الانسحاب الأميركي من سوريا يضع سياسة ترمب أمام اختبار دعم الحلفاء

أصوات مقربة من الرئيس تنتقد الخطوة... ومستقبل الأكراد والحرب على داعش أبرز التداعيات... وتحذيرات من استفادة الروس والإيرانيين من القرار

بعدما قلب الطاولة بسحب قوات بلاده من شمال سوريا، لا تزال سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول هذا البلد الذي يشهد حربا طاحنة منذ 8 سنوات تثير حيرة في الأوساط الأميركية وحتى داخل صفوف حزب الجمهوريين المنتمي إليه، بعدما اعتبر البعض أن الرئيس "يأخذ قرارات متهورة دون دراية أو تدبر"، متخوفين من أن يزداد نهجه الذي لا يستند إلى خطة أو دراسة وهو مقبل على حملة الدعاية في انتخابات الرئاسة المقررة 2020، ويواجه عددا من المشكلات الدولية الساخنة العالقة ومنها إيران وكوريا الشمالية وأفغانستان.

ومع قرار ترمب سحب بعض القوات الأميركية من شمال شرقي سوريا، موضحاً أنه عازم على الوفاء بوعده في حملة انتخابات 2016 لانتشال الولايات المتحدة "من هذه الحروب التي لا تنتهي". وعلى الرغم من الغموض الذي يكتنف خططه لتحقيق هذا الوعد، فتح الرئيس الأميركي الباب أمام هجوم تركي بدأت معالمه في الساعات الأخيرة، على المقاتلين الأكراد المتحالفين مع بلاده في المنطقة، جاء ذلك في وقت يتعرض فيه ترمب لضغط متزايد جراء التحقيق الذي يقوده الديموقراطيون للنظر في أمر عزله بسبب مساعيه لحمل أوكرانيا على التحقيق في تصرفات نجل نائب الرئيس السابق جو بايدن أحد خصومه السياسيين، ما أثار التساؤلات مجددا حول "أساليب ترمب الشاردة" من داخل إدارته وخارجها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

غموض في واشنطن

على الرغم من دعوته في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، دون أي شكل رسمي من أشكال التخطيط السياسي إلى انسحاب أميركي كامل من سوريا. لكن الرئيس ترمب عدل في النهاية عن رأيه بعد رد فعل قوي من وزارة الدفاع (البنتاجون) بما في ذلك استقالة جيم ماتيس وزير الدفاع آنذاك وبعد الضجة التي ثارت في الكونغرس وبين حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا والشرق الأوسط.

ومجدداً وبعد قرار الأحد بسحب بعض القوات من شمال شرقي سوريا، أصر ترمب في تصريحات للصحافيين أنه استشار "الكل" في قراره الجديد في الشأن السوري على الرغم أنه بدا أن الإعلان فاجأ الكونغرس وبعض العاملين في الإدارة الأميركية.

وقال بريت مكجورك، الذي كان مبعوثا لترمب في التحالف الدولي لمحاربة داعش، واستقال بعد الضجة التي ثارت في ديسمبر (كانون الأول) إن ترمب "يأخذ قرارات متهورة دون دراية أو تدبر".

وكتب ترمب، الاثنين، سلسلة من التغريدات على "تويتر"، مدافعا عن موقفه قائلا، إن على الأطراف الضالعة في النزاع السوري أن "تحل الوضع". وقال إنّه آن الآوان للخروج من "هذه الحروب السخيفة التي لا تنتهي". وأثار هذا الإعلان موجة إدانة في الولايات المتحدة، حتى ضمن فريق ترمب.

وبعد قليل من إعلان ترمب، أعلن البنتاغون أنه لا يؤيد العملية التركية. وقال في بيان إن "وزارة الدفاع قالت بشكل واضح لأنقرة - كما فعل الرئيس- أننا لا نؤيد عملية تركية في شمال سوريا"، وحذر من "العواقب المزعزعة للاستقرار" لمثل هذه العملية "بالنسبة لتركيا والمنطقة وخارجها".

كما أن بعض المحللين المستقلين قالوا إن أسلوب ترمب المنفلت في اتخاذ قرارات تتعلق بالحرب قد يؤدي إلى مزيد من الضعف في المصداقية الأميركية لدى الحلفاء والشركاء. وقد سبق بالفعل أن تراجع عن خطط الانسحاب من أفغانستان.

وقال فريد هوف، المسؤول السابق بوزارتي الدفاع والخارجية، "نجد أنفسنا طرفا في عمليات لمكافحة الإرهاب حول العالم. وسينظر الشركاء المحتملون لما حدث في سوريا وسيستخلصون استنتاجات معينة".

واعتُبر الإعلان الذي أصدره البيت الأبيض، مساء الأحد، حول سحب جنود أميركيين منتشرين عند الجانب السوري من الحدود مع تركيا بمثابة ضوء أخضر لهجوم تركي وشيك ضد القوات الكردية، حليفة واشنطن في التصدي للمتطرفين. وأثار الإعلان حملة تنديد واسعة حتى في صفوف الجمهوريين.

 

 

انقسام في الأوساط الأميركية

على الرغم من تبرير بعض الأصوات الرسمية في الإدارة الأميركية لقرار الرئيس، واعتباره أنه جاء لحماية الجنود الأميركيين بعدما تأكد ترمب من حملة عسكرية تركية في الشمال السوري، فإن أصوات أيضا من داخل الإدارة والحزب الجمهوري أعلنت رسميا اعتراضها على الخطوة باعتبارها تحولاً بارزاً في السياسة الأميركية وتخلياً ملحوظاً عن حلفاء الولايات المتحدة لا سيما المقاتلين الأكراد الذين شكلوا حليفاً رئيسياً للولايات المتحدة في المعارك ضد تنظيم "داعش"، كما أنه يرسل إشارات "سلبية" عن سياسة بلادهم في الشرق الأوسط.

