الصدر يتحدى مرجعية النجف ويذهب الى التصعيد وإيران تترقب

حاول عبد المهدي الظهور بمظهر القوي عندما وجه الاتهام بشكل غير مباشر للقوى التي تتقاسم الكتل البرلمانية

مقتدى الصدر زعيم تكتل "سائرون" في البرلمان العراقي (رويترز)

يبدو أن الموقف الذي صدر عن المرجعية الدينية في النجف (السيد علي السيستاني) حول الأزمة التي يشهدها الشارع العراقي من احتجاجات شعبية مطالبة بالإصلاح ومحاربة الفساد ومحاكمة الفاسدين، لم يكن بحجم التوقعات التي كانت تنتظرها بعض الأطراف السياسية العراقية، خاصة مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري والمرشد لأكبر كتلة برلمانية "سائرون" وصاحب الحصة الأكبر في التشكيلة الحكومية القائمة والمؤثر الأبرز في اتجاهات السياسة العراقية.

التكهنات التي سادت الأجواء العراقية قبل يوم من الخطاب الذي ألقاه رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي حول الأزمة والحلول المقترحة التي سيلجأ اليها بهدف تلبية مطالب المحتجين والمتظاهرين ( ليل الخميس – الجمعة) قبيل ساعات من الموقف المنتظر للمرجعية الدينية (خطبة صلاة الجمعة في كربلاء)، لم تكن منسجمة مع ما كانت بعض القوى السياسية ترغب في سماعه، خصوصا ما يتعلق بدفع عبدالمهدي الى الاستقالة التي قيل إنه لوح بها في ظل ما يعانيه من تعطيل لدوره وفعالية الحكومة التي يترأسها في اتخاذ القرارات البسيطة نهايك عن الإصلاحية والمحاسبية.

وبغض النظر عن مدى نجاح حكومة عبدالمهدي أو فشلها في اعتماد سياسات إصلاحية وإنقاذية، وهي لم تنجح في ذلك بالمستوى الذي يلبي المطالب الشعبية المتراكمة والمزمنة واعتراضاتها على الطبقة السياسية الحاكمة، فإن عبدالمهدي صوب في خطاب الأزمة الذي ألقاه سهام الاتهامات الى الأحزاب السياسية التي تتقاسم العملية السياسية والتي كانت شريكة اساسية في إيصاله الى هذا الموقع على مبدأ المحاصصة في ظل توليه رئاسة الحكومة باعتباره الحلقة الأضعف بين هذه الأقطاب التي وصل كل منها الى حائط مسدود في فرض مرشحه لهذا المنصب.

فعادل عبدالمهدي الذي جاء نتيجة تسوية "الحد الأدنى" بين القوى السياسية انطلاقا من عدم امتلاكه لمواقع برلمانية – عزف عن الترشح – ولا يمتلك كتلة برلمانية داعمة له- فالحزب الذي يسحب عليه وينتمي له، اي المجلس الأعلى، لم يستطع ايصال اي من مرشحيه الى البرلمان- حاول في خطابه وفي ظل تفجير الأزمة ان ينقلب على هذه التسوية من خلال نقل الأزمة الى البرلمان ويحمل الكتل البرلمانية مسؤولية ما آلت اليه الأوضاع الداخلية من تراجع وتردي وانهيار أمني واجتماعي، وذلك عندما طالبها بصلاحيات استثنائية بإعادة استكمال التشكيلة الحكومية التي قد تعني إعادة هيكلتها على أسس جديدة بعيدة عن المحاصصة بين هذه الكتل المشكلة للبرلمان.

فهو في خطابه، أراد القول من خلال استعراض الانجازات التي حققها على صعيد العلاقات الدولية والإقليمية والجهود التي بذلها مع حكومته من أجل اعادة وضع العراق على الخارطة السياسية الدولية، أراد القول بأنه ليس عاجزا عن تحقيق الانجازات، وما نجاحه على الصعيد الخارجي سوى الدليل على ذلك لكونه يقع خارج دائرة المحاصصة وتقاسم المغانم بين القوى السياسية ومصالحها الضيقة، وانه قادر على تحقيق انجازات مماثلة في الداخل بعيدا عن تدخل هذه القوى في حال كانت لديها الإرادة السياسية للنهوض بواقع العراق والشعب الى مستويات افضل تساعد على احتواء الأزمات القائمة والمزمنة.

حاول عبد المهدي الظهور بمظهر القوي عندما وجه الاتهام بشكل غير مباشر للقوى التي تتقاسم الكتل البرلمانية، وازاد موقفه قوة بعد خطاب المرجعية الذي صب بالاتجاه نفسه لما ذهب اليه عبدالمهدي، عندما طالب الكتل البرلمانية الكبيرة التي تسيطر على العمل البرلماني بالتخلي عن سياسة العرقلة وفتح الطرق امام الحكومة ومؤسساتها للقيام بعملها في تحقيق المطالب الشعبية المحقة، واتهام هذه القوى بالسيطرة والهيمنة على السلطة القضائية وتفريغها من الدور الموكل لها في تفعيل الاجراءات العقابية بحق الفاسدين وملاحقتهم واسترداد الأموال المنهوبة.

