واشنطن: نقل قواتنا إلى قواعد أخرى لا يشكل ضوءا أخضر لتركيا

ثالث توغل لأنقرة منذ عام 2016 بعد نشر عناصر على الأرض في شمال سوريا

حشود عند الحدود السورية التركية شمال حلب في 7 أكتوبر 2019 (أ.ف.ب)

يبدو أن توغلاً تركياً وشيكاً في شمال سوريا سيعيد ترسيم خريطة الصراع السوري مرة جديدة، ما يوجه ضربة لقوات حاربت تنظيم داعش ويقودها الأكراد ويؤشر إلى توسع رقعة الأراضي الخاضعة لسيطرة تركيا على الحدود.

وسيكون هذا ثالث توغل من نوعه لتركيا منذ عام 2016 بعدما نشرت بالفعل قوات على الأرض في شمال سوريا، بهدف "احتواء النفوذ الكردي في سوريا".

ترمب يحذر

وفي ظل هذه التطورات، حذر الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاثنين 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من "مشكلة كبيرة" إذا تعرض أي جندي أميركي للأذى في الشطر الذي هددت أنقرة بالتوغل فيه من سوريا.

وقال ترمب إنه أبلغ أردوغان عبر الهاتف الأحد بأنه "ستكون هناك مشكلة كبيرة إذا تعرض أحد أبنائنا للأذى"، وأضاف "أبلغت تركيا بأنها إذا قامت بأي تجاوز، فسيواجهون عاقبة اقتصاد متهالك للغاية".

"اجتياح محتمل"

وذكر مسؤول كبير في الإدارة الأميركية أن "تركيا لم تشرع حتى الآن على ما يبدو في توغلها المتوقع في شمال شرقي سوريا"، مؤكداً أن قرار ترمب إعادة نشر القوات لا يمثل انسحاباً أميركياً من سوريا، وأن "القرار لا يشمل سوى حوالى 50 إلى 100 جندي فقط من أفراد القوّات الخاصة، سيُنقلون إلى قواعد أخرى داخل سوريا".

وبحسب المسؤول، فإن ترمب حين علم خلال المكالمة الهاتفية أن أردوغان ينوي المضي قدماً في خطّته لـ"اجتياح محتمل" لشمال شرقي سوريا، أعطى الأولوية لـ"حماية" الجنود الأميركيين.

وأكد المسؤول أن "نقلهم لا يشكّل ضوءاً أخضر"، مضيفاً "ليس هناك من ضوء أخضر".

لكنّه أكد في الوقت ذاته، أن الولايات المتحدة لن تتصدى عسكرياً لتركيا في سوريا.

ودعا المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك جميع الأطراف في شمال شرقي سوريا إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، وشدد على "ضرورة ضمان وصول الدعم الإنساني للمدنيين المحتاجين بشكل آمن ومستمر ومن دون عوائق".

إيران تعارض "العملية العسكرية"

من جانبه، أبلغ وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف نظيره التركي مولود تشاوش أوغلو الإثنين، أن طهران "تعارض" عملية عسكرية في سوريا، وحضه "على احترام وحدة أراضي سوريا وسيادتها الوطنية"، مشدداً على "ضرورة مكافحة الإرهاب وإحلال الاستقرار والأمن في سوريا"، وفق ما جاء في بيان رسمي.

ماذا تريد تركيا؟

لتركيا هدفان رئيسان في شمال شرقي سوريا، أولاً إبعاد وحدات حماية الشعب الكردية التي تعتبرها خطراً أمنياً، عن حدودها. ثانياً إنشاء منطقة داخل سوريا يمكن فيها توطين مليوني لاجئ سوري تستضيفهم في الوقت الراهن.

وتدفع أنقرة الولايات المتحدة إلى المشاركة في إقامة "منطقة آمنة" تمتد 32 كيلومتراً في الأراضي السورية، لكنها حذرت مراراً من أنها قد تخوض عملاً عسكرياً من جانب واحد، متهمة واشنطن بالتلكؤ.

بل وتحدث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الآونة الأخيرة عن توغل أعمق في سوريا، يتجاوز "المنطقة الآمنة" المقترحة إلى مدينتي الرقة ودير الزور، من أجل السماح لمزيد من اللاجئين بالعودة إلى سوريا.

كيف سيتأثر الأكراد؟

أمضت قوات "سوريا الديمقراطية" التي يقودها الأكراد أعواماً وهي توسع نطاق سيطرتها عبر شمال سوريا وشرقها، بمساعدة التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش.

والأكراد مثال نادر على تحقيق مكاسب في الحرب السورية، إذ شكلوا مع حلفائهم هيئات حاكمة مع التأكيد دوماً على أن هدفهم هو الحكم الذاتي وليس الاستقلال.

