التكنوقراط والحكومة المغربية... من ينقذ الآخر؟

المشكل أعمق من الحديث عن ضرورة الكفاءات في مواقع المسؤولية

تواجه مساعي رئيس الحكومة المغربي للتعديل الحكومي صعوبات في ايجاد كفاءات (اندبندنت عربية)

في انتظار إعلان تشكيلة الحكومة المغربية خلال الأسبوع الحالي، يشهد الرأي العام المغربي نقاشاً في شأن حاجة الحكومة إلى كفاءات تكنوقراطية بهدف التطبيق الأمثل للسياسات العامة للدولة، خصوصاً المشروع التنموي الجديد الذي يراهن عليه المغرب في سبيل تنمية شاملة.

وكان ملك المغرب محمد السادس شدد في خطاب العرش، أواخر شهر يوليو (تموز) 2019 على كون المغرب يعيش مرحلة جديدة ستعرف جيلاً جديداً من المشروعات، ولكنها ستتطلب نخبة جديدة من الكفاءات، في مختلف المناصب والمسؤوليات، وضخ دماء جديدة على مستوى المؤسسات والهيئات السياسية والاقتصادية والإدارية، بما فيها الحكومة. وفي هذا الإطار، كلف الملك رئيس الحكومة بأن ينجز بالتزامن مع الدورة البرلمانية المقبلة، مقترحات لتجديد مناصب المسؤولية، الحكومية والإدارية، بكفاءات وطنية عالية المستوى، على أساس الكفاءة والاستحقاق.

عهد جديد يتطلب كفاءات

يعتبر المحلل السياسي محمد بودن أن البلد بصدد مرحلة جديدة تحتاج إلى رؤية جديدة لموقع الكفاءات. ويَخلص بودن إلى أنه لا يمكن أن تبقى الأحزاب بمنأى عن هذه التحولات الكبيرة، وعليها تغليب المصلحة العامة على مصالحها الخاصة في خصوص المشاركة في الحكومة، كما عليها القيام بمجهود من أجل استقطاب الكفاءات.

أزمة تدبير

وهناك من يعتبر أن المشكل في المغرب يكمن في التدبير وليس في الكفاءة. ويعتبر رئيس المركز المغربي لتحليل السياسات محمد مصباح أن جدلية الحديث عن الكفاءات أمر متجاوز، باعتبار أن الحكومة الحالية تضم كفاءات، لكن الخلل يكمن، حسب رأيه، في قدرة الحكومة على تنفيذ وعودها وعلى مدى استفادتها من أخطائها السابقة.

ويخلص مصباح إلى أن المغرب يمتلك تصورات استراتيجية جيدة، ولكن الخلل يكمن في القدرة على تحويل الالتزامات إلى سياسات فعالة في الواقع، باعتبار أن الخلل مرتبط ببنية صناعة القرار وليس بالفاعلين السياسيين.

الديموقراطية أولاً

يرى بعض السياسيين أن مسالة مشاركة التكنوقراط في الحكومة تبقى أمراً ثانوياً، إذ يجب أولاً وضع الأسس لديموقراطية حقيقية تضمن التطبيق الجيد للسياسات العامة للدولة، وتضمن وجود الشفافية حتى داخل الأحزاب. ويرى الكاتب العام السابق للحزب الاشتراكي الموحد محمد مجاهد، في حديث مع "اندبندنت عربية"، أنه "لا يمكن بناء الحكم الرشيد إلا على الديموقراطية الحقيقية، وكل البلدان الديموقراطية التي تمكنت من تحقيق التقدم والنمو تقوم سياستها على القواعد العامة للديموقراطية المعروفة والمتمثلة في ربط القرار السياسي بصناديق الاقتراع، ومبدأ السيادة الشعبية وسيادة القانون، بالإضافة إلى فصل السلطات، ومساواة جميع المواطنين أمام القانون، كما أنه لا وجود للديموقراطية في غياب أحزاب مستقلة عن الدولة تتنافس في ما بينها بشكل ديموقراطي نزيه، وبالتالي تلك الأحزاب تقوم بتدبير الشأن العام عندما تفوز بالانتخابات".

