أهلاً بكم في "ليبرداد" البرازيلي أكبر الأحياء اليابانية في العالم!

تمارا هينسون تكشف فيما يلي حقيقة الرّوابط القوية بين مدينة ساو باولو البرازيلية واليابان

الشرق يعانق أميركا اللاتينية في الحي الياباني في ساو باولو البرازيلية (عن تمارا هينسون)

ها أنا ذا أجلس في مبنى جميل مكسو بالخشب، أُراقب إحدى السيّدات فيما تُرتّبُ باقةً من الزهور المتفتّحة ذات السّيقان الطويلة داخل إناء وتشرح الخطوات الأساسيّة التي يعتمد عليها فنّ تنسيق الزّهور الياباني. قد تبدو هذه السيدة للناظر إليها يابانية، ولكنّها في الحقيقة برازيلية، متحدرة من سلالة مهاجرة غادرت شرق آسيا باتجاه أميركا الجنوبية في أوائل تسعينيات القرن الماضي. يُذكر أنّ ورشة تنسيق الزّهور هذه هي إحدى الفعاليات العديدة التي يُنظّمها مركز "جابان هاوس" (Japan House) الذي تديره الحكومة اليابانية والرّامي إلى إعطاء لمحة صغيرة عن الثقافة اليابانية.

والمميّز في هذا المبنى الكائن في مدينة ساو باولو البرازيلية الذي يحمل توقيع المهندس المعماري مصمّم "استاد طوكيو الأولمبي"، أنه مزّين بالخشب الياباني من الخارج وبورق الواشي التقليدي الياباني من الدّاخل. ثمة غابة صغيرة من الخيزران في الطّابق الأول من هذا المبنى وهو عبارة عن شرفة كبيرة تطلّ على شارع باوليستا الرّئيسي الذي ترتفع أشجار النّخيل على جانبيه. وفي الطابق الأرضي منه قرب مقهى "جابان هاوس"، هناك قاعة مليئة بالكتب بوسع الزوار أن يستعيروا منها ما يشاؤون. وبالنّسبة إلى متجر الهدايا المنسّق بطريقةٍ آخاذة، فهو عبارة عن كنز دفين من أهم القطع اليابانية، لوحات مرسومة بقوالب خشبية ولوازم خاصة بفنّ طي الورق (أو أوريغامي) وأدوات مائدة يابانية.

ومع أن "جابان هاوس" هذا ليس فريداً في العالم فهناك عدد من المؤسسات الثقافية التي تحمل الاسم نفسه في دول أخرى حول العالم، بيد أن ساو باولو تحتفظ بالروابط الأقوى بين المدن كافة مع اليابان. وفي هذا الخصوص، يُخبرني مارسيلو أراوغو، وهو رئيس "جابان هاوس"، أنّه على تواصل دائم مع القنصلية العامة لليابان في ساو باولو، لافتاً إلى تمتّع مدينته بروابط استثنائيّة مع كلّ محافظة من محافظات اليابان. ويقرّ بأن هناك من "يظنّ أنّه من الأفضل نقل "جابان هاوس" إلى حيّ "ليبرداد" (الحرية).. لكنّ شارع باوليستا هو قلب المدينة النابض وهذا المركز الثقافي الياباني للجميع دون استثناء".

وإذ يخلو حيّ "ليبرداد" المجاور والمعروف كأكبر تجمّع ياباني في العالم، من "جابان هاوس" فهو يضمّ "المتحف التاريخي للهجرة اليابانية" وبوابة التوري العملاقة عند أحد أطراف شارع "غالفا بوينو" فضلاً عن الأوراق الشبيهة التي تبدو كمصابيح متدليّة من أعمدة الإنارة الحمراء الأنيقة. وأرى هنا حديقة خيزران صغيرة وجداريات فنيّة جميلة، تُصور إحداها امرأةٍ في ترتدي الكيمونو تحيط بها من كلّ جانب أسماك زاهية الألوان. وعلى طول الطّرق الجانبية الضيّقة للمنطقة، تتوزع تشكيلة كبيرة من المطاعم والحانات اليابانية (أو إيزاكايا) ومعظمها مزود بستائر نورن التقليدية للأبواب.

وفي متاجر البقالة في "ليبرداد"، تجد الفاكهة معروضة على طريقة صالات طعام الديباشيكا في طوكيو. فإلى جانب ثمار التوت الأسود والبابايا، تُمدد قطع الشمام والمانغو الضخمة والمعبأة، كل على حدة، في إشارة إلى محبّة اليابانيين الكبيرة للفاكهة وتقديمهم لها كهدايا.

