Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحمامات الشعبية في فلسطين بين الحداثة وتعاقب الأجيال

تحولت مع الوقت بأنماطها المختلفة من حاجة ومكان للتجمع إلى مشاريع استثمارية وفرصة للترفيه

"طلع الزين من الحمّام، الله واسم الله عليه"، أهازيج اعتاد الفلسطينيون ترديدها بعد انتهاء حمام العريس يوم زفافه في أحد الحمامات العامة، التي تعرف بالتركية أو الشامية، ففي فلسطين خلال العهد التركي وقبل ذلك، وثق المؤرخون والرحالة 38 حماماً عاماً، عشرة منها كانت في مدينة نابلس، وما زالت معظمها قائمة ولها جمهورها الخاص من الكبار، وآخر جديد من الشباب.

بنيت هذه الحمامات العامة، لتلبي متطلبات كثيرة لسكان كل منطقة، كان أبرزها الحاجة، فحتى بداية الثلاثينيات من القرن الماضي كان الاستحمام في المنازل قليل جداً، عدا عن شح المياه وعدم توفرها، إضافة إلى أنها شكلت مكاناً للتنزه والترفيه، والاحتفال بمناسبات اجتماعية كالختان والزواج وزفات الأعراس، والاجتماعات العائلية وغيرها.

بعد الإغلاق لم تعد كلها للعمل

أحداث سياسية وتغيرات اجتماعية كثيرة، أدت إلى تحول عادة الذهاب إلى الحمامات العامة من حاجة إلى ترفيه، إذ لم تستطع كلها الصمود أمام الإغلاقات الإسرائيلية لبعضها، ومن أشهرها حتى الآن في البلدة القديمة في نابلس الشفاء والسمرة (الهنا)، والأخير يعتبر أقدم حمام في فلسطين، وأعيد ترميمه وافتتاحه عام 1996.

 يقول أحمد مرعي، أحد المشرفين فيه، إن الطائفة السامرية هي من بنت هذا الحمام على الطريقة الرومانية قبل 2000 عام في حي الياسمينة، حيث سكنوا قديماً قبل انتقالهم إلى جبل جرزيم، موضحاً أن الحمام ارتبط بأمور دينية للسامريين ففيه كان مغطس يميزه عن بقية الحمامات.

مكان دافئ للترفيه والاسترخاء

إذا ما دخلت الحمام السامري، سيواجهك ما يسمى بالمشلح الصيفي، وفيه أماكن للجلوس وشرب المشروبات الساخنة التي يعد "القينر" أشهرها، وهو خليط من القرفة والزنجبيل وجوز الهند، وتدخين الأرجيلة، والاستمتاع بالبرودة القادمة من انسياب المياه في النافورة التي تتوسط القاعة، ويمكنك أيضاً تبادل الحديث مع الأقران، أما في الداخل فهناك المشلح الشتوي وفيه القاعات الدافئة، والخلوات المبنية من الحجر الخاصة باستحمام كل شخص على حدة، إضافة للقاعة الساخنة التي يستلقي فيها الناس على أرضيتها، كنوع من العلاج والاسترخاء، وبركة ماء الكبريت لتعقيم الجسم لدقيقتين، وغرفة البخار، وإذا نظرت للسقف فستجد فتحات مغطاة بزجاج ملون لتجميع الحرارة وتدفئة المكان وتوفير إضاءة ملونة للزبائن.

يوضح الباحث والمهندس المعماري نصير عرفات، أن للحمامات تصميماً خاصاً، ففي جدرانها فخاريات للحفاظ على الحرارة، وفي سقفها فتحات لتجميع الضوء، أما تحت البلاط فهناك أنابيب لتدفئته إما بتمرير المياه الساخنة كما في القدس والخليل، أو ببخار المياه الناتج من حرق بعض المواد فيما يسمى بالقميم كما في نابلس، مشيراً إلى أنها بهذا كانت تشكل أبنية صديقة للبيئة حتى وإن كان هذا المفهوم غائباً حين بنائها في القرون الماضية.

