مع فرض الرسوم مجددا... "ترمب" يعمّق معضلة حركة التجارة العالمية

أسواق الأسهم في منحدر صعب مع مخاوف الركود المتوقعة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونائبه مايك بينس خلال حفل استقبال للرئيس الجديد لرؤساء الأركان المشتركة الجنرال مارك ميلي (أ.ب.)

دخلت الأسواق العالمية، أمس الأربعاء، حالة من الغموض والضبابية مع عودة حرب الرسوم الجمركية، بعد إعلان الولايات المتحدة فرض رسوم جديدة على أوروبا. وأثارت مخاوف الركود الاقتصادي ردود فعل واسعة في الأسواق العالمية في نهاية تعاملات الأربعاء، لتكون الأسهم أكبر المتضررين.

وجاءت مخاوف الحرب التجارية المحتملة بين أوروبا والولايات المتحدة لتعمّق جراح الأسواق بعد أن أعطت منظمة التجارية العالمية الحق للولايات المتحدة في فرض تعريفات بقيمة 7.5 مليار دولار نتيجة للدعم غير القانوني لشركة "إيرباص" من الاتحاد الأوروبي.

وعلى الرغم من التحذيرات المستمرة من تأثير الرسوم الجمركية، التي يواصل الرئيس الأميركي فرضها منذ أكثر من 15 شهراً، لكن يبدو أن دونالد ترمب يصرّ على إسهام العائدات التي تجمعها بلاده من حصيلة الرسوم الجمركية التي يواصل فرضها في تخفيض العجز الأميركي الذي سجل أعلى مستويات على الإطلاق في عهده.

رسوم جديدة على سلع أوروبية بـ 7.5 مليار دولار

وأمس، أعلنت الولايات المتحدة الأميركية حصولها من منظمة التجارة العالمية على حق فرض رسوم استيراد بقيمة 7.5 مليار دولار على سلع أوروبية، فيما يتعلق بدعم لا تجيزه القواعد قدّمه الاتحاد الأوروبي لشركة إيرباص، مما يهدّد بإيقاد شرارة حرب تجارة عبر الأطلسي، في الوقت الذي يتباطأ فيه الاقتصاد العالمي.

ويدفع قرار منظمة التجارة العالمية بالنزاع الدائر منذ 15 عاماً بشأن الدعم غير المشروع لعملاقي صناعة الطائرات إلى بؤرة العلاقات التجارية العالمية المضطربة، ويتزامن مع حرب التجارة الدائرة بالفعل بين واشنطن وبكين.

وقال محكّمو منظمة التجارة إن صانع الطائرات الأميركي "بوينغ" خسر ما يعادل 7.5 مليار دولار سنويا، في شكل فاقد مبيعات سنوية وتعطل تسليمات بعض أكبر طائراته بسبب القروض الحكومية الأوروبية الرخيصة المقدمة لمنافسته اللدود "إيرباص".

ويسمح هذا القرار لواشنطن باستهداف سلع للاتحاد الأوروبي بالقيمة ذاتها، لكنه يمنع أي استهداف انتقامي لقطاع الخدمات المالية الأوروبي. ويأتي ذلك في إطار نزاع يتوقع الدبلوماسيون وخبراء التجارة أن يفضي إلى ردّ أوروبي بفرض رسوم جمركية على السلع الأميركية العام المقبل بسبب دعم حكومي لشركة "بوينغ".

واشنطن تطلب اجتماعا عاجلا مع منظمة التجارة

وفي مؤشر على عزم واشنطن تسريع إجراءاتها، قالت مصادر مطلعة إن إدارة ترمب طلبت من منظمة التجارة عقد اجتماع عاجل لتقديم التصديق الرسمي الضروري لفرض رسوم في منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

وفي وقت متأخر من أمس، أعلنت إدارة الرئيس الأميركي فرض رسوم جمركية نسبتها 25% على النبيذ الفرنسي والجبن الإيطالي والويسكي الأسكتلندي المقطر مرة واحدة، ردا على دعم يقدمه الاتحاد الأوروبي لصناعة الطائرات الكبيرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتستثني القائمة بعض المنتجات، مثل النبيذ الإيطالي، من الرسوم الجديدة، لكنها تشمل السترات والكنزات والكشمير والملابس الصوفية المصنعة في بريطانيا، فضلا عن الزيتون الفرنسي والألماني والإسباني ونقانق لحم الخنزير المصنعة في الاتحاد الأوروبي، ومنتجات أخرى للحم الخنزير، مثل لحم الفخذ الخلفي، والقهوة الألمانية.

وقال مسؤول بمكتب الممثل التجاري الأميركي إن الولايات المتحدة ستفرض رسوما نسبتها 10% على الطائرات و25% على سلع صناعية وزراعية أخرى من الاتحاد الأوروبي، في إطار عقوبة سمحت بها منظمة التجارة العالمية في قضية دعم الطائرات الدائرة منذ فترة طويلة بين الجانبين.

