ملخص
اليوم، وبعد سقوط النظام اشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي بالمنشورات واستحوذ السوريون على الاهتمام من جديد، من خلال إبراز وجهات نظرهم وإعادة التموضع التي عمت معظم الحسابات في عدد من هذه الوسائل، وخرجت مصطلحات جديدة أعادت الصراع بين السوريين إلى الواجهة وتحول المؤيد لمعارض والمعارض لمؤيد، إضافة لتراجع بعض عن التعبير عن رأيه لقراءة الواقع الجديد.
في أواخر السبعينيات، استخدمت الثورة الإيرانية ضد الشاه الكاسيت الصوتي كسلاح إعلامي لها، والذي أثبت فعاليته وتأثيره الكبير في توجيه خطب التعبئة للخميني. وخلال سلسلة انهيار النظام في أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينيات، كان البث التلفزيوني عبر الحدود ذا فائدة كبيرة وعُدَّ السلاح الإعلامي لتلك الانتفاضات ذات الصلة.
وفي العصر الرقمي فالدروس المستفادة من سوريا ستشكل كيفية الإبلاغ عن الصراعات المستقبلية وفهمها في هذا العصر، إذ لا تشن المعركة من أجل الحقيقة على الأرض فحسب، بل عبر المنصات الرقمية في مختلف أنحاء العالم.
فبحسب كبيرة المراسلين الدوليين لـ"هيئة الإذاعة البريطانية" ليز دوسيه "فيتنام كانت أول حرب تلفزيونية، بينما كانت سوريا أول حرب على وسائل التواصل الاجتماعي".
إسهامات وسائل التواصل في الحراك السوري
هذا ما يؤكده الصحافي السوري عمر الأسعد المعتقل سابقاً في سجون النظام السوري، والذي واكب الحراك الثوري على الأرض وعبر وسائل التواصل الاجتماعي من اللحظة الأولى، وحدد الأسعد التوثيق الأتم بـ"يوتيوب"، "مع الانتقال لمرحلة الصراع المسلح دخلت أداة جديدة وهي ’يوتيوب‘، لذا يعد الصراع السوري أكثر صراع وثق حول العالم عبر فيديوهات ’يوتيوب‘". وفند الأسعد دور وسائل التواصل الاجتماعي في الثورة السورية والصراع الذي حدث بعدها فقال "أسهم ’فيسبوك‘ بالتشبيك وبخاصة بعدما رفع النظام الحظر عنه خلال فبراير (شباط) 2011، وبما أن الفضاء العام في سوريا يمنع التجمعات، فقد شكل ’فيسبوك‘ تحديداً منتدى للقاء السياسي السوري، ووسيلة تعارف وتواصل وأداة للتعبئة والعمل للشباب مع بعضهم، وبعدها دخل ’سكايب‘ الذي كان مستواه الأمني أعلى للصحافيين والمهتمين بالشأن العام، ومن ثم بعدها تتالت وسائل التواصل المتعددة مع انتقال الحراك من السلمي للمسلح، وتدخل قوى أجنبية في سوريا". وشهدت الثورة السورية تحولاً جذرياً من وسائل الإعلام التقليدية إلى المنصات الرقمية، وهو تحول فسره متخصصون بأنه مدفوع بالحاجة الملحة للتحايل على الروايات التي سيطرت عليها الدولة، والتواصل مباشرة مع الجمهور العالمي، فغالباً ما كانت وسائل الإعلام التقليدية مقيدة برقابة الدولة، أو بطيئة في الرد، أو محدودة في قدرتها على نقل الأحداث التي تتكشف على الأرض. وفي المقابل، سمحت المنصات الرقمية مثل "فيسبوك"، و"تويتر"، و"يوتيوب" بالتحديثات الفورية، مما مكن الجماهير المحلية والدولية من تلقي المعلومات خلال الوقت الفعلي.
أولى الخطوات
خلال الرابع من فبراير 2011، كانت أول محاولة جادة لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي في الحراك السوري، عندما تمت دعوة المواطنين لـ"يوم الغضب"، لكن تلك الدعوة لم تلق استجابة لأسباب متعددة، منها عدم القدرة على الوصول في ظل الحجب المفروض على المواقع، وعدم القدرة على التأثير في ظل جو يسوده الخوف، لكن خلال الـ15 من مارس (آذار) 2011، استجاب عدد من المواطنين للدعوة التي وجهتها صفحة "الثورة السورية" ضد الرئيس المخلوع بشار الأسد 2011 من أجل التجمع والاحتجاج في سوق "الحميدية" داخل العاصمة دمشق، وهو ما عرف بتاريخ انطلاق شرارة الثورة السورية.
