هل تنجح التظاهرات الشعبية في كسر الهيمنة الإيرانية على العراق؟

محللون: بغداد مفتوحة أمام طهران ثقافياً واقتصادياً وأمنياً وسياسياً... وقاسم سليماني يعين رئيس الوزراء ويشكّل البرلمان

كشفت التظاهرات التي اجتاحت المدن العراقيَّة خلال الأيام الأخيرة عن تصاعد حدة الرفض الشعبي ضد الهيمنة الإيرانيَّة على الساحة العراقيَّة، إذ طالب المتظاهرون العراقيون بـ"وضع حد للنفوذ الإيراني في البلاد"، وسط توتر رسمي بين بغداد وطهران بعد سلسلة من التصريحات الاستفزازيَّة، وصفها مسؤولون عراقيون بأنها "تمثّل خرقاً للسيادة العراقيَّة"، فضلاً عن قرار وزارة الخارجيَّة العراقيَّة بـ"إغلاق قنصليتها في مدينة مشهد الإيرانيَّة" عقب واقعة اعتداء الأمن الإيراني على دبلوماسيين عراقيين.

وإلى جانب المطالب المعيشيَّة والاحتجاج على تردي الخدمات والبطالة، انتشرت بمواقع التواصل الاجتماعي صور لمحتجين عراقيين يحرقون علم إيران خلال التظاهرات، فيما دوت صيحات الشباب العراقي "إيران برا برا... كربلاء تبقى حرة"، مطالبين باستعادة الهُويَّة العربيَّة للعراق، وإنهاء تبعيَّة الحكومة والطبقة السياسيَّة إلى النظام الإيراني.

ويأتي تصاعد الغضب العراقي ضد إيران بعد أسبوع من رفض وزارة الدفاع العراقيَّة "استخدام الأراضي ساحة لتصفيَّة الحسابات بين واشنطن وطهران"، في ظل التوتر المتصاعد بين الجانبين، حسب تصريحات المتحدث باسم الوزارة اللواء تحسين الخفاجي.

المتظاهرون يصفون الحكومة بـ"العمالة لإيران"
دخل حظر التجول، الذي أعلنه رئيس الوزراء العراقي الدكتور عادل عبد المهدي حيز التنفيذ، اعتباراً من صباح الخميس وحتى إشعار آخر، وأعلنت الرئاسات العراقيَّة الثلاث (رئاسة الدولة والحكومة والبرلمان) تشكيل لجنة مشتركة للتعامل مع مطالب المتظاهرين، فيما دعت "تنسيقيات ثورة الغضب العراقي" الشعب في كل المحافظات إلى الاستعداد والتهيؤ، لإعلان العصيان المدني الكامل والتام، "لإسقاط الحكومة العميلة"، التي دمَّرت العراق منذ الـ9 من أبريل (نيسان) 2003 وحتى الآن، مؤكدة أنه "لا تفاوض مع الحكومة العميلة وأحزابها".

وعلى الرغم من اتفاق العراق وإيران بدايّة الأسبوع الحالي على فتح مزيدٍ من المعابر الحدوديَّة تمهيداً لـ"الزيارة الأربعينيَّة"، وذلك خلال اجتماع مشترك لوزيري داخليَّة البلدين، أغلقت إيران حدودها بعد تصاعد الاحتجاجات بين الجانبين، وسط أنباء عن زيارة سريَّة قام بها قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني الذي يُعد المسؤول الأول عن الحضور العسكري والسياسي الإيراني في المشرق العربي، وليس في العراق فقط.

وأعلن جعفر همتي رئيس مقر الأربعين الخاص في معبر خسروي الحدودي الرسمي (بمحافظة كرمانشاه، غربي إيران)، "إغلاق المعبر إلى إشعار آخر"، وذلك بناء على طلب الجانب العراقي، وفي ضوء المشكلات داخل بغداد، بعدما أغلق معبر "جذابة"، وذلك حسبما أعلنت وكالة "إرنا" الإيرانيَّة اليوم.

وقالت الباحثة في الشأن الإيراني الدكتورة سالي شعراوي، "السيطرة الإيرانيَّة التقليديَّة على الساحة العراقيَّة منذ الغزو الأميركي تواجه كثيراً من التحديات التي تعرقل إحكام قبضتها على بغداد كورقة في يد النظام الإيراني في مواجهة الولايات المتحدة الأميركيَّة".

وأضافت، في تصريحات إلى "إندبندنت عربيَّة"، "التوتر الدبلوماسي الأخير بين الجانبين ومشاعر الغضب الشعبي ليس وراءها فقط واقعة الاعتداء على دبلوماسيين عراقيين بما يمثل إهانة للسيادة العراقيَّة، لكن يوجد كثير من  الأزمات التي ربما يكشف عنها المستقبل القريب".

