير الإلكتروني وثبُت أنه مضرّ أكثر مما تصورت.. لن يكون أمامي سوى التشبث بالأمل في أن تكون الخرافات القائلة بإمكانية تجدّد رئتي الإنسان لو أقلع عن التدخين قبل الثلاثين، صحيحة".

يُذكر أنّ العلامة التّجارية الأميركية "جول" التي قُدّرت قيمتها السّوقية بـ30.4 مليار جنيه إسترليني أواخر العام 2018، هي التي مهّدت الطّريق أمام نشوء الشّركات الأصغر حجماً لصناعة السّجائر الإلكترونية، على غرار "فامباير فايب". وعند السؤال عن المشاكل التي تُواجهها العلامات التجارية غداة الأحداث الأخيرة، أجاب متحدّث باسم الشركة "تنصّ مهمة مختبرات جول على تحسين نوعيّة حياة مليار مدخّن بالغ حول العالم، بينهم 7.2 ملايين مدخّن في المملكة المتحدة وحدها، وذلك عن طريق إلغاء السجائر التقليدية".

وتابع المتحدث "منتجاتنا مصمّمة خصيصاً لتساعدهم على الإقلاع عن السجائر القابلة للاحتراق باعتبارها السبب المباشر لوفاة 50% من المدخّنين والسبب غير المباشر لوفاة 100 ألف شخص في المملكة المتحدة وحدها العام الفائت". ورداً على سؤال يتعلّق بالنقص في الأبحاث التي تُبيّن مخاطر التبخير، أوضح المتحدث "نحن نؤيد الدعوة لإجراء دراسات إضافيّة طويلة الأمد حول التّبخير تأييداً تاماً ونؤكّد بأننا على أهبّة الاستعداد لإعداد بحوث ذات علاقة لمجتمع قطاع الصّحة العامة".

يرى كل من إدواردز و وايتسون، أنه لا بدّ من إيجادٍ حلّ ناجع للنقص في الاختبارات التي من شأنها سبر أغوار هذه المشاكل الصّحية حتى يصبح من الممكن فهمها بشكلٍ أفضل. يقول لي إدواردز "أعتقد أنّه من الضّروري إجراء المزيد من البحوث والمزيد من الاختبارات المناسبة على المدى الطويل لكل ما يتصل بالصحة.. كلّ ما سمعته وأسمعه هو أننا لو اخترعنا الكحول الآن فإنها ما كانت لتكون شرعيّة.. جلّ ما فعلناه هو أننا أحدثنا تغييراً ثورياً في التدخين حتى يكون أقلّ ضرراً ووضعناه في متناول الناس مُرفقاً بمعلوماتٍ طبيّة تدعمه لنُدرك فجأة أنّ المفهوم الجديد مضرّ بقدر سابقه".

وإذ يتفق وايتسون مع إدواردز في الرّأي، فهو يرى أنّ سحب أجهزة التّبخير الإلكترونية من السّوق إلى حين إتمام هذه المهمة أمر لا بدّ منه. ويقول "إثبات سلامة هذه المنتجات هي مسؤولية قطّاع التبخير الإلكتروني. وإلى حين تحقيق هذه الغاية، على القطّاع أن يسحب منتجاته من السوق. أثبتوا سلامة منتجاتكم قبل أن تطرحوها مجدداً على المستخدمين.. ويعد ذلك ينبغي إغراق السّوق الذي يحصد الأرباح والمكاسب المالية ويقف وقفة المتفرّج من التجربة الاجتماعية التي تسير في الاتجاه الخاطئ، وتُصيب الناس بتلفٍ رئوي قد يتطوّر إلى وفاة".

وبحسب "دكتور كاير إنيوار" (Doctor Care Anywhere)، الخدمة الطبية الإلكترونية التي تتيح للمرضى التواصل مع طبيب من منازلهم، فإنّ التدخين بالتبخير لم يخضع للآن لبحوث طويلة على امتداد سنوات كتلك التي تركزّت على التدخين التقليدي. ويقول متحدث باسم فريق المعالجة السريرية للشركة "بصفتنا محترفين في مجال الصحة، ندرك مخاطر التدخين المدعومة بسنوات طويلة من البحوث الطبية.. ما ينقصنا اليوم معلومات أكيدة عن المخاطر القريبة والمتوسطة والطويلة الأجل للتدخين بالتبخير، إذ لا علم لنا بها ولا بدّ من دراسات كاملة ومتكاملة للإضاءة عليها.. فالأمراض المحتملة للتبخير أو حالات الوفاة التي يُمكن أن تتأتى عنها مُقلقة ومن الضروري التحقيق فيها لمساعدة مستخدمي السجائر الإلكترونية على اتخاذ قرارات آمنة وواعية. وحتى تلك المرحلة، سيظلّ من الصّعب قياس مدى تميّز التّبخير عن التّدخين".

لكن الأمر المؤكد  هو أن مستقبل قطاع التّبخير الإلكتروني يبدو حالكاً في الوقت الراهن، لا لشيء إلا لجهل الأطباء والعلامات التجارية بالسّبب الكامن وراء الحوادث التي أُفيد عنها في الآونة الأخيرة. يقول وايتسون إن "الحاجة ملحّة لمعالجة مشكلة التبخير الإلكتروني أسوةً بسائر أنواع الأدوية: دراسة وفهم ثم الموافقة على الاستعمال"، إذ من دون هذه الخطوات الأساسية، لن يكون لسيجارة المستقبل.. أي مستقبل بيننا.

© The Independent

المزيد من صحة