وقد ينهار كل ذلك في حال حدوث هجوم تركي كبير من شأنه أن يوقع المنطقة في حرب. وقال مجلس "سوريا الديمقراطية"، إن "الهجوم سيفجر موجة نزوح جماعي جديدة".

وبالنسبة إلى تحالف قوات "سوريا الديمقراطية"، الذي تمثل وحدات حماية الشعب الكردية أكبر فصائله، فسيعوّل على احتمال احتفاظ الولايات المتحدة بقوات في مناطق أخرى من الشرق والشمال الشرقي في سوريا. وسيعرّض أي انسحاب أميركي كامل المنطقة لخطر المزيد من التوغلات التركية وعودة تنظيم داعش أو لمحاولات الحكومة السورية المدعومة من إيران وروسيا استعادة أراض.

وبعد أن واجه الأكراد احتمال انسحاب القوات الأميركية العام الماضي، قرعوا أبواب دمشق بهدف إجراء محادثات تسمح للحكومة السورية وحليفتها روسيا بالانتشار عند الحدود.

ولم تحقق المحادثات أي تقدم لكن مثل هذه المفاوضات قد تصبح خياراً مطروحاً مرة أخرى في حال انسحاب أميركي أكبر.

إلى أي مدى قد تذهب تركيا؟

المنطقة الحدودية الشمالية الشرقية التي تسيطر عليها في الوقت الراهن قوات يقودها الأكراد، تمتد إلى مسافة 480 كيلومتراً من نهر الفرات في الغرب إلى حدود العراق في الشرق.

ويبدو أن خطط تركيا العسكرية تنصب في الوقت الحالي حول قطاع حدودي بين مدينتي رأس العين وتل أبيض، اللتين يفصلهما حوالى 100 كيلومتر. وأبلغ مسؤول أميركي وكالة "رويترز" أن "القوات الأميركية انسحبت من مواقع المراقبة هناك".

وعلى الرغم من أن هذا الجزء يقع تحت سيطرة القوات التي يقودها الأكراد، فإنه كان على مر التاريخ يحوي وجوداً عربياً قوياً.

وقال أوزجور أونلو هيسارجيكلي من صندوق مارشال الألماني "هذه منطقة سكانها عرب ولتركيا علاقات طيبة مع الجماعات البارزة فيها". وأضاف أنه إذا حاولت وحدات حماية الشعب أن تحتفظ بأراض هناك "فستخسر الكثير من الدماء".

ولم تحدّد تركيا نطاق العملية المرتقبة أو تركيزها المبدئي. وقال مسؤول تركي إن "مكان وتوقيت ونطاق تنفيذ الإجراءات الرامية لمواجهة المخاطر الأمنية ستقرره تركيا مجدداً".

ما هو رد الفعل الغربي على الخطة التركية؟

لا يوجد دعم علني من حلفاء تركيا الغربيين لخطتها الهادفة إلى توطين مليوني لاجئ سوري، أي أكثر من نصف عدد اللاجئين الذين تستضيفهم في الوقت الراهن، في شمال شرقي سوريا.

والباعث الرئيس لقلق الغرب هو أن يؤدي تدفق السوريين إلى شمال شرقي سوريا، الذي يهيمن عليه الأكراد، إلى تغيير التركيبة السكانية للمنطقة.

وقال منسق الأمم المتحدة الإقليمي للأزمة السورية إن "على كل الأطراف تفادي تشريد المدنيين إذا شنت تركيا الهجوم".

ماذا يعني ذلك للأسد؟

على الرغم من أن الأراضي المعنية خارج سيطرة الحكومة السورية، إلا ان التوغل التركي سيعني أن الكيان المسيطر على المنطقة سيتحول من قوة غير معادية، وهي قوات سوريا الديمقراطية، إلى تركيا ومقاتلي المعارضة الذين يريدون الإطاحة بالأسد.

ولطالما اعتبرت دمشق "أنقرة قوة احتلال لها مخططات في الشمال السوري". كما لمحت أحياناً إلى استعدادها لإبرام اتفاق مع الأكراد على الرغم من أن مفاوضاتهما الأخيرة وصلت إلى طريق مسدود.

كذلك، قد تتيح الفوضى لتنظيم "داعش" فرصة النهوض من جديد. وتشن قوات سوريا الديمقراطية عمليات ضد خلايا "داعش" النائمة منذ انتزاع السيطرة على آخر معاقله في وقت سابق هذا العام.

ولطالما حذر قادة الأكراد من أن قوات "سوريا الديمقراطية" قد لا تتمكن من مواصلة احتجاز أسرى "داعش" إذا تدهور الوضع في حال "غزو تركي".

ووفقا لإدارة العلاقات الخارجية في الإدارة التي يقودها الأكراد في شمال سوريا، لا تزال قوات "سوريا الديمقراطية" تحتجز خمسة آلاف مقاتل من العراق وسوريا، بالإضافة إلى ألف أجنبي من أكثر من 55 دولة.

المزيد من العالم العربي