احتجاجات العراق: ارتفاع حصيلة القتلى واتهام الميليشيات الموالية لإيران بإطلاق النار على المتظاهرين

مراقبون: يريد الإيرانيون عسكرة الوضع لإسقاط صفة الحركة الجماهيرية عنه

يشتبه في أن الجماعات العراقية شبه العسكرية القريبة من إيران تنضم إلى الهجمات على المتظاهرين في العاصمة بغداد وغيرها من المدن  العراقية، مما يؤدي إلى خسائر فادحة في الأرواح بين المتظاهرين. حيث قُتل حوالي 107 أشخاص وجُرح أكثر من 6 آلاف خلال الأيام الستة الماضية، على الرغم من أن الأطباء في المشافي يقولون إن الحكومة تقلل من العدد الحقيقي للقتلى.
وقال مصدر، فضّل عدم الكشف عن هويته، لـ "اندبندنت" "إن الميليشيات الموالية لإيران استولت على قطاع من بغداد وهي مسؤولة عن أمنه".
 

قناصة من مليشيات مدعومة إيرانياً
 

وذكر أن القناصة الذين ينتمون إلى هذه الجماعات أطلقوا نيرانهم على المتظاهرين، مستهدفين الرؤوس أو القلوب في أغلب الأحيان. بينما يقول شهود العيان إن الجنود العراقيين أيضاً يطلقون النار مباشرة على حشود المتظاهرين ، الذين يطالبون بإسقاط الحكومة والحصول على وظائف ووضع حد للفساد.
يذكر أن المسلحين الذين يطلقون النار على المتظاهرين ينحدرون من فصائل "الحشد الشعبي" الموالية لإيران، وهي هيئة قوية قوامها 85 ألف فرد تم تشكيلها لإيقاف تقدم داعش في بغداد بعد سقوط الموصل عام 2014. إنها تحالف يضم حوالي 30 مجموعة، وكان الكثير منها موجوداً قبل داعش، وتقوم الحكومة العراقية بتمويلها وتخضع لسيطرتها اسمياً، ولكنها تشمل ولاءات سياسية متباينة بشكل كبير. كما أنها تضم وحدات قوية، مثل كتائب حزب الله، التي تقول بصراحة إن ولاءها الأول للقيادة الإيرانية.
يشار إلى أن المظاهرات في بغداد وفي معظم المناطق الشيعية في جنوب العراق هي عفوية إلى حد كبير، لكن تم استهدافها في بعض الأحيان بغرض القتل عندما كان يوجد فيها زعماء محليون.
فقد قُتل حيدر كريم السعيدي، أحد أبرز منظمي الاحتجاجات، برصاص قناص قرب ساحة المظفر في وقت متأخر من مساء يوم الأحد. وفي وقت سابق، ذكر شهود أنهم رأوا قناصة يتخذون من أسطح المنازل المطلة على الساحة مواقع لهم.


قوات شبه عسكرية تهاجم المتظاهرين


كما أن القوات شبه العسكرية هاجمت المتظاهرين المصابين في المستشفى: وقال طبيب يعمل في مجمع المدينة الطبية بوسط بغداد إن أعضاء من جماعة شبه عسكرية تدعى عصائب أهل الحق، المعروفة بتعاطفها مع إيران، قد اقتحموا جناحاً في مستشفى مليء بالمتظاهرين الجرحى وبدؤوا بضربهم. وعندما احتج على ذلك التصرف، قيل له "أن يهتم بشأنه الخاص" وضُرب بهراوة.
وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية سعد معن إن 6107 أشخاص أصيبوا في الاضطرابات، بمن فيهم 1200 من أفراد قوات الأمن. كما تم تدمير المباني العامة ومقار الأحزاب السياسية.
 

عناصر من حزب الله العراقي تهاجم استوديوهات محطات تغطي التظاهرات
 

 يُزعم أن جماعة شبه عسكرية تدعى كتائب حزب الله، والتي ليس لها أي صلة بالجماعة اللبنانية التي تحمل نفس الاسم ولكنها تدعم إيران بقوة، قد قامت بسلب ما لا يقل عن عشر محطات تلفزيونية كانت تبث تغطية كاملة أو متعاطفة مع المظاهرات. في إحدى الحالات، وصل مسلحون يرتدون أغطية رأس سوداء في اثنتي عشرة سيارة بيضاء لا تحمل لوحات ترخيص وقاموا بتحطيم الاستوديوهات، واستولوا على أجهزة كمبيوتر وضربوا الموظفين وأخذوا محافظهم وهواتفهم المحمولة.
 

