"مكان" العائلة العراقية المهاجرة الى فرنسا هو اللامكان في مسرحية تمارا السعدي

عرض فرنسي يعتمد لعبة الممثلين والسينوغرافيا الفارغة

من مسرحية"مكان"للمخرجة العراقية الفرنسية تمارا السعدي (مسرح المدينة)

حمل "مهرجان المسرح الأوروبي في لبنان" في عرضه الافتتاحي في مسرح المدينة، مفاجأة للجمهور اللبناني تمثلت في المسرحية الفرنسية "مكان" (PLACE) ، التي تدور حول قضية راهنة هي المنفى وما يشمل من مقولات أخرى مثل النزوح والغربة والهوية وسواها، والتي تتقاطع فيها مأساة العراق في الداخل والخارج أو المنفى. المسرحية فرنسية نصاً وتمثيلاً وإنتاجاً، لكنّ كاتبتها ومخرجتها عراقية – فرنسية تدعى تمارا السعدي في الثالثة والثلاثين من عمرها. وبحسب ما يوحي به العنوان، فالمسرحية تدور حول "المكان" بصفته منفى فرنسياً أي "لا مكاناً" ما دام سكانه أو أهله يشكلون عائلة عراقية وجدت نفسها منفية إلى فرنسا. لا تسمية هنا لمدينة ما أو منطقة، وكأن المنفي لا يحتاج إلى مرجع في بلاد الغربة. وقد يكون "مكان" هذه العائلة هو الانتظار، أي الدرجة صفر، فالإقامة هنا وهمية والعودة وهمية، وكأن المكان هو مكان اللاإقامة واللاعودة.

ولئن بدت المسرحية مفتوحة على الكثير من الأسئلة السياسية والاجتماعية التي تفرضها حال النزوح والهجرة، وترتبط خصوصاً بمأساة العراق المستمرة منذ الحرب العراقية – الإيرانية حتى الاجتياح الأميركي وما تلاه من أزمات وجودية وجماعية، فهي لم تخل من جانب أوتوبيوغرافي أو سير- ذاتي، فالكاتبة والمخرجة إنما تروي معاناتها الشخصية، وما كابدت هي وعائلتها العراقية المقتلعة، من مشكلات ذاتية وخارجية أو سياسية. وقد عمدت تمارا بصفتها كاتبة النص البديع ومخرجة العرض البديع، إلى إسقاط مأساتها على شخصية رئيسية في المسرحية هي ياسمينة التي لن تلبث أن تنفصم إلى "ياسمينتين"، واحدة عراقية مرتبطة بحنين الماضي ومدفوعة لا وعياً إلى ذاته الأصلية (وقد فاجأتنا بهذا الدورالممثلة مايا صنبر ابنة الكاتب الفلسطيني الياس صنبر والصحافية اللبنانية منى نعيم)، وأخرى فرنسية تريد أن تنسى هذا الماضي وتتبرأ منه، تماشياً مع واقعها الجديد. وكم نجحت الكاتبة والمخرجة (والممثلتان بالتالي) في تجسيد حال الانفصام النفسي والجسدي، وجعلته أشبه بالصراع الوجودي بين انتماءين وهويتين ولغتين، العربية أو العراقية التي هي لغة الأهل والفرنسية التي هي لغة البلاد الجديدة. وكم كان مشهد تواجه ياسمين العراقية وياسمين الفرنسية وجهها لوجه، قوياً ومعبراً. ولعل تركيز تمارا على قضية اللغة بدا مصيباً جداً، فاللغة هي مظهر من مظاهر الوجود، ومن دونها يفقد المرء حضوره. هكذا شعرت الطفلة ابنة الرابعة أو الخامسة بغربة شديدة عندما نزلت من المترو ووجدت أنها لا تعرف الأحرف المكتوبة على الجدران أو في الإعلانات، فهذه ليست أحرفها. وهنا تختلق الكاتبة شخصية محلل نفسي هو عبارة عن فتى كأنه طالع من مخيلة طفولية، يأخذ بيدها ويشجعها على أن تستعيد ماضيها من جديد لتعيد خلقه. طبعاً هذا بُعد فانتازي في المسرحية أضاف إليها مزيداً من الطفولية التغريبية تماما مثل عالم المراهقة الفرنسية في المدرسة او خارجها الذي تستعيده ياسمين البالغة. لكن ياسمين الصغيرة  تبدأ بتعلم اللغة الفرنسية، عبر تهجئة الأحرف الفرنسية في طريقة طريفة، مؤدية دور الفتاة الصغيرة.

