مهرجان الخيول العربية بـ"الشرقية"... استثمارات ضخمة معطّلة وترويج ضعيف

المعايير العالمية تحول دون إدراجه دوليا... والقبائل في مصر مستعدة لدعمه ماليا

بصهيل مميز يشقّ غبار صحراء محافظة الشرقية، وبهاء لا يضاهيه جمال آخر، تندفع عشرات الخيول العربية الأصيلة في مضمار صُنع خصيصا بمدينة "بلبيس" تراقص في شموخ أنغام الموسيقى، لتعلن بدء مسابقتي الجمال والأدب للخيول العربية المشاركة في فعاليات مهرجان الشرقية للخيول العربية في دورته الـ24، المقامة برعاية وزارتي السياحة والشباب والرياضة، بمشاركة أعضاء نوادي الفروسية وأصحاب مزارع الخيول وعشاق رياضة الخيل من مختلف المحافظات المصرية.

مهرجان يكشف عن حجم استثمار ضخم تنفرد به محافظة الشرقية بقدرتها وحدها على ضخ 80% من إجمالي ثروة مصر من الخيول العربية الأصيلة، يتزامن مع ذلك ترويج ضعيف، ومجهودات لا تتعدى الترويج المحلي داخل المحافظة بفعل ميزانية محدودة وتخطيط لا زال ينقصه الكثير، الأمر الذي يضيع معه كنز قد يدرّ على مصر أرقاما لا يستهان بها من النقد الأجنبي، إذا تم وضع هذا الملف على رأس أولويات الاستثمار في مصر.

الحصان الأبيض الجامح... شعار ومهرجان وتاريخ عريق

"حصان أبيض جموح وخلفية خضراء" هو شعار وعَلَم "الشرقية"، تميزت به المحافظة نظرا لقدرة مزارعها على إنتاج 80% من إجمالي الخيول العربية الأصيلة في مصر، وكتنويع للمنتج السياحي فقد اتّجه الفكر إلى توظيف واستثمار رياضات وبطولات الخيل وألعاب الفروسية في تدعيم وتنشيط السياحة الرياضية والصحراوية، على الصعيدين المحلي والعالمي.

يرجع تاريخ تنظيم المهرجان للمرة الأولى لعام 1991، وتوالى تنظيمه سنويا بعد النجاح الذي حققه، لتعدّ محافظة الشرقية منذ ذلك الحين في مقدمة صنّاع السياحة في مجال بطولات ورياضات الخيل.

الجذب السياحي عامل رئيس يهدف إليه المهرجان، حيث يحضره مئات المصريين، وكذلك العرب والأجانب الذين يفدون خصيصا إلى مصر لحضور فعالياته.

تنظيم المهرجان، بدءا من دورته الرابعة، يتم تحت رعاية رئيس الوزراء، وتسجله أجندة وزارة السياحة كمنتج سياحي غير تقليدي، كما يسجّله المجلس القومي للرياضة كمهرجان رياضي في مجال بطولات الخيل وألعاب الفروسية، تنفرد محافظة الشرقية بتنظيمه.

استثمار داخلي... وميزانية محدودة

تشارك 200 مزرعة منتجة للخيول هذا العام في المهرجان، وكذلك 120 حصانا عربيا أصيلا، كما يجذب الحدث أصحاب المزارع المتخصصة في إنتاج الخيول، ومحبي رياضة الفروسية من القبائل العربية، ومربيها من محافظات الجوار، والمهتمين بتربية الخيول في الدول العربية الأخرى، بحسب ما صرحت أسماء عبد العظيم، المتحدث الرسمي باسم محافظة الشرقية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تقول عبد العظيم "دور محافظة الشرقية يقتصر على تنشيط السياحة وتنمية رياضة الفروسية، لكن الاستثمار كأثر لذلك المنوط بتحديده والتخطيط له وزارة السياحة. نهدف إلى أخذ المهرجان إلى العالمية وإدراجه كمهرجان دولي، وحينها من الممكن أن نجني ثمار الاستثمارات والعوائد الاقتصادية. ويجرى تنظيم معارض على هامش المهرجان لأندية الفتاة وأندية المرأة والأسر المنتجة لعرض منتجاتها من سجاد يدوي وورق البردي وصناعة الحصير والعرائس الخشبية التي تتميز بها المحافظة".

تقف المعايير والمقاييس العالمية لمهرجانات الخيول، من حيث المساحات والمضمار والفنادق التي تخدم المشاركين، حائلا دون اعتماده دوليا، رغم إنتاج محافظة الشرقية المميز من الخيول العربية الأصيلة، والتي بمثابة استثمار معطل، رغم اشتهارها عالميا وحرص هواة الخيول من شتى أنحاء العالم على اقتنائها.

تقول عبد العظيم إن "الارتقاء بالمهرجان ليصبح مهرجانا دوليا يحتاج إلى تجهيزات خاصة لا تتوفّر حاليا، مما يتطلب دعم وزارة السياحة والوزارات المعنية لميزانية المحافظة التي تذهب في المقام الأول إلى الحاجات الأساسية لأبنائها من تعليم وصحة وغيره".

استثمار ضخم... وترويج ضعيف

وفي تصريحات خاصة لـ"إندبندنت عربية"، قال ممدوح غراب، محافظ الشرقية، إن "المحافظة ينحصر عملها في الدور التنسيقي لدعم مربي الخيول، من خلال متابعات مديرية الطب البيطري بشكل مستمر لنحو 150 مزرعة، والترويج لإنتاج المزارع، والمشاركة في المسابقات لترويج إنتاجيتهم".