 

ولفتت شعراوي إلى أن اندلاع التظاهرات ضد إيران في العراق "يمثل مثالاً على التعارض الصارخ بين المصلحة الشعبيَّة العراقيَّة والمصلحة السياسيَّة للدولة في سعيها لنشر النفوذ، ففي سياق سعي إيران لتدعيم دورها وعلاقتها بالقوى العراقيَّة نجد أن هناك صعوبة في المواءمة دوماً بين المطالب الشعبيَّة ومصالح المواطنين".

وقال الإعلامي البحريني طارق العامر المتابع الشأن العراقي، "ما تشهده الساحة العراقيَّة الآن هي ثورة المظلومين والمقهورين من الشعب العراقي ضد كل عملاء وملالي إيران".

وأضاف، في تصريحات خاصة، "العراق اُبتلي بساسة فاسدين، أمسكوا بالسلطة، وأوصلوا العراقيين بفسادهم وعمالتهم لإيران إلى الفوضى وعدم الاستقرار".

وتابع: "لا يمكن لكائن من كان أن يتصوّر في يوم ما أن العراق الذي أذاق إيران مرارة الهزيمة في حرب طاحنة استمرت ثماني سنوات، وخرج منها منتصراً، أن يكون أسيراً وذليلاً تحت سلطة الجنرال الإيراني قاسم سليماني، يعين رئيس وزرائها ويشكل برلمانها".

وبدوره، قال المحلل السياسي العراقي الدكتور عبد الكريم الوزان، "كل التظاهرات العراقيَّة شهدت هتافات مدوّيَّة ضد الهيمنة الإيرانيَّة، بمعنى أن هناك رفضاً شعبياً كبيراً بسبب تدخلات إيران في المنطقة العربيَّة، خصوصاً العراق".

وأشار إلى أن "من يتبع إيران في العراق ليس سوى مجموعة سياسيَّة وميليشياويَّة مستفيدة لا تقدر معنى الوطنيَّة ولا العقيدة، لذا يجب التفرقة بين الشعب والحكومة فيما يتعلق بالعلاقة العراقيَّة - الإيرانيَّة".

تصعيد رسمي ضد إيران لاحتواء الغضب
وأمام مساعي طهران لنقل المعركة مع واشنطن إلى الأراضي العراقيَّة، والغضب الشعبي المتصاعد ضد الهيمنة الإيرانيَّة، سعت الحكومة العراقيَّة إلى تصعيد لهجتها ضد حليفتها كوسيلة لاحتواء الغضب الراهن، حسب مراقبين.

وقامت وزارتا الدفاع والخارجيَّة العراقيتان باتخاذ مواقف مناوئة ضد طهران على غير العادة، كان أبرزها إغلاق القنصليَّة العراقيَّة، ثم استدعاء السفير الايراني لدى بغداد لإبلاغه "الرفض المطلق" لما أدلى به في تصريح سابق حول استهداف قوات التحالف الدولي العاملة في العراق.

 

كما طالبت الخارجية السلطات الأمنيَّة الإيرانيَّة بالتحقيق لمعرفة مُلابَسات واقعة الاعتداء على الدبلوماسيين العراقيين، واتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من تكرار حوادث الاعتداء على المواطنين العراقيين، حسب بيان للوزارة.

واعتبر الوزان، أن التصريحات الرسميَّة التي ترفض التدخلات الايرانيَّة "ما هي إلا محاولات لصرف الانتباه، وللاستهلاك المحلي إعلامياً وسياسياً، بغرض احتواء الغضب الشعبي ضد طهران"، موضحاً "الساحة العراقيَّة مفتوحة أمام إيران ثقافياً واقتصادياً وأمنياً وسياسياً"، ومحذراً من "تحريض إيران إحدى الميليشيات التابعة إليها باستهداف الجنود أو القواعد الأميركيَّة"، ما سيجعل المعركة بين الجانبين الأميركي والإيراني تنتقل إلى "الأراضي العراقيَّة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي المقابل، قلل الدكتور محمد تركي أبو كلل مسؤول الشؤون العربيَّة بتيار الحكمة الوطني العراقي، من ارتباط الغضب الشعبي الراهن بموضوع "الهيمنة الإيرانيَّة"، موضحاً أن "التحرّك له مطالب خدميَّة تتعلق بالوظائف وبعض الخدمات، فهناك سخط جماهيري من عدم توزيع الدرجات الوظيفيَّة بصورة عادلة وازدياد نسبة البطالة".

وقال، في تصريحات خاصة، "الخدمات سيئة والبطالة مرتفعة في العراق، وحكومة عادل عبد المهدي قدمت برنامجاً يتضمن حلولاً لهذه المشكلات، وها هو عام يمر دون تحقيق أي من هذه الوعود".

وتابع، "الحكومة لم تؤدِ واجبها ووعودها في الخدمات، والحلول كانت أمامها، وعليها تحمّل مسؤولياتها والتعامل مع هذه التظاهرات والمطالب الشعبيَّة وتحقيق الوعود التي قدموها للناخبين".

المزيد من العالم العربي