طرف ثالث
 

من جهتها أعربت الحكومة عن شكوكها في أن طرفاً ثالثاً يلعب دوراً في إثارة المزيد من العنف، من خلال استخدام القناصة الذين يطلقون النار من أجل القتل. وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية سعد معن في مؤتمر صحفي: إن "الأيدي الخبيثة" كانت تستهدف المحتجين وقوات الأمن على حد سواء. قد يكون هذا الكلام صحيحاً في جزء منه، ولكنه أيضاً محاولة من جانب قوات الأمن لتجنب تحمل مسؤولية إطلاق النار مباشرة على الحشود، على الرغم من أن هناك ما يكفي من الدلائل على أنها كانت تفعل ذلك بالضبط. وشملت التدابير القمعية حظر التجول لمدة يومين، وحظراً مستمراً على الإنترنت، واعتقالات احترازية.
وقد أصبحت مطالب المتظاهرين أكثر راديكالية منذ يوم الثلاثاء الماضي، مع تزايد عدد الضحايا، وتعالي الأصوات المطالبة بسقوط حكومة عادل عبد المهدي.  حيث أظهر أنه غير فعال، عندما ألقى خطاباً خلال عطلة نهاية الأسبوع، حدد فيه خطة مكونة من 17 بنداً تشمل تقديم معونات البطالة والمساكن المدعومة، لكن الخطاب لم يكن مؤثراً بشكل كبير. خلال العام الأول في منصبه ، فشل السيد مهدي في إدخال أي إصلاحات مهمة ، وهذا ما يفسر تمتع حماسته المفاجئة للتغيير بمصداقية قليلة.
وتدل المؤشرات في الوقت الراهن، على أن القمع سيستمر لكنه لن ينجح.
 

استمرار حركة الاحتجاج
 

يقول أحد المراقبين "المتظاهرون في أوج شبابهم ويشعرون أنه ليس لديهم ما يخسرونه... سيواصلون الاحتجاج مهما حدث".
وعلى الرغم من أن العراق يتمتع بعائدات نفطية شهرية تزيد على 6 مليارات دولار، فإن الفساد الحكومي المتفشي منذ سقوط صدام حسين في عام 2003 يعني أن عمليات إنشاء الطرق والمدارس والمستشفيات الجديدة ضئيلة جداً وأن هناك نقصاً مزمناً في الكهرباء وفي الماء في بعض المدن.
وقبل كل شيء، هناك نقص في الوظائف في بلد يقدر عدد سكانه بـ 38 مليون نسمة، ويبلغ معدل زيادته مليون نسمة في السنة، بينما يشكل الأشخاص دون سن الثلاثين 70 في المئة من السكان. وكثير منهم عاطلون عن العمل، بما في ذلك 307 آلاف خريج جامعي، قام بعضهم بالتمركز على أبواب الوزارات في بغداد خلال الأشهر الثلاثة الماضية ، ساعين للحصول على أعمال تناسب مؤهلاتهم، لكنهم لم يظفروا بها. 
لا يمكننا إغفال حقيقة أن الغضب الشعبي يزداد عاماً بعد الآخر بسبب المظالم الاجتماعية والاقتصادية الطويلة الأمد، وأن هزيمة داعش بعد حصار الموصل في عام 2017 تعني أنه لم يعد لدى الحكومة ذريعة باستنفاد كل طاقاتها ومواردها في الحرب ضد المجموعات الشبيهة بتنظيم القاعدة. ولكن هذا لا يفسر تماماً السبب الذي جعل الحكومة العراقية - إلى جانب الجماعات شبه العسكرية الموالية لإيران - ترد بعنف وبشكل مضاد على مسيرة احتجاجية صغيرة نسبياً خرجت على جسر الجمهورية في بغداد يوم الثلاثاء الماضي.
لا بد من الإشارة إلى أنه كانت هناك احتجاجات أكبر بكثير دون أن تثير مثل هذا العنف في السنوات السابقة،  بما في ذلك احتجاجات انطلقت العام الماضي في البصرة كانت قريبة من انتفاضة عامة، ولكنها لم تشهد إطلاق رصاص حي على المتظاهرين. في عام 2016 ، اقتحم المتظاهرون المنطقة الخضراء في بغداد ونهبوا مبنى البرلمان ومكتب رئيس الوزراء بينما كانت قوات الأمن تقف متفرجة.
 

مستشارو عبدالمهدي أججوا الوضع
 

تفسيرات رد الفعل الحكومي المدمر للذات تشمل هذه المرة ميل مستشاري رئيس الوزراء عادل عبد المهدي الذين يسيطر عليهم القادة العسكريون للاعتماد على القوة و القليل من التفاهم السياسي. كما أن الدور العدواني للقوات شبه العسكرية الموالية لإيران هو دليل على أن طهران تخشى الاحتجاجات الجماهيرية السلمية المناهضة للحكومة، على غرار ما حدث خلال الحركة الخضراء في إيران عام 2009 وفي سوريا عام 2011 ، والتين شكّلتا في ذروتيهما تهديداً بتغيير النظام.
يقول أحد المعلقين العراقيين "يريد الإيرانيون عسكرة الوضع حتى لا يبقى حركة جماهيرية". ومن شأن هذا أن يفسر إطلاق النار على الكثير من المتظاهرين. لكن من خلال رد الفعل المبالغ فيه، ربما تسببت الحكومة والإيرانيون بإثارة الوضع الذي يريدون تجنبه تماماً.

© The Independent

المزيد من العالم العربي