الروائي المصري الفرنكفوني المغترب ألبير قصيري استشرف الربيع العربي باكرا

"طموح في الصحراء" رواية حازت جائزة الاكاديمية الفرنسية… وصدرت ترجمتها العربية

الكاتب المصري الفرنكوفوني الراحل البير قصيري في باريس (يوتيوب)

"طموح في الصحراء"، رواية ألبير قصيري الحائزة على جائزة الأكاديمية الفرنسية للفرنكفونية عام 1990، صدرت طبعتها الأولى عام 1984 عن دار غاليمار في باريس، وتمت ترجمتها إلى العربية بواسطة إيهاب صبحي ضمن "سلسلة الجوائز" التي تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب وترأس تحريرها الروائية سهير المصادفة. والمدهش هو أن هذا العمل يتنبأ بمآل "ثورات الربيع العربي"، فأحداثه تدور في بلد عربي فقير، يسعى أحد شخصياته البارزة ويدعى "بن كادم" إلى إشعال ثورة وتصديرها إلى الجوار الغني، لكن سرعان ما ينقلب السحر على الساحر، بالنظر إلى الهوة الشاسعة بين ذلك الطموح الذي سيتضح أن دوافع شخصية تؤججه، وبين معطيات واقع، "تهيمن عليه قوى إمبريالية لا تسمح بأن يشاركها أحد في وضع حدوده، بحسب ما جاء في الرواية. ولا تخفى دلالة تشابه اسم بطل تلك الرواية مع اسم بن لادن، الذي انطلق تحركه "الثوري" أولاً من الجهاد ضد السوفيات لإخراجهم من أفغانستان، ثم تحول إلى محاربة أميركا نفسها، وصولاً إلى مقتله على يد الأميركيين ودفن جثته في البحر.

تبدأ الأحداث بأن ينتبه "سامنتار"، وهو مواطن رفيع المستوى، إذا جاز التعبير، لقربه من دائرة الحكم على الرغم من زهده في المناصب، إلى إرهاصات "ثورة مصنوعة"، لا يريد ضابطُ إيقاعها مجرد إزاحة الحاكم الذي رفعه إلى منزلة أقرب مساعديه وجعله رئيس وزراء تلك الإمارة التي تسمى "الدوفة". يقرر "سامنتار"، الذي لا ندري لماذا اختار قصيري له اسماً غير عربي، أن يتتبع أمر تفجيرات بدائية شملت مناطق عدة في الإمارة، من دون أن تسفر عن خسائر بشرية؛ لخشيته من أن تدمر سلامه الشخصي، أولاً، قبل أن تذهب بـ"استقرار" البلد، ومن ثم ينبغي عليه العمل على وأدها وهي لا تزال في المهد. لكن صديقه المطرب "هشام"، يخالفه الرأي، خصوصاً بعد تكرار التفجيرات، وتطورها تقنياً لتدمر منشآت حكومية وأخرى يملكها أثرياء حققوا ثرواتهم بأساليب مشبوهة. ومع ذلك يصر "سامنتار" على المضي قدماً في سبيل تحديد من يقف وراء تلك التفجيرات والمناشير التي تحرض على الثورة، ويجد خيطاً يتمثل في صديق طفولته وشبابه "شحات" الذي خرج من السجن فجأة وظهرت عليه علامات ثراء برَّره لصديقه المرتاب في أمره بأنه نتيجة انخراطه في مشاريع تجارية. لكن الحقيقة هي أن "شحات"، خرج من السجن قبل أن يتم مدة عقوبته، باتفاق مع "حجازي" الذي يقود ميليشيات تدين بالولاء لرئيس الوزراء، على أن يتولى صناعة القنابل التي ستستخدم في تفجير الوضع المستقر. يوافق "شحات" فوراً، وفي ذهنه أن الأمر سيمنحه فرصة جديدة لعيش لحظات من الإثارة والمتعة، بما أن التفجيرات لن تستهدف حياة أي إنسان، وغرضها لا يبعد عن مجرد لفت أنظار الناس إلى بؤس أوضاعهم المعيشية في صحراء قاحلة. لكن سرعان ما تخرج الأمور عن السيطرة بعد أن يتمكن "سامنتار" من معرفة أن صديقه يقف وراء القنابل بدائية الصنع، لكنهما يتفاجآن بدخول أطراف أخرى في معمعة التفجيرات ليتسع مداها وتوقع خسائر كبيرة في الأرواح، وتصل إلى حد استهداف رئيس الوزراء نفسه (بن كادم). ومن ثم تغري تلك التطورات القوى الإمبريالية بالتدخل بعدما كانت مقتنعة بعدم جدوى الاهتمام بإمارة لا تخبئ أراضيها أي ثروات، لكنها باتت مؤهلة لإصابة محيطها الواقع تحت السيطرة الإمبريالية لغناه الفاحش، بعدوى التمرد والتوق إلى التحرر من الهيمنة الأجنبية.