لكن رسم الطائرات لن يسري على المكونات، مما سيعفي إنتاج "إيرباص" في ولاية ألاباما الأميركية من زيادة التكاليف، وكذلك استخدام "بوينغ" للمكونات الأوروبية في طائراتها.

ووفقاً لوكالة "رويترز"، توقع المسؤول الأميركي بدء تطبيق الرسوم في 15 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، لكنه لم يحدّد الحجم الإجمالي لسلع الاتحاد الأوروبي التي ستشملها الرسوم.

تراجع كبير في حركة التجارة العالمية

وقبل أيام، خفّضت منظمة التجارة العالمية توقعاتها لحركة التبادل التجاري عالمياً بشكل حاد خلال العامين الحالي والمقبل، بفعل الآثار السلبية للنزاعات التجارية بين الولايات المتحدة والصين. وقالت المنظمة إن التجارة العالمية سوف تنمو بنسبة 1.2% في العام الحالي، وهو أقل بكثير من نمو نسبته 2.6% تُوقع سابقاً في أبريل (نيسان) الماضي.

وبالنسبة إلى عام 2020، فإن المنظمة تتوقع نمواً في التجارة العالمية بنحو 2.7% في الوقت الحالي، مقارنة مع المتوقع سابقاً والبالغ 3%. وتعتبر هذه المرة الثانية التي تخفّض فيها منظمة التجارة العالمية التوقعات لنمو التجارة في عامي 2019 و2020.

وأرجعت المنظمة قرار خفضها الحاد لتوقعات العامين الحالي والمقبل إلى تصعيد التوترات التجارية وتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي. وحذرت من أن المخاطر السلبية لا تزال مرتفعة وأنها تُشكل الخطر الأكبر على التوقعات مع الإشارة إلى صدمات الاقتصاد الكلي والتقلبات المالية، والتي تمثّل كذلك عوامل محفزة محتملة لاتجاه هبوطي أكثر حدة.

وأوضح التقرير أن المؤشرات ذات الصلة بالتجارة تشير إلى مسار مقلق بالنسبة إلى التجارة حول العالم اعتماداً على أوامر الصادرات العالمية وعدم اليقين في السياسة الاقتصادية. وذكرت أن النصف الأول من عام 2019 شهد تباطؤاً في نمو الصادرات والواردات عبر كافة المناطق وعلى جميع مستويات التنمية.

كيف تفاعلت أسواق الأسهم الأوروبية والأميركية؟

وانعكست هذه التحركات على غالبية الأسواق، حيث هوت الأسهم الأوروبية بنحو 3% مسجلة أسوأ أداء يومي منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وكانت الخسائر أشد ما تكون في لندن، حيث شهد المؤشر "فايننشال تايمز 100" أسوأ جلساته في ثلاث سنوات ونصف، بعد أن كشف رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، عن مقترح نهائي للخروج من الاتحاد الأوروبي يُقلّص فرص أن يكون الانسحاب البريطاني باتفاق.

وتراجع سهم "إيرباص" بنسبة 2%، فيما تخلى المؤشر "ستوكس 600 القياسي الأوروبي" عن كل مكاسب الشهر الماضي تقريبا، بعد أن وافقت منظمة التجارة العالمية على خطوات أميركية لفرض رسوم واردات على سلع أوروبية قيمتها 7.5 مليار دولار.

وقال أندريا سيسيون، مدير الاستراتيجية في (تي.اس لومبارد) "لم نرَ بعد أسوأ تداعيات حرب التجارة، وما يحدث له أثر كبير بالطبع على الصناعة في أوروبا لأنها تعتمد على الصادرات أكثر بكثير من الولايات المتحدة".

وهوت جميع الأسواق الأوروبية الرئيسة بأكثر من 2%، كما تراجعت الأسهم الإيطالية بنسبة 2.9% في أسوأ جلسة لها منذ ديسمبر (كانون الأول)، في حين فقدت الأسهم الفرنسية نحو 3% خلال جلسة أمس الأربعاء.

وانخفضت الأسهم في فرانكفورت بنسبة 2.8% إلى أدنى مستوياتها في شهر، وبلغت خسائرها أكثر من 4% في يومين فقط.

كما واجهت المؤشرات الرئيسة للأسهم الأميركية أسوأ أداء لها في 6 أسابيع، وذلك بعد بيانات للتوظيف والتصنيع تنبئ بأن تداعيات حرب التجارة الأميركية الصينية تضرّ باقتصاد الولايات المتحدة على نحو أكبر.

وتراجع المؤشر "داو جونز الصناعي" بنحو 494.22 نقطة، بما يعادل 1.86% إلى 26078.82 نقطة. ونزل المؤشر "ستاندرد اند بورز 500" بمقدار 52.59 نقطة أو 1.79% إلى مستوى 2887.66 نقطة. وفقد المؤشر "ناسداك" المجمع نحو 123.44 نقطة، بعدما تراجع بنسبة 1.56% إلى مستوى 7785.25 نقطة.