وعن آليات دعم الاستثمار في هذا المجال الذي تتفرّد به المحافظة، يقول غراب "مهتمون ببحث ملفات المستثمرين ومشاريعهم وعرض المشكلات التي تواجههم في مجال تنمية وإنشاء مزارع الخيل العربي على لجنة الاستثمار بالمحافظة، ويتم تشكيل لجان لحلها".

وعن ضعف الحضور العربي، يعلّق غراب "أعتقد أن التسويق لم يكن على المستوى الكافي حتى يستطيع لفت نظر الإخوة العرب، رغم اهتمامهم اللافت بمثل هذه الفعاليات، يجب أن يُخطّط ويُروّج للمهرجان العام المقبل على أعلى مستوى وعلى نطاق واسع، وهذا ما نجهّز له بدءا من اليوم، حتى وإن تطلب ذلك إسناد الأمر إلى شركات كبرى في مجال إدارة وتنظيم المهرجان والتسويق له، مما يدفع بالمهرجان أيضا إلى الاعتراف الدولي وهو ما نتمناه ونسعى له استنادا إلى امتلاكنا المقومات الأساسية، وإذا نجحت الخطة فإننا لن نحتاج دعما ماديا لميزانية المحافظة، بل على العكس قد يدّر المهرجان دخلا معتبرا للدولة".

قبائل مصر والعالم العربي... تحفظات وإيجابيات

الشيخ حازم السويفي، أمين عام الاتحاد العربي للقبائل العربية بالكويت، يؤكد أنه "واحد من عشاق الخيل العربي الأصيل، بخاصة السلالات التي تتمتع بها مصر وتحديدا محافظة الشرقية، لذا يأتي للمرة الثانية كي يقتني بعضا منها"، مضيفا أنه "على الرغم من النقاط الإيجابية في المهرجان، بخاصة مسابقة (جمال الخيول) التي يتنافس فيها أصحاب المزارع بين أجود أنواع السلالات النقية، لكن لا زالت هناك متعة غائبة عن المهرجان، وهي سباق الفرسان، والذي يعد واحدا من أقوى الرياضات التي يعشقها محبو الخيول"، لافتا إلى أنه من الضروري الاهتمام بهذا النوع لجذب المزيد من عشاق الخيول.

"تنمية المهرجان وعمل توسعات كبيرة كي يستقبل هذا الحدث فرسانا من مختلف الدول العربية والأجنبية هو أهم خطوة يجب أن يتم التركيز عليها من خلال التعاون والتنسيق مع الاتحاد الدولي للفروسية لما تتمتع به مصر من ريادة في إنتاج وتربية الخيول العربية،"، بحسب "السويفي".

ويقول الشيخ خميس عبيد العجرمي، الأمين العام للقبائل العربية في مصر، إن "القبائل العربية حريصة على حضور مهرجان الشرقية سنويا، فهو يعطي طابعا عريقا لمصر ويروّج لإنتاجنا من الخيول الأصيلة"، متمنيا أن يتوسع المهرجان العام المقبل ليشمل أنشطة أخرى، "فالمهرجان أنشطته محدودة رغم تميزها وينقصه الكثير".

ويعلق العجرمي على التمثيل الضعيف للقبائل العربية داخل مصر في المهرجان، قائلا "هذا راجع للتنظيم والتنسيق مع إدارة المهرجان، والتي يجب أن تدعو القبائل العربية قبل الحدث بوقت كافٍ، حتى تتمكن القبائل من الترتيب والاستعداد مبكرا على مستوى تجهيز الخيول ونقلها من المحافظات المختلفة لموقع المهرجان بمحافظة الشرقية، فنقل الخيول من محافظة مطروح إلى الشرقية يستغرق وقتا ويتطلب مجهودا، فضلا عن عدم وجود أماكن لإقامة الوفود والقائمين على خدمة ورعاية الخيول بعد قطع كل تلك المسافة"، لافتا "نحتاج أن يكون العرض عدة أيام متتالية وليس يوما أو يومين فقط".

ويؤكد العجرمي أن "القبائل العربية لديها الاستعداد للتكفل بجزء من تكلفة التطوير لما للمهرجان من أهمية كبرى لدينا، حتى يخرج بالمستوى الذي نتمناه في العام المقبل، وحتى يكون لمصر حضور في الفعاليات الدولية والتي تعود بمردود كبير علينا".

واقترح العجرمي إقامة مهرجان للإبل أيضا على غرار مهرجان الخيول العربية، لتميزهم بها أيضا، بخاصة بدو سيناء ومطروح والشرقية.

ومن جانبه، يؤكد الشيخ أحمد الرمحي، المتحدث الرسمي باسم القائمة المصرية للقبائل العربية، أنه لا يوجد عمل إلا وبه نقصان، ولكن التنظيم راق، لكننا نقترح أن لا يكون المهرجان مقتصرا على الشرقية، بل يعمم على مختلف محافظات مصر، وبخاصة التي يقطن بها القبائل العربية، فجميعهم مهتمون بهذا الإرث".

تنشيط السياحة الداخلية

 سامية المشاط، مدير إدارة السياحة بالشرقية، تؤكد أن المهرجان يعود بأثر إيجابي على المحافظة بأكملها من خلال زيارة الوفود القادمة من المحافظات المختلفة والوطن العربي للمناطق الأثرية بمحافظة الشرقية، ولا يقتصر الأمر فقط علي حضور المهرجان، مما يعود بالنفع على السياحة الداخلية لمصر.

المزيد من مهرجانات