Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بعيداً عن التعليم... المدارس تتحول إلى ساحة استعراض الثراء والرفاهية بمصر

تقييمات طبقية للمتقدمين أثناء المقابلات الشخصية... والآباء يتنافسون في مجاملة المعلمين بالهدايا الثمينة

المقابلات الشخصية للأطفال بالمدارس تتضمن أسئلة طبقية والإجابة عنها شرط القبول (حسام علي. إندبندنت عربية)

قدوم العام الدراسي في مصر يثير شجناً خاصاً، الأمر ليس متعلقاً فقط بالبحث ‏عن طرق تدبير المصروفات التي تزيد عاماً بعد آخر، أو التوتر بسبب البحث ‏عن كيفية تحصيل الأولاد وحثهن على المذاكرة، أو حتى الخوف من نظم ‏التعليم المتغيرة، لكن الأمر بات يحمل أبعاداً طبقية تتفشى حتى في ‏المدرسة الواحدة.‏

أسئلة طبقية
رغم أنه لكل من التعليم الحكومي بما فيه المدارس التجريبية ذات المصروفات ‏المرتفعة مقارنة بنظيرتها الخاصة بمستوياتها وتنويعاتها، التي تصل ‏المصروفات إلى عشرات الآلاف من الجنيهات للسنة الدراسية، أسس ومستويات ‏محددة وفقاً على الأقل لتباين التكلفة، ومن المفترض أن مستويات الطلبة في كل ‏مدرسة متقاربة، ولهم مظلة متشابهة وطبقة اجتماعية وثقافية وفكرية متوافقة، لكن ما ‏يحدث وتسرده الأمهات، أن الأمور "تخرج عن السيطرة"، وأن التباهي ‏يحوَّل أيام المدرسة إلى "معاناة إضافية". فماذا تفعل الأم حينما تخبرها ابنتها أنها ‏يجب عليها أن تغير سيارتها لتحصل على واحدة فارهة تقلها بها أسوة بوالدة ‏صديقتها المقربة في الفصل الدراسي، خصوصاً أن الصديقة باتت تعدد مزايا ‏السيارة الجديدة وجمالها، وهو موقف تعرَّضت له "نيفين. ع"، محاسبة في بنك ‏وطفلتها بمدرسة تجريبية حكومية بمنطقة الجيزة.‏

الأمر كما تحكيه الأم "ن. ش"، التي تعمل رئيس قسم بأحد البنوك، يبدأ قبل تلك المرحلة بكثير، إذ خاضت تجربة خانقة وصادمة، في ‏رأيها، وهي تُحضّر مع طفلها الأكبر لمقابلة مع مديرة إحدى المدارس الدولية ‏الشهيرة بمصر.

 

تقول الأم، لـ"إندبندنت عربية"، "دربت ابني على خوض المقابلة، ‏وبالفعل تمكّن من اجتياز الاختبار التحريري، وكان لطيفاً مع المدرسات، وتحدَّث دون ‏خجل وبثقة".

وأضافت "حينما جاء موعد مقابلة المديرة، صُدمت من طريقتها ونوعية ‏أسئلتها التي كان من بينها، في كم نادٍ رياضي تشترك العائلة؟ وكم مرة يسافر ‏بالطائرة مع الأسرة خلال العام؟ وهل يقضي الصيف في عواصم أوروبية؟".

وتابعت "وجذبت المديرة الطفل من قميصه برفق بهدف اللعب معه، ‏لترى من أي علامة تجارية يتردي ملابسه!".

الأم تصف الأمر بأنه بالنسبة إليها كان فظاً، لكنها وجدت نفسها عاجزة عن التصرف، مؤكدة أنها خافت من أن تبرز أي رد ‏فعل سلبي لها أمام المسؤولة التي بيدها الكلمة النهائية في مستقبل صغيرها، خوفاً ‏من عدم القبول، خصوصاً أنها سعت كثيراً لتصل إلى تلك المرحلة من التقديم، لكنها ‏تندم بشدة الآن.

واختتمت، "نحن من نشجّع المدارس على تلك التصرفات بالسكوت ‏عن نوعية الأسئلة وعن التقييمات الطبقية للمتقدمين، التي لا علاقة لها بمستوى ‏الطفل العقلي، أو بمهمة المدرسة الأساسية، وهي التعليم والتربية، لنحصل ‏في النهاية على نتيجة سلوكيات سيئة تنمو وتتزايد بين التلاميذ وتشجعها المدارس ‏بقصد أو عن جهل".‏

تقديم الهدايا
"موسم الاستعراض والعقد النفسية"، هكذا قال "خالد. م"، أب ‏لطفلين بالمرحلة الإعدادية في مدرسة خاصة بالقاهرة.