في هذه المرحلة يرى كثر أن وسائل التواصل الاجتماعي، بصورة عامة، جلبت الخوف من المجهول إلى قلب النظام وقضَّت مضجعه، ومع انضمام مزيد من الشبان المتحمسين إلى صفوف المعارضة، أصبح تنسيق وسائل التواصل الاجتماعي أكثر مرونة وانتشاراً وأسهم في اتساع الحركة، لكنه في المقابل حفز دمشق على تخصيص مزيد من الموارد لتدريب وتجهيز أجهزة استخباراتها لتكون قادرة على السيطرة على الحركة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى رغم أن الأمر استغرق بعض الوقت، لكن الطريقة التي اتبعتها دمشق أتت بفعالية كبيرة في مراقبة ومطاردة النشطاء من أجل مواجهة رسائل المعارضة، وخرج للساحة ما عرف باسم The Electronic Army.
تأجيج الصراع
"لم يخل الأمر في بداية التعاطي مع وسائل التواصل من سذاجة من الطرفين، المعارضة والموالاة"، هذا ما قاله الأسعد.
وفي السياق قالت ميس قات وهي صحافية متخصصة داخل مناطق النزاع "في بداية الثورة كان هناك تسريب لفيديوهات مفبركة من قبل النظام السوري، وقد هيأها للشحن الطائفي مما عزز الانقسام بين السوريين وإعطاء الثورة السورية صبغة على أنها طائفية وليست صاحبة مطالب محقة"، وتابعت "أسهمت وسائل التواصل في تأجيج الصراع عبر أدوات مختلفة استخدمها الشارع والأطراف المتصارعة أنفسها، كالأخبار الكاذبة وخطاب الكراهية والحملات الموجهة"، وهو ما يتفق معه الأسعد مضيفاً "لقد لعبت هذه الوسائل دوراً في تأجيج الصراع وأسهمت في تعزيز الانقسام، وأسهمت في نشر الأكاذيب وتكريس كثير منها بوصفها كحقائق"، وتابع "لا بد أن نعترف أن هناك حرباً وصراعاً طويل الأمد خاضه السوريون، وكانوا أدواته، فالمسألة أبعد من وسائل تواصل، والسوريين ارتكبوا انتهاكات ضد بعضهم بعضاً".
ومثل كل الأدوات الأخرى رأت قات أن وسائل التواصل يمكن أن تسهم سلباً أو إيجابي في حياة البشر، الأمر يرجع لمن يستخدمها، وكيف يستخدمها "أسهمت الوسائل في نشر حقائق وأخبار كثيرة، وقدمت منصة سمحت للملايين من الناس أن يُعبروا عن أنفسهم ويسردوا قصصهم، ويتحدثوا عن الانتهاكات التي تعرضوا لها بعدما كانوا ممنوعين من التعبير عن آرائهم أعوماً طويلة، خلال حكم الأسد وأبيه"، وتابعت "استطاعت هذه الوسائل أن تقرب بين الناس وحَّسنت من تواصل العائلات التي تشردت ولجأت إلى مختلف أصقاع العالم، وساعدت اللاجئين في رحلات هربهم واندماجهم في المجتمعات الجديدة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
توثيق المواطن الصحافي
وعن استخدام هذه الوسائل بالطرق الناجعة تحدثت قات عن ظاهرة المواطن الصحافي، قائلة "المواطنون الصحافيون خلال أعوام الثورة في سوريا استخدموا ’فيسبوك‘ لنشر مئات الفيديوهات والشهادات التي فضحت انتهاكات النظام السوري أو ’داعش‘"، بالتالي أصبح المواطنون العاديون مراسلين في الخطوط الأمامية، فمع وجود الهواتف الذكية في أيديهم قام هؤلاء الأفراد بتوثيق حراكهم وقدموا كثيراً من المواد الخام غير المفلترة، متحدين بذلك روايات أخرى لوسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة، فقدمت هذه الصحافة الشعبية، بحسب بعض، وصفاً شخصياً وفورياً للصراع.