من الحاجة الى الاستثمار 

بعض الحمامات التركية والشامية الموجودة في نابلس اليوم، بنيت لتكون استثماراً يلبي أغراضاً تختلف تماماً عن الاستحمام والاسترخاء، فعلى سبيل المثال يعمل منذر التيتي على تحويل صبانة في البلدة القديمة، بنيت في العهد العثماني وأغلقت إبان حرب الخليج، إلى حمام تركي بذات الأقسام التقليدية ولكن بنمط حديث، يستخدم فيه مستحضرات وطرق جديدة كبركة الورد والملح، فهو سيستغل آبار المياه والزيت القديمة التي كانت تستخدم لصناعة الصابون من أجل توفير المياه، ومكان تجفيف الصابون وتقطيعه لافتتاح مقهى صغير، موضحاً أنه يسعى للحفاظ على هيكلية المبنى القديم بتفاصيله كإبراز الحجر الأصلي وأقواس السقف، مع بعض التعديلات الحديثة، مضيفاً تقنية التسخين بالطاقة الشمسية صيفاً وبالكهرباء شتاءً للحفاظ على البيئة.

وعن استحداث الحمامات يقول أحمد مرعي، إنه لا ينكر الأثر الذي قد تسببه الأماكن الجديدة خصوصا للجيل الشاب، لكنه يشير الى أن حمام السمرة حافظ على زبائنه، وما زال يستقبل الفئات الشابة والوفود الأجنبية والسياح، كمكان للراحة والسياحة أيضاً باعتباره الأقدم، أما عن الأوقات المخصصة للفتيات، يوضح أن فترة الصباح في الماضي كانت للإناث، ولكن الآن فقط عن طريق حجز الحمام بالكامل مسبقاً.

فكرة تحويل المباني إلى حمامات لا تروق للبعض، لأنها في نظرهم تمثل طمساً لهوية المكان الأصلية، سواء كان منزلاً أو صبانة أو أي شيء آخر، عدا عن افتقاد المكان إلى تقنيات تسخين المياه التقليدية القديمة.

في المقابل، يقول المهندس عرفات، إن تغيير بعض المعالم تفقد المكان روحه، عدا عن أن للحمامات خصوصاً القاعة الساخنة نوعا محددا من البلاط يسمى السلطاني ليعطي الدفء للمستلقي عليه، لكن في المستحدث أحياناً يتم استخدام الرخام وهو لا يفي بالغرض ولا يؤدي المطلوب، إضافة إلى طرق تسخين المياه والتمديدات الخاصة بها في البنية التحتية للمكان.

"صيد العصافير"

وشكلت الحمامات العامة أيضاً مكاناً للبحث عن العرائس، إذ كانت تذهب من تريد تزويج ابنها إلى هناك، وتبحث عن فتاة مناسبة له، وهو ما كان يسمى بـ"صيد العصافير"، إضافة إلى أنها كانت منبعاً لبعض الأمثال الشعبية مثل أن مجموعة من الناس كانوا يستحمون حين اشتعلت النيران، وخرج بعضهم خوف الاحتراق دون ملابس، في حين خجل آخرون وبقوا في الداخل فماتوا احتراقاً، فذهبت هذه الحادثة قولاً: "اللي استحوا ماتوا" أي من خجلوا ماتوا في الحريق، ويستخدم كثيراً هذه الأيام عند القيام بعمل مشين أو يخالف العادات والتقاليد.

ربما ليس كل الجديد يفضلها

ربما كان الجيل الشاب أقل تعلقاً بالذهاب لهذه الأماكن، لأنها لا تشكل حاجة له بقدر ما هي رفاهية، فمن يحب تجربتها يعتبر أنها مكانٌ للراحة والاسترخاء والتخلص من التعب، خاصة المساج والقاعة الساخنة والتكييس، وهي أيضاً مكان للتجمع مع الأصدقاء، ولكن هناك من لا يفضلها لأسباب تتمثل بالخوف من التعرض للمرض، معتبرين أن المياه قد تكون ناقلة للجراثيم، أو الخجل وعدم الرغبة في أن يرى البعض أجزاء من أجسادهم.