يقول الأب، إنه "لم يكن يُخفي هُويته أبدا لو كان ابناه قد أنهيا مرحلة التعليم الأساسي ‏وانطلقا في السلك الجامعي"، لافتا إلى أنه "مضطر إلى ذلك كما اضطر فيما قبل إلى ‏اختيار تلك المدرسة لا غيرها، لأن نظام التعليم بها جيد إلى حد كبير"، ‏لكنه يتساءل أيضاً، "كيف يمكن أن نهرب من المظاهر؟!".

"خالد. م" يعمل في ‏مهنة حسب التقليد الاجتماعي مرموقة، فهو مدير في إحدى الشركات ‏الإنشائية الكبرى، لكنه مع ذلك لا يعرف كيف يجاري ما يسميه هو بالتقاليع التي ‏تُستجد عاماً بعد آخر.

 

يتابع، "حتى من هم يعيشون حياة ميسورة سيواجهون ضغطاً ‏كبيراً في هذه الناحية، وسيجبرون على محاولة تحسين دخلهم بصورة أكبر، ابني ‏يطالبني بأن أشتري له (جاكيت) ثمنه ألف دولار، لأن أغلب أصدقائه بالمدرسة ‏يرتدون أحدث صيحة، وهو ليس أقل".

ويضيف، "اللافت أن المدارس لا تضع أبداً، رغم ‏المبالغ الطائلة التي ندفعها، في اعتبارها التركيز على انتقاد السلوكيات المتعلقة ‏بالتباهي والمظاهر، بل يشجعون عليها حتى لو بشكل غير مباشر، إذ إنهم في ‏كل حدث أو نشاط أو حفل يطالبون الطلبة بقائمة من المشتريات التي تعتبر مرتفعة ‏الثمن جداً، ويشترطون محلات وماركات معينة، وبالطبع هم واعون تماماً ‏لأسعارها، وتدريجياً يحبطون أي محاولة لعدم الرضوخ لتلك الأوامر، وبات ‏الطلبة ينظرون إلى أي زميل لهم يقتني أشياءً مختلفة بأنه قد يكون أقل، الأمر الأسوأ أن المدارس تفتح الباب أمام الهدايا الباهظة للمدرسين بها، وهذا ‏نوعٌ آخر من السباق، إذ تتنافس الأمهات في مجاملة المعلمين آملين في معاملة ‏مميزة للأبناء وكسب الود، وهو أمر يتم تحت نظر ورعاية إدارة المدرسة".‏

مدونات إنستغرام في حجرة الدرس
هل الأمر بهذه الصورة؟ هل واقع بعض المدارس يعزز من سلوك "التنمر" تجاه ‏بعض التلاميذ، خصوصاً فيما يتعلق بالمظهر وبمستوى الثراء؟

‏تقول "هيام. ف"، معلمة رياضيات في مدرسة دولية بمصر، "فكرة الاستعراض ومحاولة ‏اللحاق بالمدونين عبر إنستغرام واقتناء الملابس باهظة الثمن والنوادي التي يصل ‏اشتراكها إلى خمسين ألف دولار، أمر يسيطر على كثير من الفئات والأوساط ‏والمدارس".

 

وتواصل، "بعض الأهالي يزرعون تلك ‏الأمور في أبنائهم دون قصد، ثم يلقون باللوم على المدرسة، وهذا لا يعني أنني أبعد ‏الشُّبهة عن إدارات تلك المدارس، بالعكس المدرسة بالأساس كيان تربوي، يجب أن ‏نُعلي فيها قيم الشراكة والإنسانية والتراحم، وعدم التشبث بالمظاهر الفارغة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتستكمل "توجد حالات كثيرة شاهدناها لآباء يحرصون كل الحرص على أن يكون ‏زملاء أبنائهم من مستوى معين، وفقاً لوجهة نظرهم، وبالتالي الإدارات بدورها ‏تحقق هذا الطلب وتدريجياً ندخل في دوامة المقابلات التي توصف بـ(الطبقية)، ‏ثم أثناء العام الدراسي تتولد كثيرٌ من التصرفات التي تدور في الدائرة نفسها".‏

وتختتم كلامها، "كل محاولات تعليم قيم مختلفة عن فكرة التقليد والسعي نحو الظهور ‏بمقتنيات وأدوات فاخرة وملابس باهظة الثمن، خصوصاً في فترة التمارين الرياضية ‏هي محاولات فردية من قبل بعض المعلمين، والحقيقة أن هناك بعض الأهالي ‏الطلبة لديهم وعي، ويدركون خطورة الأوضاع الرائجة ويحاولون المساعدة، لكن ‏لا أنكر أن السائد هو العكس تماماً، وهي مشكلة يشترك فيها الآباء والأمهات ‏والطلبة والمدارس، حيث إن المدارس تتباهى بتلك الصورة، وتعتبرها مثالية، وتكون ‏مجالاً للمنافسة أيضاً من خلال صفحاتها على السوشيال ميديا".‏