الكردي العراقي بختيار علي يؤرخ مآسي شعبه في رواية وجدانية

"آخر شجرة رمان في العالم" ترجمت الى لغات عدة وتحوز نجاحا

الروائي العراقي الكردي بختيار علي (اندبندنت عربية)

ثمة روايات نعرف سلفاً أننا، مهما كتبنا عنها، سنبقى ما دون سحر قصّتها وسطوة خطابها. روايات نادرة تحفر عميقاً في نفوسنا وتهزّ وجداننا بالنظرة البصيرة التي يلقيها صاحبها فيها على عالمنا، وبالجماليات والتقنيات السردية والكتابية التي يلجأ إليها لإسقاط هذه النظرة. وإلى هذا النوع من النصوص تنتمي رواية الكاتب الكردي العراقي بختيار علي، "آخر شجرة رمّان في العالم" التي خطّها عام 2002 بلغته الأم (الكردية السورانية) وصدرت ترجمتها الفرنسية حديثاً عن دار "ميتيلييه" الباريسية. رواية تُسقِطنا في قلب الجحيم الذي اختبره أبناء الطائفة الكردية في العراق سواء على يد نظام صدّام حسين أو، بعد ذلك، على يد الميليشيات الكردية المتصارعة على السلطة.

شخصية الرواية الرئيسية وراويها يدعى مظفَّر سوبحدام، وهو ضابط سابق في تنظيم البشمركة العسكري يسلّم نفسه لأعدائه من أجل إنقاذ صديقه، المسؤول الكردي يعقوب صنوبر، من الأسر، فيختبر السجن 21 عاماً في زنزانة منفردة وسط الصحراء. 21 عاماً يمضيها مظفّر في عزلة مطلقة لا يكسرها سوى صوت الرمال التي تحيط بسجنه ويبرع الكاتب في إيصال نشيدها إلى أسماعنا. وحين يُطلَق سبيله، نراه لا يعرف في البداية ماذا يفعل بحرّيته. فخلال تلك السنوات، ولتحمُّل محنته، انكبّ على محو ذكرياته وكل ما يتعلّق بماضيه القصير، حتى أمسى أشبه بجوهرة مصقولة صافية.

ولهذا السبب تحديداً، سيستقبله صديقه يعقوب في واحد من قصوره، فور خروجه من السجن، آمِلاً بذلك سدّ عطشه الوجودي والميتافيزيقي معه وبلوغ الحكمة والنقاء اللذين يفتقد إليهما. ولا عجب في ذلك، فيعقوب الذي بات أبرز زعيم كردي في العراق كان يشعر بأن الحروب التي شارك بها والسياسة التي مارسها لوّثته من دون أن يبلغ بواسطتها ماهيّة الحياة ومعناها، بخلاف مظفّر الذي نأى سجنه به عن سخام المعارك والفساد الملازِم للسلطة. ولذلك، حين يعبّر هذا الأخير له عن رغبته في المغادرة، يحاول إقناعه بضرورة البقاء في القصر، بعيداً عن العالم، وتجنُّب المغامرة: "أنت محظوظ... نحن كنّا جميعاً سجناء، أما أنت فكنتَ الأكثر حظّاً بيننا".

الإبن المجهول

لكن ما يجهله يعقوب هو أن داخل مظفَّر ثمّة رغبة واحدة وملحّة لم تتمكن سنوات أسره من إطفاء شعلتها، رغبة العثور على ابنه الذي وُلِد قبل أيام من سجنه ولم يعرفه إذاً قطّ. رغبة تقوده إلى بحثٍ لا يلبث أن يعيد صياغة قدره. هكذا يشرع في تلك الرحلة الطويلة داخل بلده الذي بات أشبه بحقل ألغام، غريباً كل الغرابة عمّا كان يعرفه عنه. رحلةٌ بحثاً عن ذلك الابن في إرجاء وطنه وأيضاً داخل قصص أصدقاء ابنه وأسرارهم. فخلالها سيكتشف وجود ثلاثة رّمانات من زجاج ترشده في بحثه، ويصغي إلى أناشيد أختين عفيفتين، غامضتين وقويّتي الشخصية تحتضنانه، كما احتضنتا ابنه قبله، ويفهم إلى أي حد يمكن أن تصل خيانة المسؤولين الأكراد لشعبهم وقضيته العادلة، ويشاهد المآسي الناتجة من صراعاتهم الدموية. رحلة تقوده في النهاية إلى القيام بما قام به آلاف الأكراد والعرب والأفارقة قبله، أي عبور بحر المتوسّط لبلوغ أوروبا.