والحقّ يُقال، لم يكن اليابانيون دائماً موضع ترحيب. وعلمت في "المتحف التاريخي للهجرة اليابانية"، أن ثمة حدثين مهمّين كانا وراء توافدهم الكبير إلى هنا. في العام 1850، أُلغيت تجارة الرّقيق في البرازيل. كانت الدولة تُعوّل بشكلٍ كبير على عمالة الرقّ، كما يدل احتواء مدينة سلفادور البرازيلية اليوم على أكبر جالية من أصول إفريقية خارج إفريقيا. وفي ساو باولو تحديداً، كان العبيد يعملون في مزارع القهوة الممتدة على مساحات شاسعة تُطوّق المدينة. وبعد إلغاء تجارة العبيد اضطرت البرازيل إلى البحث عن مصدر بديل لليد العاملة. ولمّا اشتدّت الأزمة على اليابان جراء سقوط نظامها الاقطاعي وتسبّبه بإفقار العديد من القرويين، وازدادت حاجة البرازيل للعمالة في زراعة القهوة، سارعت حكومتا البلدين إلى توقيع معاهدة تسمح لليابانيين بالهجرة إلى البرازيل. ووصلت أول دفعة من المهاجرين اليابانيين إلى البرازيل وفي عام 1908على متن سفينة "كاساتو مارو" للشحن.

واتّجهت غالبيّة هؤلاء الوافدين الجدد نحو ساو باولو التي تحتضن النسبة الأكبر من نباتات القهوة المملوكة لمزارعين تعاملوا مع الشغيلة اليابانيين بالطريقة نفسها التي كانوا يعاملون فيها العبيد الأفارقة. وعندما تراجع الطلب على العمالة، لم يكن لدى أكثرية اليابانيين ما يكفي من المال للعودة إلى وطنهم. فقرروا البقاء والحفاظ على ثقافتهم عن طريق بناء مجتمعات (من قبيل مجتمع "ليبرداد") وجمعيات ثقافية ومدارس، وبحلول العام 1932، كانت ساو باولو تضمّ حوالي 200 مدرسة يابانية. عدا ذلك، أنشأ اليابانيون تعاونيات وصنّعوا منتجات يابانية، كالحرير والشاي الأخضر وحصر التاتامي المنسوجة من سيقان نبتة الإيغوزا المستوردة.

رافقتني في جولتي داخل "المتحف التاريخي للهجرة اليابانية" باتريسيا تاكيهانا، المرشدة المحلية من أصول يابانية. هاجر أجدادها من اليابان إلى البرازيل. أما والداها، فوُلدا وترعرعا في ريف البرازيل لينتقلا منه إلى المدينة للالتحاق بالجامعة. تروي لي تاكيهانا أنّها زارت اليابان ثلاث مرات في حياتها ولكنها لا تعرف من اللغة اليابانية سوى القليل. وهي تعتبر نفسها برازيلية والأرجح أن تتحيّز للبرازيل في مباراة كرة قدم تجمع البلدين.

يعيش هذه الأيام 308 ملايين شخص من أصول يابانية خارج اليابان؛ نصفهم في البرازيل، إن لم يكن في فندق "إنتركونتيننتال ساو باولو" حيث أنزل! فقُرب هذ الأخير من حيّ "ليبرداد" حوّله إلى قبلة أنظار المسافرين اليايانيين الذين يعثرون في غرفه أكياس شاي ماتشا، ولعلهم يجدون في أحواض الاستحمام التي يزيد عددها فيه عن أي فندق آخر في ساو باولو، بديلاً عن حمامات الينابيع الحارة اليابانية ( أونسن). وبحسب رواية الساقي سادراك، فإن الساكيرنها هو أحد أكثر الكوكتيلات شعبيةً في المنطقة، ويمكن القول إنه النسخة اليابانية من المشروب البرازيلي القومي (إذ أنه معدّ من الساكي بدلاً من الكايبيرنها).

وسوق نهاية الأسبوع في "ساحة ليبرداد" هو دليل آخر على قوة الرّوابط بين ساو باولو واليابان. وتُباع فيه مختلف أنواع الأطعمة اليابانية من الرامين إلى الأوكونومياكي، كما يمكن للمرء أن يشتري فيه أيضاً لوحات رسوم متحركة من نوع المانغا ومجسّمات صغيرة لبوابات توري مكتوب عليها عبارة: "أحب ساو باولو".

وأخيراً، هناك الجناح الياباني في "منتزه ايبيرابويرا" المشهور ببحيرته الاصطناعية المليئة بسمك الشبوط وتحفه الفنية التي لا تُقدّر بثمن والتي تبرّع بها المجتمع الياباني في ساو باولو، نذكر منها على سبيل المثال: سيف تاريخي من حقبة إيدو وصور مخطوطات يابانية من القرن الثاني عشر. والجزء المفضّل لديّ في هذا الجناح هو الطابق الأرضي حيث يمكن العثور على حديقة برازيلية تزخر بأصناف محلية وتُحاكي حدائق الزّن اليابانية. فهو يذكّرني بكلام باتريسا تاكيهانا: "لديّ أفضل ما في العالمين هنا".

معلومات أساسية للزائر

كيفية الوصول إلى هناك

خطوط "لاتام" الجويّة تُسيّر رحلات من مطار هيثرو لندن إلى ساو باولو بتكلفة تبدأ بـ 470 جنيهاً إسترلينياً.

الإقامة هناك

غرفة مزدوجة في فندق "إنتركونتيننتال ساو باولو" بأجر يبدأ بـ 165 جنيهاً إسترلينياً.

© The Independent

المزيد من ترفيه وسفر