وبحسب مسؤول كبير بالإدارة الأميركية، نقلت عنه وكالة رويترز، فإن قرار ترمب المفاجئ بشأن سوريا جاء بعد أن علم في المكالمة مع أردوغان أن الأتراك يعتزمون المضي قدما في العملية العسكرية التي يهددون بها منذ فترة. مضيفاً، "لم نتلق طلبا بسحب قواتنا. عندما علم الرئيس بالغزو التركي المحتمل ولعلمه أن لنا 50 من قوات العمليات الخاصة في المنطقة اتخذ القرار لحماية تلك القوات" بسحبها. وشدد في الوقت ذاته، أن قرار ترمب لا يمثل انسحابا أميركيا من سوريا، كما أن الرئيس أوضح خلال مكالمته مع أردوغان عدم دعم واشنطن للخطة العسكرية التركية.

في المقابل استنكر زعيما مجلسي النواب والشيوخ الأميركيين قرار الرئيس. وقالت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، وهي ديموقراطية، في بيان "هذا القرار يشكل تهديدا خطيرا للأمن والاستقرار الإقليميين ويبعث برسالة خطيرة لإيران وروسيا وكذلك لحلفائنا مفادها أن الولايات المتحدة لم تعد شريكا مؤتمنا". ودعت ترمب في البيان إلى "العدول عن هذا القرار الخطير".

وقال زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش مكونيل في بيان إن "الانسحاب المتسرع للقوات الأميركية من سوريا لن يصب سوى في مصلحة روسيا وإيران ونظام الأسد، وسيزيد من خطر نهوض داعش وغيرها من الجماعات المتشددة مرة أخرى".

وحض السيناتور المعروف تقليديا بدعمه لترمب على "تجنب نزاع كبير بين حليفنا التركي في الحلف الأطلسي، وبين شركائنا السوريين المحليين في مكافحة الإرهاب".

وفي تحذير بالكاد مبطن إلى الرئيس ترمب شدد ماكونيل على أن مجلس الشيوخ أقر مطلع السنة وبأكثرية كبيرة جدا مذكرة تنتقد إعلانه المفاجئ في تلك الفترة بسحب القوات الأميركية من سوريا. وحرص على التذكير بأن هذه المذكرة حصلت يومها على ما يكفي من الأصوات لتجاوز فيتو رئاسي.

وتابع السيناتور ماكونيل "أن الظروف التي أتاحت هذا التصويت" الذي جمع العديد من الديموقراطيين والجمهوريين "لا تزال قائمة اليوم". وأضاف ماكونيل الذي نادرا ما ينتقد ترمب "أدعو الرئيس إلى التصرف كزعيم".

وكان السيناتور الجمهوري، الذائع الصيت ليندسي غراهام، وجه هو الآخر انتقادات لاذعة لقرار ترمب، وقال إنه سيقترح مع سيناتور ديموقراطي فرض عقوبات على تركيا "في حال اجتاحت سوريا"، وسيدعو إلى تعليق عضويتها في الحلف الأطلسي "في حال هاجمت القوات الكردية التي ساعدت الولايات المتحدة لتدمير خلافة داعش". كما دعا السيناتور ليندسي غراهام، الجمهوري المقرب من ترمب، الأخير إلى "العودة عن قراره"، الذي "ينطوي على كارثة"، على حد وصفه.

وإعلامياً، اعتبرت صحيفة "نيويورك تايمز"، أن "خيانة ترمب تغضب الأكراد وتهدد المصالح الأمريكية". مضيفة أن مغادرة القوات الأميركية تهدد مكاسب حيوية من بينهما المكاسب الأمنية والتغلب على تنظيم "داعش".

ووفقا لصحيفة "الغارديان" البريطانية، فإنه من منظور ترمب للعالم، الشبيه بنظرته للصفقات التجارة، لا يسمح بتأمل الشق التاريخي أو الأخلاقي، وتتجاهل واقعيته التي لا ترحم أن المصالح الإقليمية التي يود تأمينها ستتعرض لخطر كبير بالتخلي عن الأكراد.

وبحسب الصحيفة، فإن القوات الكردية مع النظام السوري في دمشق لإبعاد الأتراك يبدو أحد الخيارات القليلة المطروحة أمام الأكراد، الذين سيجدون صعوبة كبيرة في التصدي بمفردهم لهجمات تركية موسعة. معتبرة أن انتصار الأتراك سيكون كبيرا، حيث سيتمكنون من إبعاد الأكراد من على طول الحدود.

وبعدما أعلن الرئيس التركي أردوغان، مساء الاثنين، أنّ الهجوم قد يبدأ "من دون سابق إنذار"، عبّرت الأمم المتحدة عن خشيتها من أزمة إنسانية وقالت إنها "تستعد للأسوأ". كما نبّه الاتحاد الأوروبي من أن "أي استئناف للمعارك سيزيد من معاناة الشعب السوري".

كذلك، نبّهت باريس أنقرة من تداعيات أي "مبادرة" من شأنها أن تقوض جهود قتال "داعش". وشددت الخارجية الفرنسية على ضرورة إبقاء مقاتلي التنظيم الموقوفين في "أماكن احتجاز مع حراسة مشددة" في شمال شرقي سوريا.

المزيد من سياسة