شرق السودان... حذار من الفتنة!

الغائب الأكبر وعي المواطنة باعتبارها هوية مشتركة

السودان يعيش ثورة وعي عظيمة لا تعترف بغير المواطنة هوية لجميع السودانيين (أ.ف.ب)

ثمة معادلة بدت كما لو أنها قدر البلدان التي شهدت انقلابات في المنطقة، منذ ما بعد النصف الثاني من القرن العشرين، بخاصة مع تجربة ما سُمي "الربيع العربي"، قبل سنوات، إذ بدا الأمر كمعادلة صفرية بين أمن يضمنه حكم عسكري استبدادي، أو فوضى تنتجها الحرية والديمقراطية. وإذا كان جزء من معنى هذه المعادلة عكسته تجربة التحولات الثورية (لا سيما الثورات الكلاسيكية الأولى في أوروبا كالثورة الفرنسية)، فإن ذلك كان، في حدوده المضبوطة، شرطاً للتدبير الذي يتصل بمقاربة البشر لإدارة تغيير في سياق تحولات واهتزازات تبدو من طبيعة حياتهم.

هذه المقدمة قد تفسر لنا ما يحدث في شرق السودان منذ أشهر، أولاً مع أحداث الفتنة الأهلية بين قبيلتي النوبة والبني عامر والحباب، التي انتهت بصلح في سبتمبر (أيلول) الماضي (وهي فتنة سبق أن حدثت بين المكونين نفسيهما بعد انتفاضة أبريل (نيسان) 1985 التي أسقطت  الجنرال نميري)، ثم مع المزايدات  التي بدأت عبر تظاهرة لجماعات من المتفلتين في مدينة بورتسودان بتدبير من  البعض، وسط دعاوى تشكك في انتماء مكون بجاوي آخر في شرق السودان، خصوصاً أن تلك التظاهرة انطلقت على إثر ندوة حزبية عامة لحزب مؤتمر البجا في المدينة يوم السبت قبل الماضي.

ما يهمنا هنا هو التأكيد على أن أي فحص لطبيعة الدعاوى التي أثارها المتظاهرون حيال نفي مواطنية مكون آخر في شرق السودان، تعكس ملامح واضحة لتعبيرات لا تعي معنى المواطنة وسيادة الدولة، بخاصة أن التخلف والتهميش اللّذين ضربا شرق السودان لعقود طويلة، أسسا لقابليات هشة وأكثر استجابة للفوضى والفتنة، خصوصاً عبر التغرير بشعارات تعكس في الوعي القبلي نزوعاً يخلط بين معنى الأرض كحيازات أهلية، وبين فكرة الوطن وجغرافيته السياسية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وحيال تهييج كهذا للعامة في وسط كالذي وصفناه، وفي واقع تحول ثوري، سيكون الغائب الأكبر هو: وعي المواطنة باعتبارها هوية مشتركة للسودانيين، ذلك أن دعوات البعض إلى إقصاء مكون آخر له جزء أصيل من أرض شرق السودان وفي حدود جغرافية السودان السياسية بحجة الامتداد الحدودي للقبائل، هو المدخل الأكبر لإدارة الفوضى من قبل مخططي الفتنة ومريدي ضرب السلم الأهلي بين مكونات مدن شرق السودان.

هكذا، فإن إمكانية تدابير الفتنة باستغلال التخلف وبنية الوعي الهش في المكونات الأهلية لشرق السودان، ستكون مناخاً مثالياً لقوى النظام البائد، خصوصاً أن نظام البشير كان قد تسبب في انفصال الجنوب، وأشعل حرباً أهلية في دارفور غرب السودان، ما يعني أن شرق السودان كخاصرة رخوة ومنطقة ذات تداخل حدودي كبير، ستكون ملعباً مناسبا لإدارة الفوضى.

