ملخص
يرى مراقبون أن الدولة السورية الجديدة تسعى جاهدة إلى تحقيق هذا المطلب الشعبي، لكن الأمر ليس بهذه السهولة لأنها بحاجة إلى وثائق تؤكد الاتهامات من مصادر موثوقة، كما أن هرب جزء كبير من الصفين الأول والثاني من القيادات العليا خارج البلاد يعوق تحقيق الهدف.
يعيش السوريون على أمل الوصول إلى استقرار أمني وبسط حال من السلام والسلم الأهلي بعد الانتقال السياسي وتحرير سوريا، بينما لم تتوقف مطالبتهم بالعدالة تجنباً لحرب طائفية، ولا سيما مع اندلاع معارك أشعلها فلول النظام في الساحل السوري في مارس (آذار) الماضي، وسط غياب برنامج واضح بخصوص العدالة بحق مرتكبي الجرائم مع تصاعد فوضى الانتقام الموغلة بالبلاد.
على طريق المحاسبة
ومنذ اليوم الأول لسقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024، لم تخفت الأصوات المطالبة بمحاسبة المجرمين من مناصري النظام السابق، ولعل ظهور فيديو لعنصر من الأمن العام في مدينة تل كلخ بريف حمص يشرح فيه من دون أن يميط اللثام عن وجهه، أسباب إقدامه على قتل مواطن سوري وصفه بـ "الشبيح" ويُعرف باسم أسامة حمدان، ترك أصداء واسعة بين السوريين بخاصة أنه الظهور العلني الأول لشخص يعترف بتنفيذ عمل انتقامي، بعدما ظلت هذه الأعمال والتصفيات الشخصية تدور في الخفاء تحت ذرائع مختلفة، لكنها تصب في خانة الانتقام، وقد برر العنصر لجوءه إلى لغة الثأر ممن قتل عمه بعدم التجاوب للشكاوى الكثيرة التي قدمها.
هذه الحادثة جعلت الشارع السوري ينتفض ليل الخميس الماضي، فطالب حقوقيون الأوساط الشعبية بالنزول إلى الساحات العامة بعد صلاة الجمعة للمطالبة بالعدالة الانتقالية والقصاص من مرتكبي الجرائم الذين لا يزالون أحراراً عقب التسويات الأخيرة التي أتاحت الإفراج عن شخصيات متهمة بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ومنهم من عاد لمنصبه داخل سوريا الجديدة، وهذا ما اعتبره ناشطون "إهانة لدماء الضحايا وتواطؤاً فاضحاً مع المجرمين".
وحملت التظاهرة الاحتجاجية التي لم تولد لأسباب غير معروفة اسم "جمعة الغضب"، وفي الليلة ذاتها وحتى مساء الجمعة جرى رصد انتشار كثيف لقوى الأمن والشرطة، كما جرى تنظيم اعتصامين أمام السفارة اللبنانية للمطالبة بالإفراج عن معتقلي الرأي السوريين في السجون اللبنانية، وآخر طالب الحكومة السورية الجديدة بتشريع قوانين لوقف قتل الحيوانات، لكن المعلومات الواردة تؤكد عدم صدور قرار قانوني أو موافقة من قبل الجهات المعنية لتنفيذ هذا الحراك الشعبي، وفي مقابل ذلك تجمع عشرات الناشطين في ساحة الكرامة وسط مدينة السويداء بعد دعوى أطلقها التجمع المدني من أجل سوريا للمطالبة بتطبيق العدالة الانتقالية، ورفع المشاركون لافتات طالبت بتحقيق العدالة.
بنك الأدلة والوثائق
وتعد "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" من بين الأصوات الحقوقية التي نادت بالعدالة الانتقالية، وعملت على مدى أكثر من عقد من زمن الصراع السوري على جمع وثائق وأدلة حول انتهاكات مرتكبي الجرائم، وجمعت نحو 16 قائمة تضم أسماء 16200 متورط، من بينهم 6724 فرداً من القوات الرسمية التي تشمل الجيش والأجهزة الأمنية، و9476 من القوات الرديفة التي تضم مجموعات كانت تقاتل إلى جانب الجيش النظامي في ذلك الوقت.