وهنا يرى متخصصون أن المنصات الرقمية سمحت بالانتشار السريع للمعلومات، مما أدى إلى اتخاذ إجراءات ملموسة، مثل الحملات الدولية والضغط على الأنظمة للاستجابة للأزمة، ورأوا أن ظهور الصراع السوري على وسائل التواصل الاجتماعي لعب دوراً مهماً في التأثير في التصورات والسياسات الدولية، مما أسهم في فهم أوسع للأزمة.
ولكن، وعلى رغم الدور الرائد لوسائل التواصل الاجتماعي في "الربيع العربي" والثورة السورية، فلا يمكنها إطلاق العنان للثورات والقيام بها بمفردها، بالتالي فإن مصطلح "Facebook Revolution" هو في الواقع، كما يرى متخصصون، مضلل ويمكن أن يكون مهيناً لأولئك الذين قادوا هذه الانتفاضات وللآلاف الذين ماتوا من أجلها، فلقد كانت وسائل التواصل الاجتماعي وأداة عظيمة ساعدت الشباب بصورة عميقة في انتفاضاتهم، وهذا ما أشار إليه الصحافي الأسعد بقوله "إن وسائل التواصل لا تستطيع أن تشعل صراعاً، وبخاصة لو كان المجتمع محصناً أكثر ولو كانت لديه أدواته السياسية".
عود على بدء
واليوم، وبعد سقوط النظام اشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي بالمنشورات واستحوذ السوريون على الاهتمام من جديد، من خلال إبراز وجهات نظرهم وإعادة التموضع التي عمت معظم الحسابات في عدد من هذه الوسائل، وخرجت مصطلحات جديدة أعادت الصراع بين السوريين إلى الواجهة وتحول المؤيد لمعارض والمعارض لمؤيد، إضافة لتراجع بعض عن التعبير عن رأيه لقراءة الواقع الجديد، وعادت الاصطفافات السياسية والدينية والعرقية إلى الواجهة. وهنا رأى الأسعد أن "الصراع ما زال مستمراً، وبخاصة الأهلي، ولم ينته بصورة كاملة، إنما الذي حدث انتهت جولة عنف استمرت 14 عاماً وما سيحدث في ما بعد سيقرر صورة السردية الوطنية وقد نتفق عليها أو لا نتفق".
وفي ظل هذا الصراع الجديد القديم المحتدم، غاب الإعلام التقليدي بكل صوره، وغاب عنه صوت الحكومة الذي استعان، بدوره، بوسائل التواصل بما فيه تطبيق "تيليغرام"، حتى دعيت الحكومة الجديدة بحكومة الـ"تيليغرام"، إذ حصرت نشر أخبارها من خلال وكالة "سانا" المحدودة على "تيليغرام" فحسب، وعن هذا قالت ميس قات "استخدمت الحكومة الجديدة ’تيليغرام‘ لأن وسائل الإعلام التقليدية لم تكن جاهزة ولم يكن باستطاعتها الدخول إلى المواقع الإلكترونية الحكومية، إذ إن منظومة الإعلام انهارت بالكامل، وهذا لا ينفي أنه حصل تقصير في إعلام الناس بما يحدث وما لم يحدث ما أفسح المجال للأخبار الكاذبة".
قات التي تتمنى أن يوجد في سوريا إعلام حكومي متوازن، قالت "لا أرى شيئاً خارجاً عن المألوف، لقد رأيت أنظمة حكم جديدة تسيطر على بلد ما كانقلابات عسكرية أو الوصول إلى السلطة بطريقة ما، وهذا ما يحدث في عدد من البلدان، ولكن لم أر شيئاً متطرفاً في ما يخص الإعلام والسيطرة عليه في سوريا، وعلى رغم وجود التقصير فإنه متوقع بالمقارنة بدول أخرى وتجارب سابقة"، ودعت قات للقيام بدورات محو الأمية الصحافية، "من المهم نشر هذه الدورات في المدارس وحتى بين الصحافيين والصحافيات، وعندما يتم هذا نستطيع أن نكوِّن فهماً أوسع لدور وسائل التواصل الاجتماعي في سوريا، مما يساعد على ضبط الأخبار الكاذبة وانتشار الشائعة فيتكون وعي بطريقة إنتاج واستهلاك الأخبار وإنشائها".