خارج السياق

هذه رواية تخرج عن سياق غالبية روايات ألبير قصيري (1913-2008) التي تدور أحداثها في مصر التي عاش فيها طفولته وجانباً من صباه قبل أن ينتقل إلى فرنسا عام 1945 ويقيم لأكثر من 60 عاماً في غرفة في فندق باريسي مثل "أمير عاطل"، بحسب وصف إيهاب صبحي في تقديمه لترجمته لرواية "طموح في الصحراء". ومع ذلك فإنه في هذه الرواية التي صدرت عام 1980 يواصل سبغ شخصياته الرئيسية بأهم سمة ميَّزته وهي الكسل، وفي مقدمها؛ هنا؛ شخصية "سامنتار" الذي يمكن وصفه أيضاً بـ"أمير عاطل"، ينعم بسلام داخلي مصدره مثاليته والزهد في المناصب والمغانم المادية، على الرغم من انتسابه بالدم إلى دائرة الحكم في إمارة "الدوفة". وكما يقول إيهاب صبحي فإن تلك الإمارة هي مكان متخيل على الرغم من أنه يلامس الواقع مباشرة. صحيح أن قصيري كتب تلك الرواية قبل نحو ربع قرن على انطلاق شرارة ثورات عدة في تونس ومصر وليبيا وسورية واليمن، ضمن ما أسماه الإعلام الغربي "الربيع العربي"، إلا أنها بدت وكأنها تستشرفها وتحذر من مآلاتها في ظل صعود التطرف الديني واستثماره غربياً لإنهاء الوجود السوفياتي في أفغانستان، في إطار صراع على النفوذ في الشرق الأوسط والعالم الثالث عموماً، طمعاً في ثروات لا يكاد ينعم بها ناسُ المكان. بتأمل ما يحدث، يتمكن "سامنتار" الذي أضطر للخروج مؤقتاً من حال الكسل التي ينعم بها، من إدراك أن التفجيرات التي هزت "الدوفة"؛ "تقف في الخطوط الأمامية للإرهاب" ص178. ويبدو أن المغني "هشام" أدرك ذلك أيضاً، فألجم حماسته الثورية، وبات ينظر إلى الأمر باعتبار أنه "يقتصر على طموح رجل (بن كادم) لم يعد يمثل قوة الجذب التي كانت لديه في بداياته". هكذا يتحد "سامنتار" و"شحات" و"هشام"، ومعهم شاب يدعي الجنون يدعى "طارق" في وجه طموح بن كادم، الذي سرعان ما يصطدم بخروج الأمر عن سيطرته عندما يحاول ابنٌ غيرُ شرعي له، اغتياله بقنبلة، لكنها تنفجر في ذلك الشاب الحانق وهو على بُعد خطوات من هدفه. وهنا تنتهي- كما ورد على لسان السارد العليم- "أحلام ساذجة عن ثورة منقذة، كانت ستثير في الواقع، جشع وأنانية غابة الرأسمالية في مجتمع فقير لكنه متحاب". هذا السارد، لن نجد صعوبة في إدراك أنه يحمل أفكار ألبير قصيري الذي يصف "سامنتار" بعد تمكنه من حل لغز "الثورة المصنوعة"، بأنه "كان في حالة فردوسية مقارنة بالعناء الشديد الذي يعانيه بشكل يومي حشد من العاملين في البلاد الباردة التي بها هوس الصناعة. خارج هذه الصحراء القاحلة بضراوة، يعيش الأغنياء والفقراء في توتر ورغبة في الكسب، تماماً كالمحكوم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة من دون أن تكون هناك دقيقة لكي يتمتعوا حقاً بمرورهم على هذه الأرض". في الأخير يدرك "سامنتار" أن "بن كادم"، "ليس سوى عقل متزمت ومغرم بأن يلقي بنفسه في وهم مطلق. وجهه القاسي والضامر يعبر على الرغم من كبريائه عن تعاسة ظاهرة". هنا ستتجلى من دون شك في ذهن القارئ، صورة أسامة بن لادن (1957-2011) الذي قدم نفسه إلى العالم باعتباره ثائراً أممياً، ولكن في صورة مناقضة في طبيعة الأفكار لصورة تشي غيفارا مثلاً. ويحسب لألبير قصيري ذلك الاستشراف، الذي نجا من الوقوع في شرك "الإسلاموفوبيا"، ليؤكد أن طموح ذلك "الثائر" كان شخصياً أكثر منه طموحاً عقائدياً.                           

المزيد من ثقافة