إرادة الفوضى التي يُستغلّ من خلالها الجهلاء والغوغاء، في شرق السودان تختفي وراءها بعض شخصيات تدّعي المعرفة بتاريخ شرق السودان، لكنها، في الحقيقة، تستغل جهل العوام لتغرر بهم بما قد يؤثر تأثيراً خطيراً في استقرار الشرق ما لم يتمّ تفكيك بعض عناصر للنظام السابق، متنفذةً في مفاصل السلطة، وما لم ينتبه المركز في الخرطوم إلى خطورة ما يُحضّر له.

ثمة بوادر مطمئنة تتمثل في وعي الشعب السوداني عبر ثورته العظيمة، في الحرص على استتباب السلم في جميع مناطق السودان، ولقد كان الحرص واضحاً من مجلس السيادة السوداني الذي لعب أعضاؤه دوراً كبيراً في الصلح خلال الشهر الماضي بين قبيلتي بني عامر والحباب من جهة، وقبيلة النوبة من جهة ثانية، بخاصة عبر جهود أعضاء مجلس السيادة المدنيين، وتحديداً محمد حسن التعايشي الذي حرص على الحضور إلى شرق السودان ضمن وفد من مجلس السيادة مع حسن شيخ الدين إدريس (ممثل شرق السودان في مجلس السيادة) إلى جانب الفريق محمد حمدان دقلو "حميدتي".

وضمن الجهود الشعبية والرسمية، وصل منذ يومين قطار الشرق الذي سيّره الثوار من الخرطوم إلى بورتسودان لدعم التعايش السلمي بين مكونات المدينة، وقطع الطريق على الفتنة الأهلية، إلى جانب إحياء فعاليات فنية وسياسية وتوعوية بأهمية دور الثورة في مستقبل السودانيين.

إن أراضي البجا في الحدود السياسية لشرق السودان تشتمل على أراض أصلية لمكوّنَيْهما الاثنين، سواء كانوا ناطقين بلغة "البداويت" أم بلغة "التقراييت"، كما أن الامتداد الحدودي يشمل وجوداً للناطقين باللغتين، ما يعني أنه لا يجوز لأي مواطن المزايدة على مواطنين آخرين والتشكيك في مواطنيتهم، لأن تلك المزايدة ستؤدي بالضرورة إلى نزعات إقصائية لا تعكس هوية المواطنة واستحقاقها الكامل لكل سوداني.

إن تظاهرة الفتنة في تظاهرة يوم السبت قبل الماضي بمدينة بورتسودان قد تكون لها ردود فعل لاحقة تؤدي إلى وقيعة بين مكونات وقبائل بجاوية تعايشت قروناً طويلة في شرق السودان، لذا، فإن هتاف المزايدة على مكون أصيل هو بمثابة اعتداء رمزي على حقوق مواطنين شركاء في الوطن لا ينبغي السكوت عنه وتمريره دونما إنكار وإدانة، لأن ذلك سيكون بمثابة سابقة خطيرة، وسيرسل إشارات مهددة للسلم الأهلي والاجتماعي في مدينة بدأت تتعافى من آثار فتنة أهلية بين بعض مكوناتها قبل شهر.

وبحسب ناشطين ومراقبين في شرق السودان، فإنه لا يزال هناك وجود لبقايا نظام البشير في مفاصل عدّة من أجهزة السلطة، الأمر الذي يعني ضرورة تصفية عناصر النظام البائد من هياكل السلطة المتنفذة وفق إجراءات سريعة لضمان حفظ السلم الأهلي والاجتماعي في شرق السودان.

وإذا كان دعاة الفتنة لا يزالون يهيجون الغوغاء، بخاصة من قبل بعض أدعياء المعرفة بتاريخ شرق السودان (أكبر مؤرخ لشرق السودان هو المرحوم محمد صالح ضرار الذي ينتمي إلى المكون الذي تتم المزايدة على هويته المواطنية)، فإن من الأهمية بمكان أن يتعاطى المركز في الخرطوم بجدية أكثر لقطع الطريق على دعاة الفتنة وبعض أدعياء المعرفة التاريخية، فالسودان اليوم تنتظمه ثورة وعي عظيمة لا تعترف بغير المواطنة هوية لجميع السودانيين.

المزيد من آراء