كما أصدرت "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" تقريراً مفصلاً وضعت فيه رؤية حول تطبيق العدالة الانتقالية، ومنها تشكيل هيئة وطنية متخصصة تضم شخصيات مستقلة تمثل مختلف أطياف المجتمع السوري والمشاركة المجتمعية، وخلص التقرير الأشبه بـ "خريطة طريق" نحو بناء سوريا الجديدة إلى ضرورة الالتزام بمسار العدالة الانتقالية، والتي "تعد ضرورة وطنية لضمان عدم تكرار مأساة الماضي وتحقيق الاستقرار الدائم للسوريين".
وقال مدير "الشبكة السورية" فضل عبدالغني "كانت لدينا أسماء لقيادات ومسؤولين عن رمي البراميل والمتفجرات، ولعل حصيلة 16 ألف شخص هي جزء من المجموع الإجمالي، ولعل فترة الأعوام الخمسة فترة محدودة للمحاسبة الانتقالية".
وفي المقابل رأى مراقبون أن الدولة السورية الجديدة تسعى جاهدة إلى تحقيق هذا المطلب الشعبي، لكن الأمر ليس بهذه السهولة، فهي تحتاج لإدانة المرتكبين إلى وثائق تؤكد الاتهامات من مصادر موثوقة، كما أن هرب جزء كبير من الصفين الأول والثاني من القيادات العليا خارج البلاد يعوق تحقيق الهدف.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
استمرار الانتهاكات
وفي الأثناء ترتفع أصوات حقوقيين وناشطين في مجال حقوق الإنسان من أجل إنشاء محاكم بصورة عاجلة قبل اتساع العمليات الانتقامية، ولا سيما بعد ما حدث في الساحل السوري عقب مصرع 16 عنصراً من الأمن العام على يد مجموعات من عناصر تابعة للنظام السابق في ريف جبلة باللاذقية غرب البلاد في السادس من مارس الماضي، مما أجج الموقف الذي تحولت معه مجريات المعارك إلى تصفيات بحق مدنيين وانتهاكات فردية، وفي وقت كانت المطالبات تتجه نحو تحقيق العدالة الانتقامية بحق القادة من نظام الأسد، باتت تدعو الآن إلى فتح تحقيق في هذه المخالفات.
ورأى المدير التنفيذي لمنظمة "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة" أن الاعتقالات التعسفية والقتل والتعذيب الحاصل في الساحل غير قانونية، ولاسيما الإعدامات الميدانية، وطالب الحكومة الجديدة بفتح تحقيق لكشف ملابسات ما حدث من أجل التأسيس لدولة قانون وإحالة العناصر إلى التحقيق ومحاسبتهم وضمان عدم تكرار ذلك في باقي المناطق.
ومن الصعب جداً تحقيق العدالة الانتقالية بالسرعة المطلوبة لوجود تحديات كبيرة تواجه جهود المساءلة والمحاسبة، ومن أجل ذلك نوه تقرير "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" بالعمل على ضرورة التركيز على محاسبة القيادات العليا من الصفين الأول والثاني في الجيش، وأجهزة الأمن التابعة للنظام السابق ممن تورطوا بصورة مباشرة في ارتكاب الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان خلال الفترة الممتدة من مارس 2011 وحتى ديسمبر 2024، وأشار التقرير إلى أهمية الاعتماد على لجان تقصي حقائق لدورها المحوري في جمع الأدلة الجنائية وتقديمها إلى المحاكم المتخصصة في قضايا العدالة الانتقالية.
وإزاء ذلك أعلن فصيل مسلح أطلق على نفسه "قوة المحاسبة الخاصة" تشكيل جسم عسكري متخصص "في اغتيال الشبيحة ومجرمي الحرب الذين لم يحاسبوا من قبل الحكومة"، وفق ما أعلنه مجهولون عبر فيديو مصور ظهر فيه عدد من الرجال بزي عسكري ملثمين يحملون السلاح والعلم السوري، مما أثار توجس الناس من استمرار الأعمال الانتقامية، وكأن قدر السوريين العيش في دوامة القتل وسفك الدماء.