الفنون الافريقية ألهمت المدارس العالمية الحديثة ... في الرسم والنحت

معرض متنقل بين عواصم غربية وعربية... يلقي ضوءا ساطعا على خصوصية تشكيلية

لوحة من الفن الأفريقي الحديث (اندبندنت عربية)

يبدو لافتاً هذا الحضور الواسع للفنون الأفريقية على مستوى العروض الفردية والجماعية في أكثر من مدينة حول العالم، فمنذ بداية هذا العام دشنت العديد من العروض والفعاليات التي تحتفي بفناني أفريقيا على وجه الخصوص. في العاصمة البريطانية مثلاً كان للفن الأفريقي حضوراً بارزاً في معظم المساحات والعروض التي تمت خلال هذا العام، لعل آخرها "معرض الفن الأفريقي المعاصر 2-54 " الذي اختتم في 6 الشهرالحالي لينتقل بعدها للعرض في كل من نيويورك ومراكش خلال الأشهر القادمة. كما ينظم حالياً مركز بوزار للفنون الجميلة في مدينة بروكسل معرضاً جامعاً لأعمال الفنانين الأفارقة يضم أكثر من ثلاثة آلاف عمل فني من مقتنيات أحد جامعي الأعمال الفنية. وقبل أسابيع قليلة اختتمت فعاليات معرض "أعرني حلمك" في مدينة الدار البيضاء بالمغرب والمخصص للفن الأفريقي، وضم أعمالاً لفنانين أفارقة كبار، هذا قبل أن ينتقل العرض على مدار عام كامل إلى مدن أفريقية أخرى، وستكون أولى محطاته في السنغال ثم ساحل العاج ونيجيريا وأثيوبيا ثم جنوب أفريقيا. وكانت قاعة سوثبي للمزادات قد افتتحت لأول مرة قسماً خاصاً بالفن الأفريقي عام 2016 نظراً لزيادة الطلب على الفنون الأفريقية خلال العقد الأخير.

فهل انتبه العالم فجأة إلى فنون القارة الأفريقية؟ أم أنه نوع من إعادة الاعتبار لفنون هذه القارة التي كان لها بالغ الأثر في تطور الفن الحديث والفنون البصرية في شكل عام حول العالم؟ على كل حال، ربما يمثل هذا الاهتمام فرصة لنا من أجل إلقاء الضوء على هذا الجانب، ولو على نحو مختصر. فلا ينكر أحد ذلك الدور الذي لعبته الفنون الأفريقية في تطور الممارسات الفنية في الغرب خلال القرن العشرين، تجلى ذلك في العديد من الممارسات الفنية للفنانين الأوربيين, الذين شكلوا الطليعة الأولي لحركة الحداثة الفنية في أوروبا خلال النصف الأول من القرن العشرين. في فرنسا على وجه الخصوص كان هنري ماتيس وبابلو بيكاسو ورفاقهم في مدرسة باريس يستلهمون جماليات الفنون الأفريقية ويمزجونها بأساليب ما بعد الإنطباعية، والتي كان يمثلها سيزان وجوجان. كما ساعدت ألوان الأقمشة الأفريقية الزاهية والمعالجات والخطوط الحادة التي تمتعت بها المنحوتات الأفريقية على تأكيد هذه الروح الحداثية في وقت مبكر.

في بداية القرن العشرين كانت الدراسات الأنثروبولوجية المتعلقة بالثقافة الأفريقية ما تزال في بداياتها حين التفت فنانو أوروربا إلى هذه الفنون القادمة من جنوب الصحراء الأفريقية. ورغم أن معظم الفنانين الأوربيين لم يكونوا على علم تام بالقيمة الوظيفية لتلك المنحوتات في ذلك الوقت المبكر، إلا أنه من المؤكد أنهم قد التفتوا إلى الطاقة الروحية التي تميزها، ووظفوها ضمن جهودهم للخروج من أسر الأساليب المدرسية التي ميزت الفن الغربي منذ عصر النهضة الأوروبي. وهناك نماذج كثيرة لهذا الأثر الذي تركه الفن الأفريقي في التجارب والمعالجات الفنية لفناني أوروبا في تلك الحقبة. مزج فنان التعبيرية الألمانية "آرنست كريشنر" على سبيل المثال في أعماله بين جماليات الفنون الأفريقية وألوانه المتنافرة للتعبير عن الحياة الحديثة، بينما طور بول كلي أساليبه الرمزية. وبدا تأثر التعبيريون في أوربا بالفنون غير الغربية واضحاً ابتداءاً من نهاية العقد الأول من القرن العشرين. تواصل تأثر الحركات الحداثية في كل من إيطاليا وانجلترا والولايات المتحدة بالفنون الأفريقية من خلال اتصالها بمدرسة باريس، والتي كان فنانوها ونقادها أول من لفت الانتباه إلى جماليات الفنون الأفريقية، والتي كانت قد انتشرت في أوروبا بكثافة في أعقاب الغزوات الإستعمارية والرحلات الاستكشافية، وكان يتم التعامل معها في البداية كصناعات أو حرف يدوية.

