فشل البنوك المركزية في رفع معدلات التضخم

الفيدرالي الأميركي والمركزي الأوروبي وبنك إنجلترا تستهدف نسبة 2.00%... ومخاوف من ركود اقتصادي مقبل 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي غيروم باول (رويترز)

الفيدرالي الأميركي فشل في رفع معدل التضخم فوق الـ2.00% منذ العام 2012، المركزي الياباني أيضاً فشل في رفع معدل التضخم إلى المستوى الذي يستهدفه، المركزي الأوروبي أيضاً يعيش المعاناة نفسها في ضعف التضخم وتراجع الأسعار.

المحافظة على استقرار الأسعار تأتي على رأس قائمة مهام البنوك المركزيَّة ولتحقيق هذه المهمة تستخدم سياسات وأدوات مختلفة، يضع بعض البنوك المركزيَّة مستهدفات للتضخم، ويسعى عبر آليات السياسة النقديَّة في تحقيق هذا الهدف، التعريف البسيط للتضخم هو التغيّر في أسعار السلع والخدمات في فترة زمنيَّة محددة، المؤشر الأكثر استخداماً لقياس التضخم هو مؤشر أسعار المستهلكين consumer price index، للمؤشر قراءتان: الأولى هي الإجماليَّة لكل السلع والخدمات، والثانيَّة يُطلق عليها الـcore، ويُستثنى الغذاء والطاقة.

التضخم واحدٌ من المؤشرات المهمة لقياس صحة الاقتصاد. الارتفاع الشديد ليس جيداً، في العادة تحاول البنوك المركزيَّة السيطرة عليه في نطاقات محدودة، فمثلا الارتفاع أكثر من خانة عشريَّة واحدة إنذار خطر عندما يتجاوز المعدل الـ10٪، وعندما يتجاوز الـ50٪ يُطلق عليه التضخم المفرط Hyperinflation، وعند الهبوط الذي عادة ما يصاحب حالات الركود الاقتصادي دون المستوى الذي يستهدفه البنك، مثلاً الفيدرالي الأميركي والمركزي الأوروبي وبنك إنجلترا المركزي، جميع هذه البنوك تستهدف رفع التضخم إلى 2.00%. فقط بنك إنجلترا المركزي الذي ارتفع فيه التضخم فوق هذا المعدل، بينما التضخم لا يزال ضعيفاً في أميركا ومنطقة اليورو واليابان.

الفيدرالي الأميركي وقياس التضخم
في الولايات المتحدة الأميركيَّة تصدر وزارة العمل بيان مؤشر أسعار المستهلكين CPI، وهو بيانٌ يرصد التغيُّر في أسعار سلة من السلع عبر الاستبيان الشهري للمستهلكين الذي تجمعه الوزارة ضمن بيان الوظائف ونسبة البطالة، ويوجد بيانٌ شهريٌّ آخر لقياس التضخم يصدر عن وزارة التجارة، يُسمّى مؤشر الإنفاق الاستهلاكي personal consumption expenditure تختصر بـPCE، يقيس التغير في أسعار السلع في متاجر التجزئة. الفيدرالي الأميركي يُفضّل هذا المؤشر الأخير، ويعتمد عليه في قياس نسبة التضخم، آخر قراءة لهذا المؤشر كانت 1.4+% لشهر أغسطس (آب) 2019، وهو المعدل نفسه لشهر يوليو (تموز) 2019، بينما التضخم باستثناء التغيُّر في أسعار الغذاء والطاقة لـPCE ارتفع إلى 1.8+ % خلال الفترة نفسها، بيان CPI الذي يصدر عن وزارة العمل أظهر ارتفاعاً إلى مستوى 2.4+%، وهو الأعلى منذ 2008، الفيدرالي يفضّل استخدام الـPCE، ودائماً ما يكون منخفضاً مقارنة بين مؤشر أسعار المستهلكين (تأخر إعلان بيانات التضخم بدايّة هذا العام نسبة لإغلاق الحكومة مدة 35 يوماً)، خرجت بيانات شهر يناير (كانون الثاني) لاحقاً في شهر مارس (آذار) 2019.

 

التضخم في اليورو أضعف قراءة شهرية منذ 2016
بيان التضخم في منطقة اليورو يصدر آخر يوم من كل شهر، صدرت بيانات سبتمبر (أيلول) 2019، وكانت 0.9+% أضعف قراءة شهريَّة في ثلاث سنوات، هذا الانخفاض تسبب فيه تراجع أسعار الطاقة بـ-1.8%. التضخم لشهر أغسطس (آب) 2019 كان 1.00% مقارنة بـ1.1+% في يوليو (تموز) 2019 ومستوى 1.3+% في يونيو (حزيران) 2019.

