عقول شباب الجزائر "رهينة" الحبوب المهلوسة

مصدرها لا يزال مجهولاً بسبب تعدد الحدود البرية مع الدول المجاورة ما يجعل الرقابة صعبة خصوصاً في الجنوب

عناصر أمن ينتشرون في حقل خشخاش قرب عنابة جنوب الجزائر العاصمة (أ.ف.ب)

أخذت ظاهرة تجارة الأقراص المهلوسة واستهلاكها في الجزائر منعطفاً خطراً بعد أن تطور الوضع إلى عمليات قتل وانتهاك المحارم. وعلى الرغم من البيانات الأمنية المتواصلة التي تتحدث عن حجز وإلقاء القبض، فإن الظاهرة في انتشار لافت.

أكثر من مليون مدمن

ويعكس توسع الظاهرة عجز الجهات المعنية عن مواجهة الظاهرة من جهة، وقدرة الشبكات الإجرامية على الإفلات من الأجهزة الأمنية من جهة أخرى، لتبقى المداخيل المالية الضخمة المتآتية من تجارة المهلوسات والمشكلات الاجتماعية، أهم أسباب انتعاش هذه التجارة، إذ أكد رئيس المنظمة الجزائرية لرعاية الشباب، عبد الكريم عبيدات في حديث لـ"إندبندنت عربية"، أن "العدد الحقيقي للمدمنين على المخدرات في الجزائر، يصل إلى مليون شاب، تتراوح أعمارهم بين 15 و35 سنة، غالبيتهم يتعاطون الحبوب المهلوسة بدل الحشيش"، كاشفاً أن 3 في المئة منهم إناث.

واعتبر عبيدات أن "أخطر ما في الأمر بالنسبة للمهلوسات الأخرى، أن مصدرها لا يزال مجهولاً بسبب تعدد الحدود البرية الجزائرية مع الدول المجاورة، ما يجعل الرقابة صعبة، خصوصاً على مستوى الحدود الجنوبية الطويلة"، مبرزاً أن "المشكلة اليوم ليست فقط في البحث عن مصدر هذه المهلوسات، وإنما محاولة توعية الشباب بمخاطرها بطرق حديثة وفعالة، بعيداً عن المرافقة الطبية التي بات الشاب يشعر بالملل منها"، مقترحا اقتناء وسائل متطورة لتنقية دم المدمن.

إنقاذ الصيادلة

معظم هؤلاء الشباب يتظاهرون بالقلق والألم أمام الطبيب، كي يحصلوا على وصفة لأدوية "مهلوسة" لإعادة بيعها لتجار الحبوب، وذلك على الرغم من اتباع الصيادلة إجراءات خاصة لبيع الأدوية المهدئة، مع فرض صرامة من باب الاحتياط وتجنباً للمتابعات القانونية كانت وزارة الصحة قد وضعتها لتطويق هذه الظاهرة وحماية الصيادلة، ومنها رفض بيع الأدوية في ظل غياب المعنى الذي يتوجب عليه إحضار الوصفة مرفقة ببطاقة هويته. لكن يبدو أن هذه الإجراءات لم تكن كافية للحد من التعاطي، إذ كشفت التحقيقات الأمنية مع المدمنين أن بعض الأطباء والصيادلة وشركات صناعة الأدوية وتوزيعها، متواطئون مع تجار الحبوب المهلوسة.

وذكر رئيس مجلس عمادة الصيادلة، لطفي بن باحمد، أن "الفراغ القانوني" في مجال تسيير المؤثرات العقلية واضح منذ صدور قانون الصحة عام 1985، مشيراً إلى جهود السلطات العمومية لتدارك هذه المشكلة.

وأوضح أن المرسوم المنتظر سيسمح بتحديد مسار سلسلة الأدوية من جهة، وتوفير إطار تعاون بخصوص تسييرها، من جهة أخرى، لافتاً إلى أن "هذه المسألة لا تعني قطاع الصحة فحسب، وإنما تخص أيضاً المصالح الجمركية ومختلف الأسلاك الأمنية". كذلك شدد على ضرورة "التفريق بين الخطأ المهني والجنحة حين يتعلق الأمر بتسليم المؤثرات العقلية من قبل الصيدلي"، داعياً إلى رفع التجريم عنه. وعبر عن أسفه لوجود صيادلة قيد السجن بتهمة تسليمهم "مؤثرات عقلية" بناء على "وصفات تواطؤ". وخلص بن باحمد إلى أن "المرسوم الجديد سيسمح للصيادلة بمعرفة حدود مسؤولياتهم وممارسة مهنتهم في ظروف أكثر أمناً".

أسباب اللجوء إلى "المهلوسات"

بدوره، يرى أستاذ علم النفس في جامعة عنابة شرق الجزائر عبد الغاني كعبوش، في تصريح لـ"إندبندنت عربية"، أن "أسباب تعاطي الشباب لهذه المواد تتمثل في المشكلات الاجتماعية وأخرى إجرامية، فهناك من يتعاطاها للهروب من ظروف اجتماعية قاهرة، ومنهم من يلجأ لها من أجل النوم أو التركيز خلال الاختبارات ليتحول ذلك إلى إدمان، أو من أجل تنفيذ جرائم سرقة أو اغتصاب أو مشاجرات"، موضحاً أن الأسعار المنخفضة مقارنة بالحشيش، بالإضافة إلى سهولة الحصول عليها، شجع على انتشار الظاهرة. وقال إن الإهمال المدرسي وغياب المرافقة سواء من قبل السلطات العمومية أو العائلة، التي تراجع دورها بشكل كبير لاعتبارات عدة، وسّع دائرة المتعاطين وشجع تجار "الأقراص المهلوسة".

أرقام ضخمة

وكشفت شرطة محافظة سطيف شرقي الجزائر، عن حجز 20264 قرصاً من دواء "بريغابالين" الذي يُروّج على أساس أنه مؤثر عقلي، خلال 48 ساعة، كان يحاول أحد التجار نقلها إلى العاصمة على متن سيارة سياحية. وأشارت الى أن "هذه الكمية من السموم تقدر بـ50 مليون دينار جزائري". كذلك تمكنت شرطة محافظة غرداية وسط البلاد، من تفكيك شبكة من 14 عنصراً، مختصة بتهريب الحبوب المهلوسة والإتجار بها، وحجز أكثر من 174.500 قرص من مختلف الأنواع، بالإضافة إلى كمية من منتجات مهلوسة سائلة ومخدرات، بينما بلغت حصيلة السنة الماضية ما يعادل 1.807.843 قرصاً مهلوساً، أي بارتفاع يقدر بـ50.43 في المئة مقارنة مع عام 2017.

مرسوم تنفيذي

ولمواجهة الظاهرة التي باتت تشكل خطراً على المجتمع، أعلنت وزارة الصحة الجزائرية، أن النصوص التطبيقية للمرسوم التنفيذي المتعلق بالمؤثرات العقلية "المهلوسات"، هي في طور التحضير، وهي ترتيبات تقنية وقانونية وأمنية. وأكدت أن ملف المؤثرات العقلية يكتسي أهمية بالغة، وأن المرسوم يهدف إلى ضمان الحماية والأمن للصيادلة الخواص وصيادلة المستشفيات ووضعهم في منأى عن مختلف التجاوزات التي يتعرضون لها، كما يسمح بتحديد مسار هذه الأدوية منذ تسلمها إلى حين تسليمها من قبل الصيدلي.

المزيد من العالم العربي