مدرستان تجريديتان

انتبه فنانو الحداثة الأوروبية إلى المنحوتات الأفريقية, ووقفوا مدهوشين أمام نهجها المتطور في تجريد الجسد البشري. ويمكن الإشارة هنا إلى نموذجين هامين من المنحوتات الأفريقية كان لهما وقع الصدمة على فناني أوروبا في بداية القرن العشرين، أولهما مجموعة منحوتات "الفانج" وهي طائفة من المنحوتات تنتمي إلى قبيلة واسعة الانتشار على الساحل الغربي لأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وهي قبيلة الفانج. تجسد تلك المنحوتات التكامل بين الشكل والوظيفة. هذه الأشكال النحتية كانت تمثل رابطاً بين أبناء القبيلة وأسلافهم، ويمكن اعتبارها حاملة لأرواح هؤلاء الأسلاف، وهي علاقة تمثيلية حتمت اللجوء إلى شىء من التبسيط أو التجريد في صوغ تلك المنحوتات. أما المجموعة الثانية فتعود إلى قبيلة أخرى واسعة الانتشار أيضاً كانت تعيش في وسط أفريقيا ضمن الحدود الجغرافية الحالية لدول الكونغو والجابون والكاميرون، وهي قبيلة "الأمبت". تميزت منحوتات قبائل الأمبت بأنها أكثر تجريدية من منحوتات الفانج فيما يتعلق بالوظيفة، فالأشكال النحتية كانت معدة بالفعل لكي تحمل بقايا حقيقية من هؤلاء السلف، الجزع على سبيل المثال كان أجوفاً وتميز باستطالته، مع إمكانية الوصول إلى داخله عبر فتحة في الظهر. مثلت هذه الوجوه المسطحة التي كانت تميز تلك المنحوتات وعدم التكلف في المعالجات مصدر جذب للفنانين الحداثيين في أوروربا، وتسللت أشكالها بجلاء إلى لوحاتهم ومنحوتاتهم.

ويمكن الإشارة هنا إلى أن أكبر مقتني لمجموعات الفانج في أوروبا على سبيل المثال كان رجلاً أنجليزي يدعى "يعقوب آبشتاين" وكان صديقاً حميماً لبيكاسو وماتيس لفترة طويلة. أما مجموعات الآمبت، فقد كان الكثير منها بحوزة الفرنسي "شارلز راتون" ثم آلت بعدها إلى بيير ماتيس، إبن الفنان هنري ماتيس, ومن خلال هذين الرجلين تعرف كل من بيكاسو وماتيس عن قرب على الفن الأفريقي، واقتنى كل منهما نماذج من هذه المنحوتات. ولابد أن ماتيس- وهو المولع بزيارة المتاحف- قد طالع عن كثب العديد من هذه المنحوتات، حتى قبل الشروع في رحلته إلى أفريقيا في ربيع عام 1906 ، هذه الرحلة التي ألهبت حماسته، وغيرت كثيراً من قناعاته. بعد أن عاد ماتيس من رحلته في الصيف التالي، رسم نسخة ثانية من لوحته المسماة "البحار الصغير" وهي واحدة من بين أشهر أعمال ماتيس. حلت النسخة الثانية من البحار الصغير محل النسخة الأولى التي كانت أميل إلى الواقعية، وهما حالياً ضمن مقتنيات متحف المتروبوليتان في نيويورك. يبدو أثر الرحلة جلياً على معالجات ماتيس للنسخة الثانية من هذه اللوحة، إذ يطالعنا فيها بملامح وجه أكثر تجريداً وقوة، وأقرب إلى هيئة القناع في معالجاته للشكل والخطوط الحادة لملامح الوجه.

وتروي الكاتبة "جيرترود شتاين" في مذكراتها كيف كان ماتيس متعلقاً بالمنحوتات الأفريقية إلى حد الولع، ففي أحد زياراته لبيتها جلب ماتيس معه منحوتة أفريقية لوجه امرأة، وكان بيكاسو حاضراً. تروي شتاين، التي كان لها صالون دائم يرتاده الكثير من الأدباء والفنانين في تلك الفترة، كيف أن بيكاسو ظل يحدق في المنحوتة بانبهار ويتناقش مع ماتيس حول الأسلوب الذي عولجت به. وقد صرح لها بيكاسو فيما بعد كما تقول في مذكراتها أن المنحوتات الأفريقية قد ساعدته على فهم هدفه كرسام، فلم تعد اللوحة لديه مجرد مساحة للتعبير، بل صارت وسيلة وسيطة بين الواقع المدرك والإبداع الحقيقي للعقل البشري. ويبدو ذلك التأثر جلياً في معالجاته التجريدية للوجه البشري، وخاصة في مرحلته التكعيبية.

وتعد تجربة المصور والمثال الإيطالي أميدو موديلياني من أكثر التجارب التي يتجلى فيها ذلك التأثر بالفنون الأفريقية، فقد قدم موديلياني الذي يعد حلقة الوصل بين مدرسة باريس والفنانين المستقبليين في إيطاليا، مجموعة كبيرة من رسوم الوجه بدا فيها تأثره الشديد بالأقنعة الأفريقية. تميزت وجوه موديلياني بالاستطالة في هيئة كومثرية، تضيق شيئاً فشيئاً عند الذقن، مع فم صغير في الأسفل على نحو غير معتاد في رسم الوجوه في تلك الفترة. وقد تأثر موديلياني كغيره من فناني مدرسة باريس، التي كان يعد أصغر أعضائها سناً، بالفنون الأفريقية من خلال مشاهداته المستمرة لنماذجها المعروضة في متحف "تروكاديرو" في باريس، وهو متحف مخصص لعلم الأعراق، كان يضم بين مقتنياته مجموعة متنوعة من المنحوتات الأفريقية، وواظب على ارتياده العديد من فناني مدرسة باريس، ومن بينهم موديلياني الذي لم يخف شغفه بتلك المعالجات. لقد رسخت بلا شك هذه الممارسات المبكرة للفنانين الأوربيين التي تأثروا فيها بالفنون الأفريقية من قيمة التعبير على حساب الجماليات الكلاسيكية التي كانت شائعة من قبل، وفتحت المجال واسعاً نحو التجريب وحرية التعبير والممارسة الفنية على النحو الذي نعايشه اليوم.

 

المزيد من ثقافة