يوجد تباطؤ في مسار التضخم بمنطقة اليورو، والبنك المركزي الأوروبي حدد 2.00% هدفاً يعمل على تحقيقه عبر السياسة النقديَّة، ولا يزال معدل التضخم بعيداً عن المعدل الذي يستهدفه البنك، تصدر بيانات التضخم من (يوروستات)، وهي وكالة إحصائيَّة تابعة إلى الاتحاد الأوروبي تتخذ من لوكسمبورج مقراً لها. يقدر البنك المركزي الأوروبي أن الاقتصاد في منطقة اليورو بحاجة إلى ارتفاع معدل التضخم إلى مستوى الـ2.00+%، وهناك تباين واضح في معدلات التضخم بين دول منطقة اليورو الـ19، مثلاً التضخم في أغسطس (آب) 2019 في رومانيا 4.1+%، وفوق الـ3.00+% في كل من لاتفيا وهنغاريا وسلوفاكيا، في المقابل 9 دول أوروبيَّة التضخم فيها أقل من 1.00+%، من بينها اليونان وإسبانيا وإيطاليا.

 

التضخم في اليابان عند أدنى مستوى في عامين
في يوليو (تموز) 2019 توقَّع بنك اليابان المركزي أن يرتفع التضخم إلى 1.00+% بنهايَّة السنة الماليَّة التي تنتهي في مارس (آذار) 2020، لكن البيانات الرسميَّة للتضخم في اليابان تقول عكس ذلك، إذ تراجع مؤشر أسعار المستهلكين في  أغسطس (آب) 2019 إلى أدنى مستوى في عامين، وارتفع بـ0.5+%، لا يزال هذا المعدل بعيداً من المستوى الذي يستهدفه البنك 2.00%، يوجد تقريرٌ فصليٌّ في اليابان تتابعه الأسواق يُسمّى استبيان (تانكان) يصدر عن بنك اليابان المركزي.

هذا الاستبيان خاصٌ بالشركات، صدر في سبتمبر (أيلول) 2019، يتوقعون أن تستقر معدلات التضخم عند مستوى 1.00% خلال ثلاث سنوات من الآن، وأن ترتفع إلى 1.1% خلال خمس سنوات من الآن، وتتوقع الشركات اليابانيَّة مستوى 0.9+% للتضخم للسنة الماليَّة التي تنتهي في مارس (آذار) 2020، أيضاً تراجعت ثقة الشركات الصناعيَّة إلى أدنى مستوى لها في 6 سنوات، متأثرة سلباً بالحرب التجاريَّة بين واشنطن وبكين.

هذه التوقعات المتشائمة بشأن التضخم تزيد الضغوط على بنك اليابان المركزي في الإعلان عن مزيد من المحفزات للاقتصاد ليخفف من ضغوط ضعف الأسعار.

التضخم المنخفض مشكلة تواجه البنوك المركزيَّة
نشر الفيدرالي الأميركي بسان فرانسيسكو تقريراً بحثياً في يوليو (تموز) 2019 بشأن ضعف التضخم في الدولة المتقدمة، تطرق إلى التغيُّر في نظريَّة العلاقة العكسيَّة بين التضخم ونسبة البطالة، ويجسّدها منحنى فليب Philip Curve، الذي يقول كلما انخفضت نسبة البطالة ارتفع التضخم تبعاً لذلك، لكن الذي يحدث الآن هو العكس لدينا نسبة بطالة منخفضة جداً عند أدنى مستوياتها في عقود يتزامن هذا مع معدلات تضخم أيضاً منخفضة، هذه الحالة حدثت بعد الأزمة الماليَّة العالميَّة في 2008.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في وقت سابق من هذا العام نشر بنك الاحتياطي الفيدرالي بسانت لويس تقريراً يبدي فيه مخاوف من أن الولايات المتحدة في طريقها إلى تكرار تجربة اليابان بعد التيسير النقدي الذي قاد إلى فترة طويلة من ضعف معدلات التضخم، تبعه ركودٌ بعد العام، اليابان طبَّقت سياسة التيسير النقدي خلال الفترة بين 2002 - 2006، أيضاً يوجد رابطٌ بين تغيير الديموغرافيا ومعدل التضخم، مثلاً في اليابان أعداد المعمرين في ازدياد.

بعض الدراسات في اليابان يربط بين التغيير الديموغرافي وضعف التضخم، أيضاً التكنولوجيا لها تأثيرٌ على معدلات التضخم، التطبيقات الجديدة والأجهزة وأنماط التجارة الإلكترونيَّة لها تأثيرٌ على العرض والطلب، مثلا شركة مثل آير بي إن بي Airbnb تسببت في زيادة نسبة المعروض من المنازل والغرف في الولايات المتحدة الأميركيَّة بـ25%، وهو نمطٌ جديدٌ من الاقتصاد التشاركي. من المخاوف التي تصاحب التضخم المنخفض أن تكون هذه إشارات دالة على ركود اقتصادي مقبل.

المزيد من رأي خبير