مأزق العائلة

يعيش أفراد العائلة واقعاً يشبه المأزق أو الطريق المسدود، تسكنهم أشباح ماضيهم العراقي، الجميل (الكلام عن الحديقة مثلاً) والبشع أو البائس نتيجة الحروب المتعاقبة. الأب الذي خرج من التعذيب في سجون النظام العراقي يبقى صامتاً أو أخرس طوال العرض، كأنه منسي أو مهجور، ولا تخرج من فمه سوى قحة تخيف أفراد العائلة وتعيد إلى ذاكرتهم سلطته الأبوية. الأم التي تعاني ألماً في جسدها تتجمع على نفسها وتتمرغ صارخة وكأنها أم في مأساة إغريقية تعيش الألم جسداً وروحاً. أما الأخت والأخ فكأنهم يعيشون في سجن لا يلبث أن ينتقل من كونه عراقياً إلى كونه فرنسياً. هناك سجن وهنا سجن كبير هو المنفى. ولا تغيب عن السجن في صفتيه هاتين، نشرات أخبار، بالعربية هي بمثابة خلفية صوتية، أو بالفرنسية مباشرة. وكلها تنقل وقائع الحرب الأميركية على العراق.

إلا أن ياسمين تتمكن من كسر عزلة الأم والأب، تتعلم الفرنسية وتنخرط في جو المدرسة والجامعة من ثم، على رغم عيشها صراعاً داخلياً مريراً أحياناً بين هويتيها المنفصمتين واللتين لن تلتئما. تعيش ذكرياتها وفانتسماتها، ولا تغيب عنها أشباح الطفولة. وكم بدا لاحقاً مشهد خضوعها للتحقيق من أجل نيل الجنسية الفرنسية جميلاً ومؤثراً وأليماً على رغم بعض السخرية التي رافقته. لا يخلو تحقيق الشرطة من الرهبة والشعور بالذل. فبينما تحقق الشرطية مع ياسمين بالفرنسية بعدما طلبت منها أوراقاً لا تحصى، وتستمع إليها تجيبها بفرنسية ممتازة، تسألها يوقاحة إن كانت تجيد الفرنسية. وتسألها إن كانت تجيد العربية فترتبك ياسمين وتقول لها: لا. تسألها بلؤم كي تحرجها: ألا تتحدثين مع أهلك بالعربية؟ ترتبك ياسمين، حتى لتقول إنها نسيت العربيةوكلها خوف من ألا تحصل على الجنسية الفرنسية. لكن حصول ياسمين على الجنسية لا يعني أنها استطاعت أن تتجاوز مشكلة انفصامها بين انتماءين ووجودين، بين مكانين (هنا وهناك). تقع ياسمين في حب زميل فرنسي لها يبادلها الحب، وعندما تزور عائلته التقليدية برفقته، تفاجأ بما يمكن تسميته "عنصرية" فرنسية، فالأب والأم يسألانها إن كانت تشرب أو تأكل الخنزير، وعندما تقول لهما إنها عراقية مسيحية يستغربان. تسألها الأم: هل في العالم العربي مسيحيون؟

سينوغرافيا الفراغ

اختارت المخرجة فضاء شبه فارغ للعرض المسرحي، فالديكور لا يتخطى بضعة عناصر، كالكرسي الذي يجلس عليه الأب الصامت والميكروفون والرمل الذي حوّل المسرح إلى ما يشبه الصحراء، إضافة إلى مجموعة كبيرة من الكراسي الكثيرة التي ينقلها الممثلون إلى الخشبة ثم يعمدون إلى قلبها عشوائياً فيبدو كأن خراباً مر على الخشبة، دلالة على الخراب الذي تعيشه العائلة. لكن المخرجة رسمت سينوغرافيا العرض بحركة الممثلين وأجسادهم وكانوا بارعين فعلاً في ملء الفضاء بالإشارات والمعاني، وبدا إيقاعهم كأنه عماد الأداء والخيط الداخلي الذي يجمع بينهم كشخصيات، أفراداً ومجموعات. هذا عرض مشهدي بامتياز ولكن من دون مؤثرات خارجية أو ضوئية أو بصرية، فالممثلون كانوا وحدهم قادرين على ترسيخ هذا البعد المشهدي الحركي، بنضارتهم ومتانتهم ووعيهم معنى الأداء المفتوح الذي يستفيد قليلاً من الارتجال المضمر.

تردد ياسمين جملة هي "أتذكر طفولتي كصرخة"، وفي أحد المشاهد تؤدي قصيدة للشاعر لويس أراغون "ليس من حب سعيد" التي لحنها الكبير جورج براسنز، بصوت يذوب رقة وعذوبة. ليس من حب سعيد في هذا العالم، ليس أيضاً من مكان يمكن أن يسمى سعيداً. إنه "المكان" الذي يظل مفقوداً لأنه اللامكان أو الهنا والهناك في وقت واحد. قيل إن المخرجة العراقية الفرنسية تامار السعدي لم تتمكن من مرافقة الفرقة إلى بيروت لارتباطها بأعمال أخرى، وكان الجمهور اللبناني يود حتماً التعرف إليها، هي صاحبة الموهبة الكبيرة والتي لم تخف انتماءها الاول أي العراقي ولم تبدل اسمها. اما الممثلون الرائعون فهم إضافة الى الممثلة الموهوبة مايا صنبر، ماري تيرمون، ياسمين ناديفي، فرانسواز تورياس، دافيد شوس، اسماعيل تيفوش نياتو ورولان تيميست.

المزيد من ثقافة