ويخلص مجاهد إلى أن المشكل في المغرب أعمق من الحديث عن ضرورة وجود كفاءات تكنوقراطية في مناصب المسؤولية من عدمه. فالأمر الأهم بالنسبة إليه يكمن في إرساء أسس قوية لديموقراطية حقيقية، ومن ثم وجود أحزاب قوية مستقلة تعتمد في عملها على مبدأ النزاهة ومتشبعة بثقافة الديموقراطية، آنذاك يمكننا مناقشة مسألة ضرورة الاستعانة بوزراء تكنوقراطيين.

أحزاب تفتقر إلى الكفاءات

منذ تولي حزب العدالة والتنمية رئاسة الحكومة في عام2011 ، بعد تصدره نتائج الانتخابات التشريعية، بدأ مسلسل إقالة العديد من الوزراء، ممن تبث فشلهم في تدبير بعض الملفات أو المشروعات الكبرى، في الوقت الذي تُتهم فيه بعض أحزاب الأغلبية الحكومية بعدم احتوائها على عدد كاف من الكفاءات العالية. ويلاحظ مجاهد أن المغرب لا يشكل الاستثناء عما يجري في العالم، وبالتالي عند وجود أحزاب قوية في مناخ ديموقراطي فإن الكفاءات تتجه إلى الأحزاب، وأن ما يُنفر الكفاءات من الأحزاب هو غياب الشفافية والديموقراطية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي الوقت الذي تبلغ فيه نسبة الشباب المنخرطين في الأحزاب المغربية 1%، يرى محمد بودن أن هذه النسبة تعكس واقع العجز الذي تعيشه الأحزاب في استقطاب شباب ذوي كفاءات عالية، ويخلص المحلل السياسي إلى أن التخوف من إشراك التكنوقراط في الحكومة يجعل المغاربة رهنا لدى الأحزاب، وبالتالي إشراك المستقلين في تدبير الشأن العام لن يكون أسوأ مما عليه الحال الآن في ظل غياب احترام الديموقراطية داخل الأحزاب.

مشاورات عسيرة

بعد مشاورات متعثرة دامت لقرابة شهرين، يستعد رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، حسب تسريبات من مصادر موثوقة، للإعلان عن تشكيلة الحكومة المعدلة خلال الأسبوع الحالي، وذلك قبل يوم الجمعة 11 أكتوبر (تشرين الأول) موعد انطلاق الولاية التشريعية الجديدة، ويحيل بعض المراقبين سبب التعثر في مسار مشاورات التعديل الحكومي إلى نية بعض الأحزاب إعادة سيناريو تعثر تشكيل الحكومة الذي واجهه رئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران. وكانت النتيجة عدم قدرته على إنشاء ائتلاف حكومي في الآجال الدستورية اختيار العاهل المغربي سعد الدين العثماني لتحمل مهمات رئاسة الحكومة.

تقليص الحقائب الوزارية

وتقرر حسب تلك التسريبات تقليص عدد الوزراء إلى 25 بدلاً من 39، بعدما أثار العدد الكبير من الحقائب الوزارية واستحداث قطاعات وزارية عدة انتقادات واسعة بدعوى رغبة رئيس الحكومة في محاباة الأحزاب المشاركة في الائتلاف الحكومي. ومن المحتمل أن يبلغ عدد التكنوقراط في الحكومة المعدلة نحو8  وزراء، ومن المرجح أن يدير حزب العدالة والتنمية سبع حقائب وزارية، وحزب التجمع الوطني للأحرار أربع حقائب، وثلاث حقائب لكل من حزب الاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية، بعد إعلان حزب التقدم والاشتراكية انسحابه من الائتلاف الحكومي بدعوى أن "المشاورات المتصلة بالتعديل الحكومي ظلت حبيسة منطق المناصب الوزارية وعددها، والمحاصصة في توزيعها، وغير ذلك من الاعتبارات من دون النفاذ إلى جوهر الموضوع، إذ لا إصلاح من دون المدخل السياسي الواضح والبرنامج الحكومي الطموح المرتكز على الأولويات، والإرادة القوية في حمل مشروع الإصلاح ورفع تحدياته وربح رهاناته".

المزيد من العالم العربي