هذا التناغم في الخطابين، السياسي لعادل عبدالمهدي والديني للمرجعية الدينية، يبدو انه استثار واستنفر بعض القوى السياسية مثل – كتلة سائرون - فبادرت الى التصعيد ضد عبدالمهدي والبرلمان، وابتعدت عن المواجهة المباشرة مع المرجعية لمعرفتها بعجزها وامكانية ان تنقلب الامور ضدها في حال اعلنت موقفا واضحا ومباشرا من دور هذه المرجعية، فيما انحنت اخرى – تكتل الفتح الذي يمثل فصائل الحشد الشعبي - امام العاصفة واعلنت التزامها بدعوة وموقف المرجعية واستعدادها لتنفيذ هذه الرغبات من دون تردد والمساعدة في تحقيق ما دعت له وطالب به رئيس الوزراء.

التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، لم يشارك علنا في الحركات الاحتجاجية في العاصمة والمدن العراقية، الا ان الكتلة البشرية الاكبر التي شاركت كانت تمثل هذا التيار من خلال الشعارات التي رفعتها ومفردات المواقف التي اطلقتها، وهو خيار جاء في اطار انتظار ما ستؤل له الامور من نتائج، الا ان مواقف عبدالمهدي والتي تلقت الدعم غير المباشر من المرجعية الدينية، دفعت زعيم التيار مقتدى الصدر الى الانتقال الى خيار الموقف المباشر المتصاعد بالتدريج، فدعا بعد خطاب عبدالمهدي الى تعليق عمل "كتلة سائرون" في البرلمان الذي طالبه عبدالمهدي بصلاحيات تسمح له بهيكلة الحكومة بعيدا عن المحاصصة، وهو اجراء في حال وجد اصداء ايجابية بين الكتل الأخرى، لم تتجاوب معه سوى كتلة الحوار بزعامة خميس الخنجر، قد يؤدي الى تعطيل عمل البرلمان، ما يعني وضع البلاد امام خيار الدعوة الى انتخابات برلمانية مبكرة وبالتالي تحويل حكومة عبدالمهدي الى حكومة تصريف اعمال. وعندما لم تؤد هذه الخطوة الى النتائج المطلوبة، وجد الصدر نفسه امام خيار الانتقال الى الهدف الرئيس من هذه التحركات بالدعوة الى استقالة الحكومة والانتخابات المبكرة، ما يضعه في هذا الموقف في مواجهة المرجعية التي حاولت في موقفها قطع الطريق امام وصول العراق الى فراغ دستوري جراء حل البرلمان والحكومة وصعوبة اجراء الانتخابات وبالتالي صعوبة تشكيل حكومة جديدة، ما قد يفجر الشارع ويدخل العراق في حرب جديدة تدمر ما تبقى من العراق ومؤسساته.

خيار التصعيد الذي لجأ له الصدر قد يشكل مصدر قلق للجانب الإيراني الذي بادر منذ بداية الحراك الشعبي الى اعتماد مستويين في التعامل معه، مستوى يرى في المظاهرات والمطالب التي يرفعها المتظاهرون حقا طبيعيا يجب على الحكومة والقوى السياسية تلبيتها في اطار خطة استراتيجية لذلك، ومستوى يعتقد بوجود مؤامرة تستهدف القوى الحليفة لطهران تقوم بها قوى عراقية مدنية وعلمانية تتلقى توجياتها من السفارتين الاميركية والبريطانية وبعض العواصم العربية وتحديدا الرياض وابو ظبي، تسعى للقيام بانقلاب على العملية السياسية والمجيء بنظام وسلطة تعادي إيران وتنفذ الاجندة الاميركية.

واكثر ما استنفر طهران، الترويج لامكانية عودة احد افراد القوات المسلحة العراقية لتولي السلطة، وهو ما لا يمكن للنظام الإيراني القبول به باي شكل من الاشكال، فهو وان كان قد شعر بالخطر من الوجود الاميركي المباشر على حدوده الجنوبية الغربية عام 2003، الا ان الاطاحة بنظام صدام حسين العسكري كان عاملا في السكوت على هذا الوجود الاميركي والتخطيط لمواجهته وافراغه من اهدافه ومحاولة افشاله، لذلك يرى في الصلابة التي اظهرها عبدالمهدي وعدم وضعه خيار الاستقالة مباشرة على الطاولة، ومن ثم موقف المرجعية في النجف متنفسا له لابعاد شبح نجاح جهود عسكرة السلطة في العراق مرة جديدة وما تحمله لطهران من عودة التهديد والتحدي، لذلك من المتوقع ان تذهب طهران عبر ذراعها في فيلق القدس الى اجبار القوى والفصائل المؤيدة والتابعة لها للتعاون التام مع شروط عبدالمهدي بما يساعد على استيعاب الموقف واحتوائه.

الا ان السؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق، كيف يمكن لمقتدى الصدر الذي لم تمض على زيارته لإيران ولقائه مع المرشد الأعلى للنظام سوى ايام، ان يذهب الى هذا الخيار بالدعوة لاستقالة الحكومة وحل البرلمان ، والذي قد يفسر بأنه تحد مباشر لما يريده الإيرانيون باستقرار واستمرار الحكومة العراقية يسمح لطهران بتجاوز هذه المرحلة التي تتسم بالمواجهة المفتوحة مع واشنطن، ام ان مقتدى قد تلقف مؤشرات إيرانية غير معارضة باتخاذه مواقف تصعيدية ضد عبدالمهدي تسمح في الذهاب بخيار التغيير الى النهاية حتى ولو كان ثمنه الدخول في مواجهة مع مرجعية النجف؟

المزيد من الشرق الأوسط