وعلى متن القارب الذي سيستقلّه في هذا السفر الأخير، نتلقّى سردية مظَّفر التي يوجّهها أصلاً إلى مرافقيه وتتضمّن قصّص مجموعة آسِرة من الفتيان الذين يحمل ثلاثة منهم الاسم نفسه، اسم ابنه. فتيان يقعون في فخّ الحرب الأهلية الكردية الدائرة ويختبرونها، كلّ واحد بطريقة مختلفة عن الآخر، قبل أن يعرفوا المصير الأسوَد نفسه. فبينما يصغي واحدٌ منهم إلى يأسه وينخرط في الحرب بأبشع الطرق، يسترشد آخر الكاريزما التي يتحلى بها لوضع نفسه على رأس الباعة المتجوّلين الصغار والاهتمام بأحوالهم، ويقع فتى ثالث في غرام واحدة من الأختين العفيفتين ويموت حبّاً، من دون أن ننسى ذلك الفتى الذي يفلت من الموت لكن ليس من نيران الحرب المشتعلة التي ستكوي جلده وروحه وتمحو كل شيء فيه، بما في ذلك ملامح وجهه.

جميع هذه البورتريهات المؤلمة تؤول في نهاية المطاف إلى بورتريه كبير واحد ومتناقض: بورتريه الفتوّة الكردية الضائعة خلال عهد صدّام وبعده، وبورتريه بلدٍ فقد نقاط استدلاله وبات كل شيء فيه معتماً وغامضاً، حيث الإنسان عبداً لأقرانه والمرأة مجرَّدة من حقوقها، تحضر كأمٍّ أو أخت، كملاك أو عاهرة، لكن أبداً في المكان الوسط؛ وأخيراً بورتريه حقبة كاملة ــ حقبتنا ــ الأمر الذي يمنح الرواية طابعها الشمولي.

سرد شعري

باختصار، نصٌّ شعري بامتياز يرتفع صرحه تدريجياً تحت أنظارنا كرواية مسارّية عن رجل نضج على نار الحرائق المشتعلة في وطنه، وكحكاية شرقية تستحضر في بعض جوانبها السردية حكايات "ألف ليلة وليلة"، ويقتحم الخيالي فيها الواقع ويعانق الواقع الخارق. نصٌّ نتلقّاه أيضاً كبحثٍ عن أبوّة يقود بطله على الدروب الملتوية للجمال والألم والعنف والفقدان، وبالتالي كمغامرة ساحرة ومشوِّقة تشكّل في طبيعتها صرخة أملٍ وغضب، ونشيد حبٍّ وحياة يفضح بقوة شعرية نادرة أهوال الحروب التي تهرس الأبناء باسم الآباء.

وفعلاً، يحشذ الكاتب في هذه الرواية اللازمنية لغةً مذهلة في جمالياتها وإيحاءاتها وصورها ليحدّثنا من أقرب مسافة ممكنة عن زمننا. ولذلك، لا يسعنا سوى دعوة القارئ إلى الاستلام لنثره الأخّاذ والانطلاق في تلك الرحلة الأدبية الفريدة التي يقترحها علينا، حيث الحياة والموت والإنسان والطبيعة والعنف والألم والأمل والحرية يفتحون فسحة تأمّلٍ عميق وثاقب تخصّبه "أرض الواقع وسماء الحكايات"، "مملكة الحقيقة ومملكة الخيال". تأمّلٌ يعلك الكاتب فيه أحياناً الأفكار نفسها، لكن بصياغات تعزيمية مختلفة، من أجل حفرها عميقاً في ذهن القارئ وحثّه على التفكير بطريقة مختلفة في مختلف مراحل حياته. وهو ما يؤول إلى كمٍّ من الجُمَلٍ الرائعة التي يمكن اقتطاعها من النص واستخدامها كأقوال حكيمة منيرة.

وإذ لا مجال هنا للتوقّف عند كل مميزات هذه الرواية ومكامِن قوتها، نكتفي بالإشارة إلى ترابُط كل عناصرها بشكلٍ مبلبِل يتعذّر فكّه، الأمر الذي يحول دون الإمساك بخيوط حبكتها بسرعة، ويقتضي بالتالي أن نتشبّث بها ونتابع القراءة، علماً أن ذلك لا يستدعي جهداً كبيراً لأن سرديتها التي تتكشّف لنا شيئاً فشيئاً لا تتطلّب سوى أن نأخذ وقتنا لـ "تقشير" طبقاتها وتذوّقها.. تماماً مثل رمّانة.

المزيد من ثقافة